إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2010/05/29

في سياحة الكتب 8

في سياحة الكتب
في سياحة الكتب:8
لكتب السيرة الذاتية فوائد كثيرة يشعر بها القارئ،فهي بالاضافة الى المتعة العقلية والوجدانية فيها،فأن فيها الكثير من الدروس والعبر من خلال سيرة الاخرين خاصة اذا عاشوا في فترات زمنية سابقة حيث تمنحنا فرصة العيش في تلك الازمان الاقل تعقيدا بالمقارنة مع الزمن الحالي،بالرغم من الاختلاف الكبير في طبيعة المعيشة ظروفها ولكن يبقى الانسان هو ذاته الذي يعيش مختلف الازمان بعقل وقلب واحاسيس ومشاعر واحدة تجمعه مع بني جنسه من الاجيال القادمة...
المصادفة فقط كانت وراء قراءة كتابين في نفس الصنف وتناولا فترات زمنية متقاربة،ولكن ضمن بيئتين مختلفين وبتفاصيل تكاد تكون غير مشتركة في العرض وايضا في كتابة خلاصة الزمن وتجاربه...
الكتاب الاول:
ماذا علمتني الحياة؟...د.جلال امين...الطبعة الرابعة 2008 ويتألف من 399 صفحة من القطع الكبير والورق الخشن...
الكاتب هو استاذ اقتصاد ولكنه خريج حقوق! ولم تكن له رغبة في دراسة الاقتصاد وهو العلم المعروف عنه الجفاف وصعوبة فهم مطالبه...كما انه اصغر ابناء المؤرخ المصري احمد امين(ت1954) وهو الذي تطبع بصفاته معظم ابناءه...وبالرغم من خفة صفة التعالي الموجودة لدى اخيه حسين،الا انه يمتاز بصفات مشتركة وتكرار لبعض العبارات الشائعة بينهما،ولكن جلال يمتاز ببساطة الاسلوب وهدوء في التفكير ودقة طريقة العرض ومنهجيته وقد يعود ذلك لتأثره من دراسته الاقتصاد في انكلترا وزياراته المتكررة لها بحكم زواجه من انكليزية،وبالتالي لها اثرها الفعال في طريقة تحليله التي تكاد تكون موضوعية الى حد ما بسبب شجاعته في الاعتراف بالخطأ في التصورات السابقة او بقصور في الفهم والادراك في مراحل الحياة الاولى.
المؤلف هو من مواليد عام 1935 وتخرج من كلية القانون،ومارس الكتابة المبكرة بسبب تشجيع والده الذي كانت له سطوة كبيرة في لجان التاليف والنشر وعمادة كلية ورئاسة تحرير،ولذلك فأن الظروف الموضوعية له قد ساعدته كثيرا في الوصول الى ما وصل اليه من تقدم في مجالات الدراسة والعمل او في النشر...وكان قد تناول في الكتاب سيرة حياته الاولى مع تفصيل لحياة ابناء اسرته مع المرحلة التاريخية،كما ذكر انتسابه لحزب البعث المصري التابع للحزب في سوريا فترة الخمسينيات قبل ان يتم حله بقرار من زعيمه عفلق تنفيذا لشروط عبد الناصر في الوحدة بين مصر وسوريا!...
لم يحمل جلال ودا في البداية لجمال عبد الناصر وهذا ليس غريبا من كون نسبة عالية من الطبقات المثقفة المصرية كانت تعارض اسلوبه الديكتاتوري في الحكم وماجره على بلده من هزائم،هذا بالاضافة الى نظرة العداء المتجذرة دوما بين المثقف وبين العسكري الذي يتجاوز حدوده المهنية كثيرا في رغبته في السيطرة على مقاليد الدولة وتحويلها الى ملك خاص وفق تربيته العسكرية الصارمة في الطاعة والتنفيذ!...وبالرغم من كون جلال قد تراجع لفترة معينة عن هذا العداء وتحول الى التأييد نتيجة لبعض قرارات التأميم عام 1961 الان ان ذلك لم يستمر طويلا وبقي في نظر رجال السلطة متمردا هادئا عليها!...تخلص من الجو الخانق من خلال سفره الى الكويت ليعمل في صندوق التنمية الخارجي لمدة اربع سنوات تركها غير نادم الى امريكا ثم رجوعه الى مصر،وقد علل ذلك بكون المجتمع مختلف عن مصر كثيرا خاصة في ذكوريته الفريدة وانعزاليته عن المقيمين! نتيجة لاختلاف العادات والتقاليد الخ من الاسباب التي ذكرها،ولكن الاعتراف المثالي في عمله انه يستطيع ان يؤديه في ساعة ثم يبقى النهار كله بلا عمل مما سبب له ملل شديد من تلك الحياة الروتينية الرتيبة!.
بقي جلال امين في معاداته الصريحة للسادات وسياساته الخرقاء خاصة في ادعاءه الانفتاح الاقتصادي او منحه للحريات السياسية،وكانت تحليلاته للفترة ذاتها هي دقيقة خاصة من الجانبين الاقتصادي والاجتماعي وقد ذكر تفاصيل تلك المراحل التاريخية في كتبه الاخرى التي اشار اليها...اما بالنسبة لعهد مبارك الطويل فهو في وصفه له انه يسير بنفس نهج سابقيه ولكن بطريقة بطيئة جدا لا يشعر بها احد، وذكر بصورة خاصة العامين الاوليين في حكمه في مخالفته للاسلوب الساداتي في الحكم وانفتاحه ،الا انه تراجع الى الاسلوب المثالي للحكم في العالم العربي وهو الاستبداد بطريقة العسكر!...
بالرغم من خضوع الكثير من المثقفين لفترات الحكم السابقة في مصر الا ان جلال امين بقي في مواقفه المعارضة ولو من زاوية اكاديمية تبحث عن الاخطاء لتطرح الحلول الدائمة لها ولكن مع الاعتقاد السائد انه لا احد يسمع فأذن لا احد يطبق!!.
تحدث المؤلف بطريقة تفصيلية عن سيرة اساتذته وزملائه بتحليل كامل لشخصياتهم وطبيعة العلاقات المتبادلة،وذكر زمرة منهم امتازوا بكثير من الانضباط العلمي والاخلاقي والنزاهة في العمل والسلوك وكان ذلك شيء رائعا ان يتم عرض وتحليل سيرة شخصيات قد يتنكر لها النظام والمجتمع ايضا! ولكن في عرضه الجميل عنهم،استعاد هؤلاء جزءا من اعتبارهم!.
تبقى الاسئلة المحورية التي طرحها عن فوائد عرض سيرة حياته واختصاره لها بماذا علمته في رحلته الطويلة خاصة مشاعره في فترة الشيخوخة التي يصل اليها كل انسان بعد عمر مديد....
الكتاب في مجمله يستحق القراءة واخذ العبر منه دون ان يكون هنالك واجب في السير على نهجه!.
الكتاب الثاني:
طفولة في بغداد...على ضفاف دجلة،تأليف د.فخري قدوري.
الكتاب يتألف من 203صفحة من القطع الكبير،طبعة2008 في لندن.
لا توجد معلومات عن المؤلف في الكتاب،ولكن من خلال البحث في الانترنت ظهر انه هو وزير عراقي سابق(مواليد 1932) وتسلم وظائف عالية في الدولة وايضا في المؤسسات الاقتصادية العربية في مجالات التخطيط والمالية وهو مجال اختصاصه وكان من اوائل المؤسسين لحزب البعث في العراق قبل ان يغادره في السبعينات الى المانيا لاجئا! وهو قريب الشاعر المعروف شفيق الكمالي وله مؤلفات عدة...
الكتاب يختلف عن سابقه في كونه يبحث في تفاصيل معيشة العائلة البغدادية منذ فترة الثلاثينيات ولفترة ثلاثة عقود من الزمن،ولا تحمل تحليلا للاوضاع وغيرها بل انصب الجهد في شرح الواقع الحياتي بدقة مثالية خاصة في تناوله للكلمات الشهيرة والدارجة في اللهجة البغدادية واصولها الفارسية والتركية وهي طبيعية لكون العراق مجاورا للبلدين وخضع للحكم المشترك معهما لفترات زمنية طويلة وهي مقاربة لحالة بلاد الشام وتاثره بالجوار التركي او المغرب العربي وتاثره بفرنسا واسبانيا...
تناول ايضا الوسائل المادية البسيطة آنذاك وايضا دخول الكثير من المنتجات الصناعية الحديثة والتي ساعدت على التأقلم مع الصعوبات الحياتية السائدة آنذاك...وتناول ايضا طبيعة العلاقات الاجتماعية بين الاسر البغدادية ونماذج التعايش المشترك بالاضافة الى سيرته بصورة مختصرة التي جاءت وفق سياق حديثه عن الحياة في بغداد منذ قرن تقريبا...
الكتاب جميل لمن يريد التوسع في معرفة طبيعة الحياة اليومية للاسرة العربية:بغداد نموذجا،وهو اختصاص شائع في الكتابة دون ان يصاحبه عادة تحليلا وتدقيقا في الظروف المحيطة بالمجتمع من كافة الجوانب بل انه يختص بالتراث وحفظه للاجيال اللاحقة...

ليست هناك تعليقات: