2009/12/09

بيان

بيان :



ننعى ضحايا التفجيرات الارهابية الاخيرة في العراق وباكستان...والتي قامت بها الجماعات الارهابية المتسترة بتفاهات التخلف والجهل...


ان تلك الاعمال الاجرامية المستمرة هي استمرار لذلك التطبيق الهمجي للفكر الفاسد الذي يبيح ارواح الابرياء دون ان يردعهم اي وازع ديني او اخلاقي او انساني!...


ان الاديان والاخلاق والمبادئ الانسانية السامية هي بريئة من تلك الاعمال الارهابية الاجرامية التي يقوم بها عتاة المجرمين والذي يستغلون الجهلة والمتخلفين من الرعاع لتنفيذها!...


ان ساحة الصراع الحقيقية هي الساحة المخصصة للفكر وبعيدا عن اي تكفير او اهانة او تجريح للفكر المضاد...والاقوى هو الذي يثبت جدارته الحقيقية في تلك الساحة وعندها يحق له ان يحكم او يسود الساحات الاخرى...اما الذين يستخدمون الاعمال الاجرامية لتنفيذ اهدافهم فهم الفاشلون والذين يعرفون انفسهم انهم فاقدي القدرة على المواجهة الفكرية نتيجة لضعف بنيانهم الفوقي المستند على تفاهات وخرافات وادعاءات لا قيمة لها امام وقائع الحقيقة والعدالة والبراهين السليمة والتي اخذت تغزو العالم برغم المحاربة الشديدة لها... ولذلك فأنهم يكملون مناهجهم التكفيرية المتضمنة نفي الاخر وتحقيره وسلبه انسانيته،والتي فشلت لكونها مقاييس عفى عليها الزمن منذ فترة طويلة،في اعمال ارهابية مستمرة... هي قمة في الهمجية والتي تأبى الشياطين عن الاتيان بها...


تعازينا القلبية لشهداء تلك المجازر المستمرة...ولكل الشهداء على مر التاريخ...


والمجد والخلود لهم...في الدنيا والاخرة....


والخزي والعار لكل من يقوم بها...وما النصر الا من عند الله العزيز القوي...







في سياحة الكتب5

في سياحة الكتب 5:



1-كتاب :احاديث منتصف الليل...تأليف د.حسين مؤنس،وحسب الطبعة الثانية1993 يتألف الكتاب من159 من القطع الصغير...


مؤلف الكتاب د. مؤنس وهو مؤرخ مصري شهير(1911-1996) له الكثير من المؤلفات والابحاث والمقالات،كما وان اسلوب كتابته بسيط وسهل فهمه على الجميع ويستند على ثقافة تاريخية طويلة ورغم ذلك فأنه ايضا وقع في بعض الاخطاء التاريخية الا ان ذلك طبيعيا لكون دراسة التاريخ بموضوعية تامة،صعب جدا خاصة في ظل تضارب المصادر الرئيسية واقوالها في النقل الذي خضع الى تزييف وتحريف في زمن لا توجد به وسائل الثورة الاعلامية المعاصرة والتي نرى رغم ثمارها الظاهرة،اثر الكذب والتزييف والتدليس حتى في وقائع نقل الصورة والصوت!!.


هذا الكتاب يكاد يكون مثل شرب الشاي بعد عشاء دسم! اي انه قصص قصيرة ومسلية لوقائع تاريخية جرت احداثها في منتصف الليل،وقد ذكر هنا اربعة وثلاثين حدثا تاريخيا،الا ان بعضها ضعيف القيمة بالمقارنة مع البعض الاخر،والمؤلف اعترف انها قصاصات ورقية لقصص كتبها في فترات تاريخية مختلفة.


ومن الاقوال الجميلة التي فتح المؤلف كتابه هذا بها هو قول لمونتسيكو يذكره في احدى كتبه وهو ان التاريخ يرسم بالليل وينفذ بالنهار!... وهي عبارة صائبة الى حد ما،كما يذكر سيرة بعض المشاهير اللذين لاينامون الا قليلا بسبب تخطيطهم لاعمالهم التي ينفذونها في النهار او الخوف من غدر الغادرين!!.


الكثير من القصص هي من تاريخ الاندلس الذي برع فيه المؤرخ مؤنس كثيرا لكونه مختصا به وهو رئيس معهد للدراسات الاسلامية فيه،وبالتالي جاءت احاديثه فيه اكثر تحقيقا وتشويقا لتاريخ قد يهمله البعض لكون الاندلس بعيدة عن الشرق الاوسط مركز الاحادث المصيرية في التاريخ الاسلامي القديم والحديث!.


القصص لم تختص بفترة زمنية معينة بل بفترات زمنية مختلفة،ولكن الكثير من الاحداث التي يذكرها اما غير محققة من طرفه او يذكرها بأختصار لكون معظم القصص قد تحدث بها عن طريق برنامج اذاعي...


الكتاب بمجمله شيق وبسيط وغيرثقيل على الدماغ! وهو اسم على مسمى!...ولكن لمن يبحث الوقائع المحققة والتاريخ المفصل،فعليه مراجعة الموسوعات والكتب الضخمة التي يذكر مؤلفوها تحقيقهم للتاريخ فيها....


2- ابواب ثابتة ام ابواب خاصة!...


تشتهر مجلة العربي بتنوع المواضيع التي تنشرها خاصة في ظل تسابق الكثير من الكتاب على نشر دراساتهم ومقالاتهم فيها،الا انه يعيبها كثرة الاخطاء المطبعية فيها مع عدم التحقق من الكثير من الفقرات الا اذا ذكرها القراء لها!وكأنه صعب عليها مراجعة المطبوع قبل نشره...لفت نظري قول رئيس تحريرها سليمان العسكري في ندوة انهم يملكون مواد صالحة للنشر لمدة سنتين قادمتين!مما يعني انه مع كثرة تلك المواد وكثرة كتابها انه امام المجلة مهمة صعبة في الاختيار والنشر،ولكن عند مراجعتي لكل اعدادها المنشورة حديثا،ارى الكثير من المواضيع التي تخضع في النشر لمزاج معين! خاصة من حيث اسماء الكتاب،وقد يكون للعلاقات تأثيرا فيها خاصة وان بعضهم ضعيف المستوى الظاهر من خلال متن المقال وهو مايؤثر على مستوى المجلة والتي لولا تنوع مواضيعها لفقدت بريقها المشهور الذي كان شائعا قبل ثلاث عقود من الزمن والان ضعف بسبب الزحام الاعلامي والمعرفي مع تنوع المصادر وتجددها، وبالتالي تحتاج المجلة الى مجهود كبير للتخلص من تلك الظواهر السلبية وخاصة في ظل فقدانها للموضوعية والحيادية في الكثير من القضايا العربية الشائكة التي حاولت تجنب الخوض فيها سابقا،والان تدخل المعترك السياسي العربي بطريقة او بأخرى ومن خلال اعلامية واحدة لا تنفع لكون ان الرؤية المضادة مفقودة في النشر او ان الرؤية الاولى تفتقد للكثير من الجوانب الايجابية او الصدقية فيها...ولا اظن ان ادارة تلك المجلة ان تتخلى عن تلك الاساليب التي لاتنفع الا مع الاعلام الموجه الذي يقولب الحقائق والاكاذيب ضمن بوتقة الفكر الواحد!...


من الابواب الثابتة في المجلة هي باب مستقبليات وباب اوراق ادبية،والبابين هما لكاتبين مصريان، الاول هو د.احمد ابو زيد المختص بالمستقبليات،وبابه هو من الابواب الدسمة والتي تمتاز رغم قيمتها العالية،بجفافها الذي يلائم المختصين اكثر منه للقارئ العادي!وبالتالي فأن فرصة قراءة ابحاثه تكون مقتصرة على فئة اقل انتشارا ضمن صفوف المجتمع،ولكن لاحظت في الفترات الاخيرة ان الكثير من مواضيعه ضمن هذا الباب هي تأتي تكرارا لما سبق قوله ولكن بطريقة مختلفة! او ان الموضوع اساسا بعيد الصلة بعض الشيء بالمستقبليات مما يعني ان الكاتب اما يحتاج الى راحة ويترك الباب لفترة قصيرة لكتاب آخرين يشاركونه فيه او حتى تجتمع عنده مادة جيدة للنشر وتخضع من قبل آخرين للتقييم العلمي الذي لايعترف بالمجاملات والمحسوبية! وهذا يعني محافظة الكاتب لمستوى كتاباته العالية التي تضعف رغم ارادة كل كاتب بفعل قلة المواضيع المطروحة،فما بالك اذا كانت تختص بعلم قليل الانتشار كعلم المستقبليات! هذا بالاضافة الى انه سوف يسمح للعدالة بأخذ دورها من خلال السماح لكتاب آخرين من نشر بحوثهم ومقالاتهم التي هي خلاصة زبدة افكارهم بدلا من ان يحاولوا ان ينشروها في الانترنت بعيدة عن تعقيدات البيروقراطية والمحسوبية والفكر الاحادي الجانب! ويمكن لنا مقارنة ذلك في الكثير من المواد البالغة القيمة المنشورة في الشبكة الالكترونية بينما تنشر في المطبوعات الكثير من المواد الضعيفة المستوى رغم انها تضعف بمرور الزمن نسبة النشر الخاصة بها!...


الباب الاخر وهو الاقل تأثيرا وقيمة من الاول! هو باب اوراق ادبية والذي يكتبه الكاتب المصري د.جابر عصفور...هذا الباب تحول منذ فترة زمنية طويلة الى باب مذكرات شخصية للكاتب المذكور بتفاصيلها المملة ورغم محاولاته ان ينشر النصوص الادبية من خلالها الا ان تلك المحاولة لا تستطيع من تغيير تلك المعادلة في شيء! ولذلك اصبح لجابر عصفور مكان ثابت لا يستطيع تغييره لكونه فريدا من خلال السماح له في نشر مايريد نشره في مجلة بحجم العربي! بينما اسم الباب يختلف كليا عن مضمون المذكرات الشخصية برغم النصوص الادبية المنشورة خلالها،وبالتالي من الواجب على المجلة عدم الاستمرار في ذلك النشر لكون تلك المقالات قد خرجت من سياقها المخصص لها واصبحت تبحث في ادق تفاصيل سيرة حياة كاتبها،بينما يقبع خلف الابواب الكثير من الكتاب المتميزون والذين يحملون موادهم القيمة والتي تفوق المنشور في ذلك الباب،جملة وتفصيلا!...الظاهر في هذا الباب انه الاسهل في التغيير ولكن للعلاقات كلمتها الفصل!وسمعة المطبوعة تفوق في قيمتها قيمة العلاقات الشخصية او المجاملات العلمية!....


الابواب الثابتة في المجلات يجب ان تكون مفتوحة للجميع!...يكفي في السياسة انها مقفلة على وجوه ثابته لاتفقه في العلم شيئا ومجبرون على رؤيتها!...


يجب ان تكون الثقافة المطبوعة غيرخاضعة للديكتاتورية حتى تسير في الاتجاه الصحيح!...ويكفي ضياع مسيرتنا السياسية الفاقدة لمقومات الديمقراطية....















البناء الهش

البناء الهش:



في منتصف يناير2008 تحولت مدينة دبي الى مدينة اشباح خلال زيارة قصيرة للرئيس الامريكي السابق جورج بوش والذي اراد الاطلاع على المدينة وطريقة نموها وتقدمها العمراني!،ليفاجئ بتوقف الحياة في المدينة التي تتبع نظام المناطق الحرة التي لاتخضع لنظام ضريبي بغية جذب الاستثمارات والعمالة الى حدودها لمنافسة المناطق الاخرى في العالم التي تمتاز عليها بتوفر الموارد البشرية.


الغريب في الامر ان ذلك تم بقرارات ارتجالية من الحكومة المحلية والتي فرضت فجأة اجازة اجبارية لجميع القطاعات الاقتصادية بغية تسهيل مرور الضيف في زيارته القصيرة!وشمل قطع الطرق الرئيسية ايضا ومنع الجميع من مزاولة اعمالهم رغم انهم جاؤا الى تلك المدينة بسبب الادعاء انها تمثل واحة الامان والاستقرار والحرية الاقتصادية!ليفاجئ الجميع بتحول المدينة في لحظة قصيرة الى اشبه ما تكون دولة شمولية تفرض القرارات على الجميع وبدون مناقشة ولاسباب مختلفة!...وقد سبب ذلك خسائر مادية ومعنوية للمدينة وللمقيمين فيها وكشفت للجميع مدى الهشاشة في بنائها الحضاري الذي تدعيه والذي يرتكز على بنية فوقية ركيكة مع بنية تحتية لا بأس بها !فالعقلية الحاكمة لم تصل لحد الان الى مستوى البناء العمراني!...


ان تلك الزيارة كافية لتبين لنا ان الادعاء في التطور السريع لمدينة ما،ليس سهلا ابدا او هي كلمات تقال!،بل هو منهج حضاري متين يتم العمل به خلال فترة زمنية طويلة يخضع الجميع فيه الى بوتقة التحضر الحقيقي والتي من ابرز مصاديقها هي الالتزام بقوانينه واصوله الرئيسية والتي اهمها بالتأكيد هي العمل نصا وروحا بالمبادئ الانسانية السامية واصولها الفكرية الرئيسية والمتمثلة بالعدالة والمساواة والحرية وفهم واستيعاب العلوم المختلفة وتطبيقها على ارض الواقع، وهذا لايكون ابدا من خلال فترة قصيرة تسمى خرافة بالقفزة الحضارية،فهي ليست منتج اقتصادي بحت بل هو انتاج يكون من خلال المزج بين القدرات الحضارية المحلية والاجنبية دون الاخلال بالمبادئ المشتركة.


لم تكن مدينة دبي معجزة حقيقية كبقية المناطق الحرة في العالم مثل هونج كونج وسنغافورة وماكاو وغيرها،بل هي معجزة اذا ماقورنت بمناطق حرة فاشلة في العالم العربي مثل عدن وبورسعيد وغيرهما!...وادعائها انها نموذج مثالي للدول المتقدمة والمتخلفة على حد سواء هو ادعاء فارغ لا يمكن تصوره لولا وجود النفط في تلك البقعة الصحراوية القاحلة ...نعم قد يقول قائل ان هناك الكثير من المدن والمناطق الحرة في البلدان النفطية ولم تستطع منافسة دبي او حتى تقليدها؟!...ذلك صحيح ولكن يستوجب قراءة الاسباب الموضوعية الكامنة وراء ذلك التخلف في السباق او الفشل في التقليد والذي سوف نبين بعضا منه في السياق القادم....


نشوء فكرة المناطق الحرة:


تعود فكرة المناطق الحرة الى ازمنة بعيدة في التاريخ،ولكنها بصورتها الحديثة بدأت مع بدء الاستعمار الاوروبي وبصورة خاصة البريطاني،من خلال منطقة جبل طارق في القرن الثامن عشر ومدينتي سنغافورة وهونج كونج في القرن التاسع عشر،وهي عبارة عن مراكز تجارية واماكن للتخزين واعادة التصدير ثم تطورت الى السماح بتواجد المراكز المالية والمستثمرين الاجانب ومع توفير كافة الخدمات وبخاصة الاعفاء الضريبي الذي هو اساس قوة الدول وغناها مع انخفاض مستوى الحكم الى ابعد حد في القوانين والتشريعات التي تحد من الحريات الاقتصادية...


بمعنى ان تلك المناطق في الغالب هي خدمية وليست انتاجية وبذلك يكون اقتصادها عرضة مستمرة لهزات غير متوقعة وانها مكان لغسيل الاموال القذرة وخاصة المهربة من مناطقها المنكوبة،ولذلك بذلت الدول والسلطات المسؤولة عن تلك الاماكن جهودا مضنية في محاربة غسيل تلك الاموال وتواجد مراكز اللهو العبثية تحت ستار السياحة الترفيهية!او تحديدها مع الاكثار من القطاعات الانتاجية المختلفة،ورغم تلك الجهود الا انها فشلت في القضاء عليها او حتى تحديدها...


هنالك الكثير من الامثلة النموذجية والتي هي مثال حضاري ينبغي تقليده او على الاقل الاستفادة من خبراته،والنماذج الاسيوية في الشرق الاقصى هي خير نماذج واجبة التقليد من خلال ابداعاتها الاقتصادية رغم انه من المعروف عن تلك المراكز ككل فقرها الثقافي الى درجة تتهم بتحويل الانسان الى مادة جامدة من خلال العيش في مدن بدون روح من خلال انعدام الوجود الثقافي بمختلف اشكاله،ودبي غير مستثناة من ذلك رغم محاولاتها المستمرة في تغيير تلك الصورة من خلال بعض الاعمال التي تقع في خانة البناء العمراني اكثر منه البناء الثقافي الذي يحتاج الى مزيد من الحريات مع اساس ثقافي متين وهو ما تفتقر اليه المدينة ! وهذا جاء بأعتراف الكثير من اصحاب الفكر والرأي الغربيين مما يعني ان سمة التحضر تكون اقل وضوحا من غيرها!.


دبي نموذجا:


كانت الامال معقودة على البحرين لكي تصبح مركز الخليج الاقتصادي لكونها بلد صغير وقليل الموارد،الا ان الكثير من الظروف لم تسمح لها بتلك المهمة،والتي من ابرزها الاستقرار السياسي الطويل،مع توفر القدرات المحلية القادرة على تسلم زمام المبادرة،ورغم توفر بعض تلك الطاقات في البحرين الا ان الاستقرار السياسي شبه معدوم في دولة تسيطر عليها الاقلية على الاغلبية من خلال حكم اسري ديكتاتوري طويل،وهذا الحكم بالتأكيد ابعد الكثير من ابناء الاغلبية عن تسلم مراكز قيادية في الدولة والاقتصاد المحلي وبالتالي انعدمت شروط العدالة والحرية اللازم توفرها في بناء المناطق الاقتصادية الحرة وبالتالي ضعف المشاركة الشعبية في تلك المناطق التي هي اساس التقدم الحقيقي،ورغم وجود انفتاح سياحي على الخارج والمتمثل في السماح بتواجد مراكز اللهو وغيره والتي تساعد على توفير الاجواء المتسامحة مع جميع المستثمرين،وهي امور مقيدة الى حد كبير في الدول المجاورة والتي تخضع الى رقابة دينية مشددة الا ان ذلك ليس معناه المناخ المناسب للتطور الاقتصادي الحقيقي،هذا بالاضافة الى صغر مساحة البلد رغم ايجابيات موقعه الجغرافي،وفقره الشديد في مصادر النفط،لم تساعده على تسلم المهمة التي اوكلت اليه من قبل دول الجوار بعد نشوب الحرب الاهلية اللبنانية عام 1975 والتي ابعدت بيروت من المنافسة!.


ثبت فشل البحرين في تحوله الى مركز اقليمي رئيسي في منتصف الثمانينات من القرن العشرين،مما ادى الى بروز دبي كمدينة واعدة لتحمل المسؤولية في منطقة غير مستقرة وتغلب عليها نظم استبدادية متناحرة وتشيع فيها مظاهر التخلف الحضاري رغم تربعها على ثلثي احتياطي النفط العالمي!...


لم يكن المكان الجغرافي لدبي مثاليا! بل على العكس هنالك الكثير من مناطق الخليج الاخرى القادرة على الجذب وتفوقها في مثالية الموقع لو اتيحت لها اسباب التقدم والرقي خاصة وان دبي هي بقعة صحراوية ذات طقس قاس لا يساعد عادة على الجذب البشري،ويمكن عد البحرين والدوحة والبصرة وبعض المناطق في الساحلين الايراني والسعودي كنماذج جغرافية مثالية ولكن لم يتم استغلالها وفق الاصول المرعية لاي تقدم اقتصادي...ولذلك تحول المركز الى دبي في ظل انعدام اي منافسة من قبل اخرين وخاصة من قبل ايران والعراق المتصارعين آنذاك واللذان يملكان قدرات بشرية ضخمة ذات مستوى عال من التعلم والحيوية ولكن يعانيان من مشكلات سياسية عميقة لا تساعد على انجاز شروط التنمية الاساسية والمنافسة على زعامة المنطقة اقتصاديا...


من ابرز شروط التنمية هي ان يكون الاعتماد بصورة رئيسية على العمالة المحلية والمستوعبة لشروط التكنولوجيا وقدراتها اللامتناهية ولو في حدودها الدنيا،وهذه الصفة غير متوفرة نهائيا في دبي!حيث يمثل الاجانب المقيمون فيها نسبة 90%!!وهي نسبة تجعل من الصعب الاعتراف بالادعاء المحلي بنجاح مجهوداته الادارية والتنظيمية!...ان ضعف العنصر المحلي في المشاركة ماعدا القيادات الاقتصادية هو نتيجة لقلة عدد السكان ولحالة الثراء النفطي والتي ادت الى الاعتماد عليه كمصدر رئيسي للمعيشة والاعتماد على العنصر الاجنبي وخاصة من الدول الاسيوية الفقيرة في بناء البلاد بل وفي جميع افرع العمل البسيطة حتى اصبح الاعتماد على النفس حلما بعيد المنال .... مع استغلاله الى ابعد حد في حالات تقيد بأنها غير انسانية او لا تتصف بالعدالة وقد ظهر ذلك ليس في مستوى الاجور الضعيف والذي لايتناسب بالطبع مع ضروريات الحياة الدنيا بل وايضا في الامتناع عن منحهم تلك الاجور او بقية حقوقهم الاساسية مما ادى الى ظهور تمردات عمالية قمعت بقسوة وطردوا من البلاد رغم اعتراض منظمات حقوق الانسان! نظرا لعدم وجود قوانين وانظمة متقدمة تفرض على السلطات اتباعها بغية منح صورة مثالية للمنطقة الحرة يمكن لها المباهاة بها امام بقية الدول! وهذا من اهم نتائج الحكم الاسري ذو الصلاحيات الغير محدودة في الامارة والمشابه للنظم المجاورة والذين لايتبعون النظم الحديثة في توزيع السلطات وتحديدها وبذلك يكون هؤلاء فوق القانون حتى لو في سرية شديدة ،ورغم ان تلك الطريقة تتسم بالسلبيات الكثيرة والتي من ابرزها ضألة حقوق الانسان الا انها لاتخلو من ايجابيات ابرزها سرعة اصدار القرار وتنفيذه بدون الحاجة الى مناقشة حقيقية حول جدواه كما هو حادث في الدول الغربية هذا اذا اعتبرنا ان القرار صائب بالطبع،وهذا يقودنا الى انعدام الشفافية التي هي جزء هام في عملية البناء الاقتصادي كما هو في العمل السياسي،ورغم محاولة الامارة اتباع القوانين الدولية في العمل وتنظيم المجتمع كوسيلة من تحسين الصورة ومنح التقدم الاقتصادي صورة حضارية الا انها مازالت بعيدة عن الواقع الموجود في الكثير من الامم الحرة التي تفرض قيودا كثيرة على الاستخدام السيء للعمالة او في الحرص على منح الحقوق الاساسية للانسان او اخضاع الجميع لطائلة القانون بصورة متساوية نصا وروحا،ولذلك فأننا نرى ان البعد عن ذلك يؤدي بطبيعة الحال الى انتشار مظاهر الفساد والمحسوبية والخروقات القانونية في المجتمع حتى لو في نطاق من السرية في ظل تنوع المجتمع العامل الذي يمتاز بتقاليد مختلفة.


بقيت دبي بعيدة عن الانتاج الصناعي المتقدم رغم تطور العمل الخدمي والمالي وبذلك يمكن القول ان الامارة سوف تبقى تحت رحمة تقلبات الاقتصاد العالمي في ظل اعتمادها على اقتصاد غير منتج او لا يعتمد على السوق الداخلية الصغيرة والتي هي ايضا ليست بحجم الاسواق الدولية الضخمة التي هي محرك التقدم السريع،ولذلك نرى ان هونج كونج على سبيل المثال تعتمد في الدرجة الاولى على السوق الصينية الضخمة وهو الذي اعطى لها قوة اضافية بعد عودتها الى السيادة الصينية وجعلها في مأمن من الازمات العالمية بفضل النمو السريع للصين،ولذلك حاولت دبي تشجيع القطاعات الصناعية الا ان الكثير من العوامل لاتساعد والتي من ابرزها الضعف المحلي والاقليمي في استيعاب التكنولوجيا المتقدمة في المجالات الصناعية او في الاستهلاك،لانها الوسيلة الرئيسية لتقدم دبي نظرا لانعدام وجود القطاع الزراعي فيها.


النمو العمراني السريع والذي صاحبه ارتفاع جنوني في الاسعار،هو خطأ كبيرة للامارة وقد ساهمت السلطات المحلية في خروجه عن النطاق الطبيعي،لان النمو السكاني الغير طبيعي هو مصدره خارجي بالاساس وهذا يعتمد على الاقتصاد الدولي الذي هو مترابط بشكل كبيرة مما يعني ان اي هزة في الاقتصاد العالمي معناه عودة المقيمين الى بلدانهم الاصلية مما يعني انهيار سوق العقارات عاجلا ام آجلا خاصة اذا عرفنا ان غالبية المقيمين هم من اصحاب الدخول المتوسطة اوالفقيرة يساعد ذلك ان التضخم في الاسعار وصل الى مرحلة الانفجار ولكن مع وقف التنفيذ!مما يعني عدم قدرتها على الشراء بمستوى المعروض حاليا!...


الاقتراض بشكل جنوني من الاسواق المالية ليس وقفا على جهة دون اخرى،بل على العكس فأن حكومة الامارة هي الاكثر اقتراضا! لغرض انجاز المشاريع العملاقة التي لا تلائم المدينة او البلد وقدراته المعروفة،والاقتراض تم على اساس من الثقة بقدرة الامارة على السداد والتي تستند ايضا على قدرة اتحاد الامارات ككل وهو المعروف بأمتلاكه لفوائض مالية ضخمة تساعد على حل اي ازمة مستقبلية متوقعة،وهذه الصورة هي ناتجة من الدعاية الحكومية بصورة رئيسية،الى ان ظهرت الصورة الحقيقية والتي تغافل الكثيرون عن رؤية بداياتها السيئة كونهم خاضعين لصورة المدينة المبهرة والتي لا يمكن ان يقف نموها عند حد معين رغم ان رؤيتهم تستند الحصول على ارباح عالية في خلال فترة زمنية قصيرة في التجارة او السوق المالية لكون ان القطاعات الانتاجية ذات الفوائد المستقبلية العالية تكون قليلة العوائد وتحتاج الى زمن اطول كي تسترجع رؤوس الاموال! وهذا معناه نمو اقتصاد طفيلي لا يعير اهمية للمصلحة المستقبلية للمدينة وهي نظرة طبيعية لكون اغلبية المقيمين من غير مواطنيها!.


دخلت الاسرة الحاكمة والاسر القريبة منها الى سوق العمل من خلال الاستثمار في مختلف القطاعات،وكونوا ثروات مالية ضخمة،مما يعني ان لهم مسؤولية كبيرة في اعطاء صورة غير حقيقية عن الاوضاع الاقتصادية للمدينة وهو ما اثر على وضعها الراهن الذي جعلها الاكثر تأثرا بالازمة المالية العالمية...


تعامل حكومة الامارة لا يختلف عن تعامل اي رأسمالي يقترض المال بدون غطاء واقعي كي يستمر في الحصول على ارباح اكبر من خلال اقتناص الفرص الاستثمارية التي تمر مر السحاب! ورغم امتلاكها لمعظم اسهم الشركات الضخمة والتي اغلبها شركات المقاولات التي تقوم بمشاريع لا يستفيد منها سوى حفنة من الاثرياء وبطريقة تفوق الوصف في التبذير والعيش بطرق غير معقولة،الا ان تنكرهم لتحمل المسؤولية عن سقوط الشركات جعل الجميع ينظر اليهم على انهم مسؤولون عن تلك الانهيارات دون اي اعتبار للعوامل الاخرى!فهم في النجاح مشاركون وفي الفشل متنكرون!...كل ذلك ادى الى انهيار او توقف تلك المشاريع العقارية التي تعتمد على تلك الفئة الصغيرة والتي كانت الاكثر تأثرا بالازمة المالية العالمية كونها المستفيدة الكبرى من القروض الممنوحة والتي اصبحت معدومة بعد ان تخلفوا في السداد!في ظل غياب رقابة حكومية فعالة.


مقارنة بين وضعين بعد الازمة!:


لو نظرنا للوضع في الدول الغربية بعد الازمة المالية العالمية التي عصفت بها،وبين الوضع في دبي بعد ازمتها المالية،لوجدنا الفارق كبير بينهما ليس فقط في تحمل المسؤولية في الدول الغربية والتي تنكرت لها حكومة دبي! بل ايضا لكون الاخيرة مساهمة في المشاريع المختلفة والتي تعرضت للانهيار بينما لم تكن الدول الغربية مشاركة في المشاريع المتعثرة او في الاقتراض بدون وجود ضمانات كاملة للتمويل...لقد اثار رفض امارة ابوظبي المساهمة في حل الازمة،ثم تبعتها امارة دبي والتي هي مساهم رئيسي في الشركات العملاقة المنهارة، استغراب الكثيرين خاصة وان الطرفين من المستفيدين بصورة مباشرة او غير مباشرة من تلك المشاريع مما يعني ان تصرفهم هو اقرب للمقامر الذي يلعب برصيد لا يملكه وبالتالي الاستفادة من الحظ اذا حالفه،او الهرب في حالة الخسارة او الاستفادة من قانون الافلاس الذي يحميه من الدائنين!بينما تصرف الغرب بطريقة اكثر عقلانية ومسؤولة بحيث تدخلت حكوماته لدعم جميع المؤسسات المتعثرة مما يعني ان المسؤولية مشتركة،ولولا التدخل الحكومي العاجل لاصبحت دول الغرب تعيش في ركود دائم...وهذا يجعلنا نقف امام حالة الادعاء بنجاح النموذج المثالي المزعوم في دبي!...فالمدينة تتكون في اغلبيتها من اجانب مقيمين لا يفكرون بتدعيم المركز الاقتصادي للمدينة بقدر حرصهم الدؤوب على الحصول على الربح السريع من جراء العمل فيها،ثم ان المدينة تفتقر الى الاساس الحضاري المتين خاصة المتمثل في ازدهار العلوم والفنون والاداب،وهي امور بعيدة عن متناول يد المدينة المنشغلة بالامور المالية واعادة التصدير بدلا من الانتاج لغرض التصدير! كذلك الحكم بطريقة هي اقرب للنظم المستبدة مازالت سارية المفعول فيها وهذا يؤدي بطبيعة الحال الى وجود جو تنعدم فيه الحرية والديمقراطية والشفافية التي يحتاجها النمو الاقتصادي الحقيقي.


الاستقرار في الشرق الاوسط سوف يسحب البساط عاجلا ام آجلا من كون دبي الاولى في عالم الاعمال! وان ذلك سوف يجعلها غير قادرة على المنافسة في ظل محدودية ما تتمتع به من مزايا...فالاخرون ايضا يعملون بجهد ولكن احيانا الظروف السياسية لا تساعدهم في الحلول محلها على الاقل في المدى المنظور!...


الامثلة النموذجية للمناطق الحرة بالاضافة الى الدول التي اتبعت طريقتها في العمل،هي سنغافورة وهونج كونج والنمور الاسيوية الاربعة مع غيرها من المناطق الحرة الناجحة في العالم،بينما المقارنة مع التجارب الفاشلة في الشرق الاوسط هو خطأ فادح لكون المقارنة مع الاكثر نجاحا هي الاصوب والاكثر واقعية من المقارنة مع الاكثر فشلا!...فأذا هو فاشل فلماذا اقارن نفسي به!...


تبقى الاستفادة من تلك الدروس القاسية هي الوسيلة الوحيدة للنهوض ولاي فرد او مجتمع والاستفادة من اخطائها الى ابعد حد،بأعتبار ان العمل على ارض الواقع لن يمر بدون اخطاء ولكن العبرة في الاستفادة منها!...



2009/11/30

عيد الاضحى المبارك لعام 1430 هجرية -2009 ميلادية

عيد الاضحى المبارك:



نبارك للجميع حلول عيد الاضحى المبارك لعام 1430 هجرية....


اعاده الله تعالى على الامة الاسلامية وعلى البشرية جمعاء بالخير والبركة والسلام....


تمثل الاعياد بمختلف انواعها خير مناسبات كونها تحمل قيما سامية متفق عليها بين البشر...وفيها تزول ولو وقتيا الفوارق الوهمية بين البشر!...


فلنجعلها خير مناسبات لجمع البشر على مائدة الخير والمحبة والسلام...


العيدُ أقبلَ تُسْعِـدُ الأطفـالَ ما حملتْ يـداه


لُعَباً وأثوابـاً وأنغامـاً تَضِـجُّ بهــا الشِّفاه


وفتاكَ يبحثُ بينَ أسرابِ الطفولةِ عن (نِداه)


فيعـودُ في أهدابه دَمْعٌ ، وفي شفتيـه (آه)


.............................


ولنتذكر من كانوا معنا في الماضي....


هـذا هـو العيـدُ ، أيـنَ الأهـلُ والفـرحُ


ضاقـتْ بهِ النَّفْسُ ، أم أوْدَتْ به القُرَحُ؟!


وأيـنَ أحبابُنـا ضـاعـتْ مـلامحُـهـم


مَـنْ في البلاد بقي منهم ، ومن نزحوا؟!


...........................


ولنتذكر من لا يستطيع ان يشاركنا فرحته !...


يا ليلة العيد كم أقررت مضطربًـا *** لكن حظي كان الحــزن والأرق


أكاد أبصرهم والدمع يطفر مـن *** أجفانهم ودعاء الحـب يختنـق


يا عيد، يا فرحة الأطفال ما صنعت *** أطفالنا نحن والأقفـال تنغلـق


ما كنت أحسب أن العيد يطرقنا *** والقيد في الرسغ والأبواب تصطفق






دعائنا للجميع بالخير والموفقية والنجاح...



تغيير الدين بلا برهان!

تغيير الدين بغير برهان! :



هل يمكن لشخص ما ان يغير دينه لغرض عاطفي مطلق وبدون اقتناع تام بالمعتنق الجديد؟!...


نعرف ان تغيير العقائد والاديان يتم بعد مرحلة قد تكون طويلة او قصيرة من المراجعة للذات والمحيط ،وبعدها يتم الاختيار على اساس معين ووفق دراسة طويلة تصل الى نتيجة ان الجديد قد يكون اقوى بالبرهان من المعتقد الوراثي في ما يعتقد به المراجع لحالته...نعم قد تحدث حالات كثيرة من التغيير الديني او فروعه المذهبية او حتى الفكرية من خلال تغليب المصلحة الشخصية وهو اضعف واهون طريق للتغيير لكون الدين يمثل حالة اسمى ولا يمكن وضعه تحت رهون المصالح الشخصية التي تنبثق من الحياة الطبيعية للفرد ومتغيراتها الانية وانغماسها غالبا بالرذائل والشهوات... نعم الدين ينظم الحياة وفق اصول تراعي مصالح الفرد وغرائزه بطريقة منظمة لاتخرج عن الاخلاق المتعارف عليها ولا عن الفطرة الانسانية السليمة...ولكن ما مناسبة الحديث حول هذا الموضوع اليوم؟!...


الجواب: التقيت مصادفة مع عائلة هندية،الزوج هو هندوسي الديانة وزوجته كذلك ولكنها كانت سيخية الديانة قبل الزواج،وعند سؤالي حول الزواج بين اتباع الديانتين في الهند؟...اجابت الزوجة انها تحدث بصورة طبيعية ولكن في الغالب تتغير ديانة الزوجة حسب ديانة الزوج!...وعند السؤال عن حالتها وهل رفضها اهلها او تم التغيير بأقتناع تام؟!...فكانت اجابتها مثيره للانتباه وهي ان التغيير طبيعيا هناك ولا تحدث مشكلات حوله،اما بالنسبة لحالتها فهي انها غيرت لاجل الحب!!بمعنى انها تحب زوجها قبل الزواج وبالتالي غيرت لاجل الحب بعد الزواج وبالتالي ان ذلك التغيير غير خاضع لمبدأ الاقتناع المنطقي نهائيا!...وعند سؤالي لماذا ذلك؟!...قالت ان الحب اهم من الدين وعلى الاقل في حالتها وحسب وجهة نظرها !!...وبما انها فاجئتني بتلك الاجابة،الا انني استدركتها بتساؤل آخر يناقض اجابتها وهو:ما علاقة الدين بالحب وهل يمنع من حدوثه او استمراريته في حالة الاختلاف؟!...فكانت اجابتها هي انها في حالة الاستمرار على دينها الاصلي فأنه من الصعوبة ان تتأقلم مع جو الاسرة الديني وبالتالي ضرورة التغيير ولو بغير حالة الاقتناع وفق الاصول المعروفة وانما لاجل الحب!!...تلك الاجابة الضعيفة جعلتني ارد عليها انه لايوجد مانع بين الاستمرارية في حالة الحب العاطفي مع زوجها وبين البقاء على دينها كما يحدث مع ملايين الاسر وعلى مر العصور، وبالتالي فأن تغيير الدين بتلك الطريقة هو من الدلالة على ضعف الشعور الديني او حتى احترامه سواء لدينه السابق او دينه الجديد!،لانه حالة روحية لا ينبغي اخضاعها لعاطفة متغيرة وحسب رغبات الفرد ونزواته...نعم قد يكون التغيير مع الاقتناع التام بعد الزواج هو امرا طبيعيا لاغبار عليه،لكن ان يكون في حالة الربط العشوائي كما في الحالة السابقة هو امرا مرفوضا ولا يمكن قبوله بمكان!...الحب هو علاقة عاطفية سامية تحدث بين البشر وهي تنقسم الى فروع عديدة قد يكون اشهرها بين الرجل والمرأة وقد يكون جامعا بين البشر لامفرقا او مشجعا على البغض والتنافر! وهو لايقارن بالدين لانه ليس هنالك مجال للمقارنة اساسا! لكون الدين حالة اسمى مختلفة تجمع بين البشر ولاتخضع لرغباتهم الانية،والا فأن القياس بتلك الطريقة يمكن ان يؤدي بنا الى قياس آخر وهو كيف يحدث الحب والزواج بين رجل وأمرأة وان يستمر وهما من منبعين فكريين مختلفين كأن يكون احدهما رأسمالي الفكر والعمل وبين الاخر الذي هو شيوعي الاتجاه!...او بين اسلامي الاتجاه وبين قومي الفكر!...وكما هو معروف من الحالات السابقة من اختلاف يصل الى حد ابادة الاخر في بعض الاحيان!..طبعا كانت تلك التساؤلات والاجابات فوق قدرتها الذهنية رغم تمتعها بمستوى تعليمي عالي وقد بهتت بها ولكنها قد تجعل لها حافزا جديدا للبحث او على الاقل احترام الدين وعدم اخضاعه للعاطفة او الرغبة بلا برهان!...واكيد هنالك من امثالها الكثيرون في عالمنا المعاصر الذي يتميز بالغرابة في كل شيء!...


ولكن يبقى اثر الاديان السماوية الثلاثة اكثر رسوخا وتجذرا في النفس من الاديان الوضعية التي تقترب للفلسفة والحكمة اكثر منها للدين وروحانياته وقدسيته،وهي التي سمحت للفرد في الاحتفاظ بدينه بعد الارتباط،وبذلك حفظت للفرد انسانيته وعقله وحريته في الاختيار....



الحروب الصليبية

الحروب الصليبية:



في خمس حلقات مختلفة من الندوة الثقافية الاسبوعية،قام احد الاخوة الافاضل في بحث موضوع الحروب الصليبية من شتى المصادر المتوفرة ومن خلال جميع وجهات النظر بغية الخروج في حصيلة مؤكدة من الحقائق الدامغة حول تلك الحروب الدموية التي استمرت قرنين من الزمن والتي قد تنفعنا في تقييم اوضاعنا الحالية او على الاقل تقويم تفكيرنا القاصر!...


ورغم ان الباحث غير مختص بالتاريخ،الا ان بحثه في الموضوع والذي استمر لعدة شهور من العمل الشاق،خرج لنا مشكورا بنتائج قيمة وبأسلوب مبسط وسلس خاصة في طريقة العرض ومقارنتها احيانا بالاوضاع الراهنة التي تعاني منها شعوب المنطقة العربية في نكات علمية طريفة،وقد ارسل لنا بواسطة البريد الالكتروني البحث في اربع ملفات مرافقة دون ان يكون اسمه فيها! وقد استأذنت منه في طرحها في المدونة فلم يمانع من النشر ولكن بدون ذكر اسمه لغرض خدمة العلم وراغبيه بدون مقابل او شهرة وتلك مزايا لاتتوفر ابدا في عصر يرفض العلم جملة وتفصيلا!...واذا وجد النذر اليسير،سرق منه تحت ستار من المسميات المختلفة وبطرق عجيبة من الاحتيال العلمي والادبي!...


اقول: قد يكون اغلبنا يعرف الحروب الصليبية ولكن دون معرفة تفصيلاتها البشعة والدوافع لها...خاصة في ظل صعوبة الاسماء الاوروبية وانعدام الرغبة في معرفة التاريخ الاوروبي في تلك الحقب المظلمة منه...ولكن في معرفتها ولو بطريقة مختصرة،هي من الفائدة بمكان لا يمكن تصوره،بحيث تكاد الصور التاريخية تتجسد امامنا ولكن بشخوص مختلفة وقد تكون الاماكن ايضا مختلفة ولكن مجرد تكرار الحدث يتبين لنا ان الانسان هو كائن غريب حقا!...فهو لايتعلم من تاريخه رغم ضرورة التعلم كي يحافظ على الاقل على امنه واستقراره وتقدمه،وعدم التعلم هنا قد يكون بوعي او بدون وعي!...والغريبة ايضا ان الغالبية الساحقة من البشر تدفع دوما اخطاء ارتكبت من قبل قلة من البشر كان من الممكن توفيرها لو قدر للجميع التعلم وبموضوعية تبغى الحق والعدل سبيلا لها في تلك الحياة القصيرة جدا!...


لقد كانت الحروب الصليبية بحق هي جريمة كبرى بحق الانسانية،فقد ارتكبت فيها الفظائع بشكل لايمكن ان يقبله اي دين او ضمير انساني حي...لم يتم اعفاء الاطفال وهم اكثر الطبقات بعدا عن الصراعات الدموية ،وكذلك بقية الفئات الضعيفة من المجتمعات،بحجج واهية وزائفة وتحت ستار من الكذب والتعصب الاعمى الذي مازال ساكنا في عقول وقلوب الاغلبية من البشر الى هذه اللحظة!...هل الاديان السماوية تقبل تلك الجرائم التي تأبى الحيوانات عن الاتيان بها؟!...هل حققت البشرية تقدما يمكن الاشارة اليه من خلال تلك الحروب المستمرة في تاريخها الاسود ومنها الحروب الصليبية المستمرة الان بلون وشكل جديد بين العرب واليهود؟!...


لم يستثنى من الحروب حتى النصارى من اتباع الكنيسة الارثوذكسية من ابادة واضطهاد بني دينهم الكاثوليك؟!...ولم تقف القيادات الدينية والمدنية للكاثوليك بالضد من تلك الممارسات الاجرامية،على العكس وقفت ليس فقط تشجعها بل وتحث على المزيد من القتل والدمار وابادة الاخر!!! في عملية مثيرة لسلطات روحية ينبغي لها وفق تعاليم دينها ان تبذل اقصى ما تستطيع من جهد بغية زرع المحبة والسلام بين البشر...لم تقم سلطات الفاتيكان المتغيرة في تقديم اعتذاراتها المخلصة عن تلك الحروب الشعواء!وهي بالرغم من ذلك قدمت اعتذارات لاعمال اقل شأنا!...اذا كانت قيادات البشر العليا بتلك الصفات فكيف تكون قواعدهم الشعبية!..والمسلمين لم يكونوا استثناء من النقد...ابدا!! فهم كانوا ايضا تحت قيادات زمنية وروحية عابثة في ذلك الوقت ماخلا بعض المخلصين وهم قلة دوما!وقد تسببوا بكوارث ومآسي لاحصر لها والغريب ان تلك الاخطاء مازالت مستمرة من اعلى القيادات الى غالبية البسطاء! في ظاهرة عجيبة تبرر لنا قول ان التاريخ يكرر نفسه دائما...ولكن مع الاسف تكرار مع الاخطاء!...


يجب علينا ان نعلم النشء كل حقائق العصور السالفة حتى يتعلموا من اخطائها ويتجنبوا على الاقل ماورثوه من اساطير متضاربة!...ومع الدراسة بتأمل وموضوعية ...تبنى شخصياتنا من جديد على اسس متينة من الصلابة والحرية وكل مزايا الحق والعدل...






ملاحظة:البحوث الاربعة هي مدرجة ضمن فايلات في المدونة الثانية وعلى الرابط التالي لكون الاولى لاتسمح بذلك!!....


http://freebook1.maktoobblog.com/



2009/11/19

العالم يتجه نحو اليسار

العالم يتجه نحو اليسار:



تمهيد:


قبل ثلاثين عاما تقريبا،انهى تلامذة ميلتون فريدمان،سيطرة افكار النظرية الكينزية في الاقتصاد الرأسمالي والتي استمرت اكثر من اربعين عاما،وذلك بوصول مارغريت تاشر الى الحكم في بريطانيا عام 1979 ثم تبعها رونالد ريغان في امريكا عام 1980،ثم بقية دول العالم الغربي الاخرى.والان بعد ان عصفت الازمة المالية العالمية الجديدة في عام 2008 اخذ العالم الغربي في اتخاذ اجراءات اقتصادية متشددة تهدف الى انقاذ الاقتصاد العالمي من الانهيار من خلال الرجوع الى مبادئ النظرية الكينزية من جديد في تدخل الدولة لتنظيم الاقتصاد وانقاذه من شبح الركود الدائم،وبالتالي كان ذلك تمهيدا لعودة الافكار اليسارية من خلال الاقتصاد بعد ان سيطر اليمين على العالم لمدة ثلاث عقود مضت،والسياسة كما هو معروف تتبع الاقتصاد،او انهما مرتبطان معا مما يعني ان الافكار اليسارية في السياسة والاجتماع والفن والادب وغيره اخذت تعود بصورة تدريجية ولكن بصيغ مختلفة.


تعريفان:


النظرية الكينزية:


وهي نظرية جون ماينارد كينز(1883-1946)الاقتصادي الانكليزي المعروف في علم الاقتصاد والتي جاءت في كتابه(النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود)عام 1936 والتي عارض بها النظرية الكلاسيكية في الاقتصاد والتي كانت المتحكمة في الاقتصاد الرأسمالي منذ آدم سميث(1723-1790)العالم الاسكتلندي الشهير الذي يعتبر مؤسس علم الاقتصاد الحديث،والتي كانت تدعو الى ترك الاقتصاد بدون تدخل الدولة في تنظيمه،بمعنى آخر هو ينظم نفسه بنفسه وحسب تلك النظرية فأن الاقتصاد سوف ينمو بسرعة كونه ناشيء من قوة دفع المصلحة الذاتية والتي بمجموعها تكون المصلحة العامة للمجتمع.


وقد حققت تلك النظرية نجاحا كبيرا في تقدم الاقتصاديات الرأسمالية في القرن التاسع عشر والتي ساعد على تقدمها وجود عدد كبير من المستعمرات التي تقدم المواد الخام الاولية بأسعار زهيدة مما ساعد على تنشيط الاقتصاد الصناعي في الدول الاوروبية وهي التي تحتل اغلبية المستعمرات في العالم آنذاك.


ولكن بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى(1914-1918) والتي تسببت في تدمير اقتصاديات الدول الرأسمالية،لم تستطع النهوض منه،فكانت فترة العشرينات من القرن العشرين هي فترة التضخم والركود الاقتصادي في عدد كبير من البلدان ثم ادى الى توجه عدد كبير من الناس للاستثمار في سوق المال المتمثل بالبورصة كوسيلة لتحصيل عائد اكبر مما ادى الى حدوث اعظم ازمة اقتصادية في العالم والتي بدأت يوم الخميس الاسود24\10\1929 في انهيار تام لاسعار الاسهم والسندات انتهى في يوم الكارثة المسمى يوم الثلاثاء الاسود 29\10\1929 حيث فقدت البورصات الامريكية ثم تبعتها بقية البورصات في العالم اكثر من 90% من قيمتها،ثم تبع ذلك حدوث ركود اقتصادي عالمي وبطالة عالية مع انهيار الانتاج الصناعي والزراعي،واصبح عدد كبير من الناس يعيشون على اعانات الحكومات لكي تدفع عنهم الجوع والفقر المدقع،واستمرت آثارها لمدة عقدين من الزمن تقريبا!...


في خلال تلك الاثناء درس كينز الوضع الاقتصادي العالمي، وتوصل الى نتائج بارعة اصدرها في كتابه الانف الذكر،والتي اصبحت مشهورة بنظرية كينز التي تدعو الدولة الى التدخل في الاقتصاد وتوجيهه خدمة للصالح العام من خلال زيادة الانفاق العام لغرض تشغيل العاطلين عن العمل والذي يؤدي بدوره الى زيادة انفاقهم لشراء السلع والخدمات مما يؤدي الى تحريك عجلة الاقتصاد وازدهاره مما يؤدي الى زيادة واردات الدولة من الضرائب التي تقوم بصرفها على الخدمات الاجتماعية والصحية بهدف اقامة دولة الرفاه الاجتماعي،ورغم ان الاشتراكيين يتهمون كينز بأستغلال المبادئ العامة للاشتراكية لغرض اعادة بناء الرأسمالية من جديد الا ان تدخل الدولة في الاقتصاد وان كان هو مبدأ اشتراكي عام الا ان العمل به مختلف كليا عن الموجود في البلدان الاشتراكية التي يخضع فيها الاقتصاد الى تخطيط مركزي صارم من الدولة لايسمح بوجود رأسمالية مهما كان حجمها.


وقد ادى تطبيق المبادئ الكينزية في ضرورة تدخل الدولة في الاقتصاد لتنشيطه حتى لو ادى ذلك الى زيادة الدين العام مادام في النهاية يؤدي الى حدوث ازدهار اقتصادي يعوض عن تلك السنوات العجاف التي تلي تدخل الدولة،الى حدوث ازدهار اقتصادي كبير منذ نهاية الثلاثينيات،وخاصة في الولايات المتحدة التي تعتبر القاطرة الاقتصادية للعالم،واخذت مبادئ النظرية الكينزية تنتشر من خلال مؤيديها الكثيرون في العالم مستندين الى النجاحات التي حققتها من خلال التطبيق والذي ادى الى حدوث ازدهار اقتصادي كبير في الدول الرأسمالية في عقدي الخمسينات والستينات،الا ان حدوث الازمة الاقتصادية العالمية في عقد السبعينات والتي بدأت بارتفاع الاسعار وخاصة النفط بعد ازمة 1973،والتي تلاها حدوث ركود اقتصادي طويل ادى الى تقهقر النظرية في صالح مؤيدي نظرية الليبرالية الجديدة والتي تزعمها في امريكا مليتون فريدمان(1912-2006) وفي اوروبا كان فردريك هايك(1899-1992) و بعد تطبيق النظريات الجديدة حدث الازدهار الاقتصادي الغربي بعد عام 1983 والذي استمر طويلا وصادف خلال تلك الفترة انخفاض اسعار معظم المواد الاولية وخاصة النفط وبدء الثورة التكنولوجية الحديثة وخاصة في الاتصالات ورغم حدوث بعض الازمات الاقتصادية العالمية مثل ازمة عام 1987 المالية الا ان الاقتصاد الرأسمالي خرج منها سليما حتى بداية عام 2008 والتي تبعها وقوع الازمة الاقتصادية العالمية الراهنة،مما ادى الى بدء التدخل الحكومي الواسع النطاق لانقاذ الاقتصاد مما يعني بصورة عملية الرجوع الى اساسيات النظرية الكينزية في التدخل الحكومي لتنشيط الاقتصاد من خلال ضخ الاموال والعمل على التشغيل الكامل للعاطلين عن العمل.


نظرية الليبرالية الجديدة:


وهي نظرية انصار الليبرالية الاقتصادية الحديثة والتي هي امتداد للقديمة والتي كانت مهيمنة على العالم الرأسمالي قبل انتشار افكار النظرية الكينزية،ولكن جاءت بصيغة تحديثية للنظرية الاولى،تلائم العصر الحديث وتطوراته الاقتصادية الجديدة.


عرفت النظرية بأسم النقدية تارة كونها تهتم بالنقد وتأثيراته على الدخل القومي،وتارة تسمى بمدرسة شيكاغو نسبة الى تجمع ابرز منظريها في تلك الجامعة العريقة،ومن ابرزهم ميلتون فريدمان(1912-2006)وفريدريك هايك(1899-1992) بالاضافة الى العديد من المفكرين المشاهير فيها الذين حصل اغلبهم على جائزة نوبل للاقتصاد تقديرا لخدماتهم العلمية في تفرد مثير في الابداع والتحليل،وتعتبر تلك المدرسة الرائدة في الاقتصاد الحديث والاكثر شهرة خاصة بعد تسلم زعامة امريكا وبريطانيا في وقت مقارب،انصار النظرية وتلاميذها ونخص بالذكر رونالد ريغان ومارغريت تاتشر واللذان طبقا افكار النظرية بحرفية وصرامة الى درجة اوصلتهما الى كره من قبل المعارضين وخاصة اصحاب النقابات العمالية والطبقات الشعبية الفقيرة التي لم تجد في تلك التطبيقات اثرا ايجابيا على حياتهم بل هي وسيلة لزيادة ثروات الاثرياء وبالتالي زيادة الفارق في الدخول بين الفئتين!رغم دعاوى الليبراليون الجدد في انهم مع الجميع ...


حرص اتباع تلك النظرية على الدعوة الى تحرير الاسواق تدريجيا والعمل على خصخصة مؤسسات القطاع العام وتقليل دور الدولة في المجتمع من جميع النواحي والى ادنى حد بأعتبارها رمز البيروقراطية والكابح الرئيسي لنمو الاقتصاد، فعارضوا بشدة قبل تحكمهم بالسلطات السياسية الوضع الاقتصادي السائد الذي اصبحت بلادهم الرأسمالية نصف اشتراكية من خلال زيادة نسبة مساهمة الدولة في الاقتصاد القومي والتي كانت على سبيل المثال لاتزيد عن 3% في امريكا قبل الحرب العالمية الاولى،ارتفعت الى الثلث تقريبا! وبالتالي دعوا الى تخفيض تلك النسبة من خلال بيع شركات الدولة وتقليص خدماتها والعمل على تقليص الضرائب ايضا،وجعل دور الدولة مختصا فقط في الفروع التقليدية والتي لا يستطيع القطاع الخاص الولوج فيها من قبيل الدفاع والامن القومي والقضاء او التعليم والصحة رغم المساهمة الخاصة فيهما بنسب محدودة ...


مع نشوء كل نظرية وبخاصة في عوالم الفكر والسياسة والاقتصاد،تكون بداية الظهور قوية كونها جاءت كرد فعل تنظيري على اخطاء ومشاكل واقعية وتحاول حلها من خلال بناء فكري جديد مدعوم ببراهين وقواعد جديدة تخالف المشهور والمتحكم في الواقع،وبالرغم من وجود معارضة لكل نظرية في بداية صدورها وهذا شيء طبيعي وواقعي كون المعارضون للتجديد يشكلون الاغلبية والذين بالرغم من اختلافهم،فأن مصالحهم المتعارضة احيانا تكون جامعة لهم...وبعد ذلك تبدأ النظرية بالتمدد والانتشار من خلال زيادة عدد المعتنقين لها او المؤيدين لافكارها،حتى تصل الى اعلى مرحلة يمكن ان تتوق لها وهي تطبيقها من خلال السلطة السياسية الحاملة لافكارها،وبعد ذلك تبدأ مرحلة التطبيق والتي تجد كل النظريات والافكار مشاكل ومعوقات جديدة لم تكن اساسا مقررة ضمن البنية الفكرية للنظرية،ولكن ايضا تكون الظروف ايضا موضوعية لنجاحها وبالتالي ينشأ جناحان احدهما متمسك بكل ماجاء فيها او بجزء بسيط منها وفي المقابل الجناح المعارض جملة وتفصيلا!...


ونظريات اليسار واليمين الاقتصادية والسياسية وهما المتداخلان الى ابعد حد،لا يشذان عن تلك القاعدة السائدة منذ نشوء البشرية...ولذلك عندما فشلت النظريات الاقتصادية التقليدية في منع حدوث الكارثة الاقتصادية العالمية عام 1929،فأن الظروف تهيئت لليسار الاقتصادي الرأسمالي في اثبات وجوده من خلال البحث عن حلول جذرية للمشاكل العالقة والتي هددت الاقتصاد الرأسمالي برمته بخطر الانهيار، ولتجنب السيطرة الشيوعية ونظرياتها الجديدة آنذاك والتي بدأت في العمل في روسيا واثبتت نجاحا كبيرا برغم المآسي الانسانية الناتجة منها والتي بقيت تحت ستار كثيف من السرية،فأن استعارة بعض حلول المذهب الاشتراكي وتحويرها لكي تلائم الفكر الرأسمالي وبيئته المختلفة بغية تخليصه من أزمته لم تكن عيبا او حتى نقصا بل هو عين الصواب،لان لكل نظرية ايجابياتها وسلبياتها وهنا يبدأ العقل الاقتصادي في استعارة الحلول الناجعة بدلا من الوقوف على المبادئ الرأسمالية المتشددة في رفض كل مايؤدي الى تقليص الحريات الفردية والمبادرات الناتجة منها...وهنا صدرت نظرية كينز العامة والتي سرعان ما طبقت في العالم الرأسمالي خاصة بعد وصول الرئيس روزفلت الى سدة الحكم في امريكا عام 1933...فكانت النتيجة في البداية مشجعة،وساعدت ظروف الحرب العالمية الثانية والتي سحبت البطالة الى ساحات القتال!وشجعت المصانع والقطاعات الاقتصادية الاخرى على العمل بغية اشباع حاجات البلاد العسكرية والاقتصادية والتضحية بالطبع بحقوق العمال لان البلاد تمر بأمور استثنائية!...وهنا كانت النتائج ايجابية في قلب العالم الرأسمالي ونقصد بها امريكا والتي بقيت بعيدة عن دمار الحرب الهائلة رغم اشتراكها فيها كونها بعيدة عن ساحات القتال الرئيسية وبقائها تحت حماية المحيطين الاطلسي والهادئ!...وهنا اصبحت الولايات المتحدة المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي بفضل الضخامة في الانتاج وايضا نظرا لكبر حجم البلاد السكاني ووفرة مواردها الطبيعية...وبذلك اصبحت تشكل اكبر اقتصاد عالمي وصل حجمه عام 1946 الى ثلثي الاقتصاد العالمي الذي تعرض الى دمار رهيب كون غالبية دول العالم اشتركت في تلك الحرب الجهنمية!.


قامت امريكا بعمل مشروع مارشال لبناء اوروبا الغربية والتي نهضت بسرعة بفضل تلك الاموال والمعدات الامريكية وصادف خلال تلك الفترة،توفر الموارد الطبيعية الرخيصة وبخاصة مصادر الطاقة،مع توفر الايدي العاملة وبخاصة من الشعوب الاخرى التي هاجر عدد كبير من ابنائها للعمل في اوروبا،وهنا سيطرت النظرية الكينزية التي تبيح تدخل الدولة في شؤون الاقتصاد الى ابعد حد خاصة في ظل ظهور مقولة دولة الرفاهية بعد الحرب العالمية الثانية والتي يقصد بها توفير الرفاهية للجميع من خلال خلق فرص العمل والخدمات وتيسرها وتحديد ساعات العمل وحد ادنى للاجور مع ضمان التشغيل او توفير الرعاية لغير القادرين ... وبالفعل اصبح العالم الغربي برمته عالم تسوده الرفاهية الحديث الذي وجدها خير دعاية لمقاومة الدعاية الشيوعية التي تدعو الى المساواة والرفاهية ايضا ولكن بأسلوب مختلف ومتشدد!.


وبمرور الزمن اخذت الكثير من المشاكل الاقتصادية تظهر وبخاصة في بداية عقد السبعينات من القرن العشرين، فكانت البداية مع مشكلة البطالة ونشوء البيروقراطية الى التقليل من حرية الاسواق وفرض الضرائب الباهظة لتمويل المشاريع الخدمية والبناء الى الانفاق الدفاعي الضخم بسبب الحرب الباردة بين المعسكرين اللدودين:الرأسمالي والاشتراكي،وهي الحرب التي انهكت الطرفين وفقد من خلالها الكثير من الاموال والجهود بسبب الخوف من سيطرة احد المعسكرين على العالم! حتى ظهرت مشكلة التضخم والركود.


ساعد الى تفاقم تلك المشاكل،حدوث ازمة الطاقة التي رافقت حرب 1973 في الشرق الاوسط،مما ادى الى ارتفاع اسعار المحروقات في الغرب وهو المستهلك الرئيسي لها،والذي ادى بدوره الى ارتفاع اسعار بقية السلع والخدمات والتي هي مرتبطة مع بعضها البعض بالطبع!.


كل تلك المشاكل مع مشاكل اخرى كثيرة،ادت الى بروز الاتجاه اليميني في الاقتصاد والذي كان ضعيفا بفعل آثار ازمة 1929...والذي انتقل الى السياسة بسبب كونها تابعة اساسا للاقتصاد وتأثيراته المختلفة،وهنا برزت المدرسة الليبرالية الحديثة والتي تدعو تقليل دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع بأعتبارها كابحا لانطلاقته من خلال البيروقراطية الشديدة والتي تعطل النمو الحقيقي،وايضا تقليل حجم الضرائب الى ادنى مستوى ممكن،وبالتالي تقليل حجم الخدمات الاجتماعية بمختلف اشكالها بما في ذلك التعليم والصحة! واعتبار المبادرات الفردية والسوق مسؤولة عن تحريك الاقتصاد ونموه بأعتباره يدا خفية في ادارة الاقتصاد! على العكس من اليد المرئية في النظرية الكنزية اي يد الدولة! .


لم يعر انصار تلك النظرية الجديدة للمبادئ الاخلاقية والانسانية اي اهتمام ضمن اجراءات التطبيق! وهي من عيوبهم الرئيسية،بل لم يجدوا من عيب من دعوة الانظمة الديكتاتورية لتطبيق افكارهم التي كانت في البداية قاسية الى ابعد حد،كما حدث في تشيلي وكوريا الجنوبية وتايوان وغيرها،وكانت القسوة تتمثل احيانا في تحديد حقوق العمال او تقليل منحهم المزيد من الراحة والعلاوات! بل وتخفيض الاجور او زيادة ساعات العمل! اضافة الى الاستهانة بحقوق الضعفاء اثناء العمل من قبيل الاطفال العاملون في الدول المتخلفة!.


ظهر لدى اصحاب الاتجاه الجديد في الاقتصاد عدم الاهتمام بالدول النامية ايضا كجزء من عدم اهتمامهم بالاخلاق والمثل الانسانية بصورة عامة سواء داخل بلدانهم او خارجها برغم اهتمامهم بحرية الفرد وعدم تقييد تلك الحرية بأي قيود حتى لو كانت اخلاقية او انسانية رغم انه معروف عن العالم الغربي مسؤوليته الاخلاقية والادبية عن الكثير من المآسي التي حدثت ومازال بعضها مستمرا في العالم الثالث،من قبيل الفقر والتخلف وسيطرة مجموعات مختلفة على الحكم والتحكم به بوسائل بدائية دموية،كذلك مسوؤلين عن الكثير من النزاعات والحروب بين الدول النامية خاصة في مجال الحدود والاقليات العرقية والدينية،وكان مثالا وقحا على عنجهية تاتشر عندما رفضت مع ريغان، رؤية او مناقشة تقرير ويلي براندت! (1913-1992 وهو المستشار الالماني الاسبق) بداية الثمانينات الذي دعى من خلاله الى تنمية الدول النامية في العالم ليس فقط لتطوير تلك الدول بل ايضا لاستمرار رفاهية العالم الغربي من خلال جعل شعوب تلك الدول قادرة على الانتاج والعمل وبالتالي التخلص من طلب مساعدة الدول الغربية وايضا سوف يصبحون مستهلكين للسلع الغربية من خلال توفر القدرات المالية التي تساعدهم على الشراء! وقد اثبت الواقع صحة ذلك التقرير الذي لم يطبق مع الاسف الشديد! ونحن نرى لحد الان مآسي الدول الافريقية على سبيل المثال من خلال استمرارية المجاعة والجفاف والفقر والتخلف واستمرار المساعدات الغربية بالاضافة الى الهجرة الغير شرعية المستمرة والتي تكلف العالم الغربي اموال باهضة من خلال اعادة تأهيل المهاجرين!.


برز بعد الحرب العالمية الثانية اليسار العالمي واصبح شبه مسيطرا على جميع افرع الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية من خلال اطروحاته المختلفة،واخذ يشتد مع استقلال الدول النامية وظهور بعض الزعامات اليسارية المتميزة في العالم الثالث وخاصة بعد عام 1960 الذي استقلت به اكبر عدد من المستعمرات، ورافق حينها انتشار المد السوفييتي ونفوذه في عدة بلدان حتى اصبحت الرأسمالية تهمة تطلق على عملاء الغرب المنبوذين بعكس الحال الان ! ولم يكن العالم العربي شاذا عن ذلك الوضع ايضا!... ولكن لم يكتفي العالم الغربي في سياساته المعادية للاشتراكية والشيوعية بالتحديد،فقام بأجراءات منافية او متناقضة مع منظومته الفكرية والاخلاقية من خلال تدبير عدد من الانقلابات العسكرية والمدنية ضد الانظمة اليسارية المنتخبة!،ونجح في اغلبها ومورست ابشع جرائم بأسم محاربة اليسار، وبالتالي اصبحت السمعة الغربية سيئة جدا في هذه المجالات وقد برز العداء للغرب بشدة من خلال شعور بعض الشعوب المتحررة من السيطرة الغربية مثل كوبا وايران ونيكارغوا وغيرها،بل انتشر المد اليساري المتطرف حتى في دول الغرب نفسها من خلال مجموعات مثل بادر-ماينهوف في المانيا،والجيش الاحمر في اليابان والالوية الحمراء في ايطاليا وغيرها من المجموعات المسلحة اليسارية.


ولكن اليسار العالمي وقع فريسة عدة صراعات جانبية انهكته عن معركته الرئيسية مع اليمين ،سواء بين المجموعات المتصارعة على الحكم او من خلال ظهور مشاكل اقتصادية واجتماعية كبيرة لم يستطع حلها ولكن اثرت على شعبيته اضافة الى السرطان السياسي الفتاك:الاستبداد...الذي هو معول تدمير كل فكر او عقيدة من داخلها مهما كان نوعها او مصدرها!...وهو المرض الذي لم يؤثر على الغرب وبخاصة على اصحاب الاتجاه اليميني!...


وهنا توقف منذ منتصف السبعينيات،النمو الاقتصادي السريع في الدول الاشتراكية واصبحت متخلفة عن العالم الغربي الرأسمالي بشكل واضح واصبحت غير قادرة على الاستمرار في المنافسة الفكرية والاقتصادية،مما أثر على قدرتها على الصمود بوجه الالة العسكرية الغربية والتي اخذت تنمو بشكل كبير بعد سيطرة اليمين على الحكم في البلدان الرئيسية والتي بدأت بسباق التسلح الذي خرج الاتحاد السوفييتي منه متعبا وممزقا ادى الى انهياره السريع! وقد فقدت تلك الدول نفوذها الرسمي والشعبي في العالم الثالث بصورة كبيرة.


ساعد سباق التسلح على تنشيط الاقتصاديات الغربية من خلال تلبية احتياجات القوات المسلحة مما ادى الى تقليل البطالة بشكل كبير،ولم يكن ذلك متوقفا على الحرب الباردة،بل الحروب الساخنة بين الدول المختلفة،وابسط مثال على ذلك الحرب العراقية الايرانية التي استمرت 8 سنوات والتي دمرت البلدين،بينما في المقابل استطاعت الكثير من الدول التخلص من الكثير من مشاكلها الاقتصادية من خلال تصدير السلاح والسلع الاخرى الى الطرفين المتحاربين واحيانا بأسعار عالية،مما يعني تشغيل مستمر للكثير من الطاقات المعطلة وتصدير الفائض المخزون،وكانت من ابرز الدول التي استفادت من تلك الحرب هي فرنسا التي لم يستطع الحزب الاشتراكي الحاكم من اصلاح الاقتصاد وتطويره الا بالاستفادة الغير اخلاقية من تلك الحرب وايضا من حروب اخرى،حتى قدر ان تصدير السلاح انخفض الى النصف تقريبا عام 1989 بالمقارنة مع عام 1988 الذي انتهت فيه تلك الحرب!.


من اسباب نجاح اصحاب الفكر الليبرالي الجديد في الاقتصاد واليميني في السياسة آنذاك ايضا،هو تدهور اسعار الطاقة وبخاصة النفط مع المواد الاولية الاخرى، واسباب ذلك معروفة بالاجمال،فقد صادف بدء الانتاج بشكل كبير من بحر الشمال منذ منتصف السبعينات،وكذلك الانتاج من الآسكا وخليج المكسيك،مع استمرار اجراءات خفض الاستهلاك بعد ارتفاع اسعار النفط عام 1973 من خلال فرض المزيد من الضرائب وتقييد الاستعمال لغرض الحفاظ على البيئة وغيره،كل ذلك ادى الى وجود فائض انتاجي كبير في السوق العالمية فرض هبوطا كبيرا على الاسعار منذ عام 1981 ووصل عام 1986 الى ادنى مستواه! وكل ذلك ساعد على تنشيط الاقتصاديات الغربية والتي تعتمد على الطاقة المستوردة بشكل كبير بالاضافة الى تصنيع الكثير من البدائل للمواد الاولية الاخرى وبالتالي ايضا اثر بشكل واضح على الاسعار...وقد استمر توفر الطاقة بأسعار رخيصة حتى عام 2004 عندما بدأت الاسعار بالارتفاع نتيجة لارتفاع الاستهلاك في الاقتصاديات الحديثة النمو مثل الصين والهند والبرازيل وغيرها،مع توقف الاضافات في القدرات الانتاجية والاحتياطية للدول المنتجة.


بعد سيطرة اليمين المتشدد في البلدان الرئيسية في الغرب وعلى رأسها امريكا وبريطانيا والمانيا وغيرها منذ اواخر السبعينيات،ازداد النفوذ الغربي في العالم خاصة بعد بدء الازدهار الاقتصادي عام 1983 الذي اخرج الغرب من اطول فترة ركود وتضخم في تاريخه،نتيجة للعوامل الرئيسية السابقة، الى ان وصل الى الانتصار الكبير على المعسكر الاشتراكي عام 1989 الذي انهار بفضل عوامل سباق التسلح واجراءاته المكلفة ونمو البيروقراطية وتوقف الاقتصاد عن النمو مع سيطرة النظم الشمولية على الحكم، وهنا اخذ اصحاب الفكر الرأسمالي وخاصة اليمين المتشدد يدعون الاخرين الى اعتناق افكارهم ومبادئهم وطريقة ادارتهم لدولهم باعتبارهم المنتصرون في الحرب الباردة ولولا اجراءاتهم الاقتصادية والسياسية لما سقط المعسكر الشيوعي،واخذت تنشط دعاوى من قبيل نهاية التاريخ باعتبار ان الغرب وفكره الرأسمالي هو الاكثر صوابية وقدرة على تلبية احتياجات الانسان ورغباته.


ورغم بروز المديونيات الداخلية الكبيرة في الدول الغربية اضافة الى العجز الكبير في ميزان المدفوعات والذي سد بفضل الاقتراض من البنوك واستمرار سياسة اصدار السندات لدعم الخزينة،الا ان ذلك لم يعتبر حسب رأي خبراء الفكر الجديد سوى امرا طبيعيا مؤقتا يتم من خلاله تنشيط الاقتصاد وتطويره بشكل سريع يستطيع خلال فترة قصيرة من ان يسدد كل الديون والعجز!...الا ان ذلك التوقع لم يحدث وبقيت مستويات المديونية مرتفعة كذلك بقي ميزان المدفوعات والميزان التجاري في حالة عجز خاصة في امريكا.


في فترة التسعينات من القرن العشرين،ازدهرت معظم الاقتصاديات الغربية في ظل توفر امدادات الطاقة الرخيصة وبقية المواد الاولية الاخرى ثم الاستثمار في الصين الذي ساعد على توفر السلع الرخيصة،كذلك ساهمت نهاية الحرب الباردة في تخفيض حجم الانفاق الدفاعي والامني ومايتعلق بهما بنسبة كبيرة،جعلت الجهود تتوجه للاستثمار في بقية الفروع الاخرى وخاصة في مجال الاتصالات في ثورة تكنولوجية هائلة وغير مسبوقة في التاريخ استغلت فترة سقوط الكثير من اجراءات الامن الاحترازية التي قيدت الاعمال التجارية والاستثمارية في جعل العالم كقرية صغيرة من خلال شبكة الانترنت التي كانت محتكرة من قبل الاجهزة العسكرية، وتحول الاستثمار المتزايد في التكنولوجيا الى مصدر ربح كبير،وساعد تخفيض اسعار الفائدة والتهاون الكبير لدى البنوك في منح القروض لعدد كبير من غير القادرين على السداد على توفير مصادر السيولة للاستثمار وخاصة في مجال سوق الاوراق المالية والعقارات اللذان ازدهرا بشكل كبير وغير مسبوق،وتطور استخدام التكنولوجيا لدرجة الاستغناء عن الكثير من الايدي العاملة في ظل التحول الى مصادر الايدي الرخيصة في الدول النامية.


ظهرت اوجه كثيرة وجديدة في التعاملات الاقتصادية من قبيل بيع الديون وتحويلها الى اسهم وسندات! والمتاجرة فيها والمتاجرة بالعملات والمضاربة فيها وتحول الاقتصاد غير المرئي او الطفيلي الى اقتصاد كبير ومؤثر!،وساعد غض النظر من قبل الحكومات على تفشي الفساد والتستر عليه واصبح التهرب الضريبي وغسيل الاموال القذرة من سمات المرحلة الحديثة! واصبح الفارق كبيرا بين الفئات الرأسمالية والطبقات الاكثر فقرا وهذا ليس في داخل البلد الواحد بل بين دول العالم المتقدم والعالم الثالث ايضا!،ورغم تحول العالم بفعل العولمة الى قرية صغيرة فأنه وبموجبها تحول الازدهار والمشاكل الناتجة عنه ايضا الى مشاكل عالمية مشتركة بفعل تشابك المصالح والاستثمار،ورغم وجود العديد من المزايا الايجابية من قبيل زوال الفوارق الحدودية بين الدول والبشر ماعدا العالم العربي الذي بقي يعاني منها!كذلك حدوث التطور الكبير في العالم وفي دول اصبحت نموذجا مثاليا للتطور الاقتصادي الدال على براعة الانسان وقدرته على الخروج من الفقر والتخلف اذا توفرت الارادة والنزاهة في دول مثل ماليزيا وسنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية كذلك في دول اوروبية وامريكية لاتينية اخرى،فأن ذلك ساعد على شيوع افكار السوق الحرة والمبادرات الفردية والتطرف بها الى درجة رفض اي تدخل او ضبط حكومي لها !والذي ادى الى شراهة كبيرة في الاستهلاك الذي مول من قبل القروض الشخصية وبطاقات الائتمان حتى اصبح مرضا نفسيا مستفحلا في المجتمعات ورغم تحذيرات القلة الا انها اهملت بأعتبار انها تعرقل النمو بشكل غير واقعي او انها تحذيرات تشاؤمية لامبرر لها!...وقد جلب الاستهلاك الكبير في العالم انماط ثقافية جديدة تتعارض احيانا مع الطبيعة الانسانية وقد دخلت حتى في مجالات الفن والادب والعلاقات الاجتماعية واحدثت تشوها هائلا فيها اثر على نفسية الانسان،ورغم توقع نهاية الحروب والازمات بين الدول وفي داخل المجتمعات بعد نهاية الحرب الباردة على اعتبار انها سبب الازمات السابقة بسبب التنافس بين المعسكرين الا ان ذلك اصبح حلما بعيد المنال بشكل مؤسف،فقد ازدادت بشكل غير مسبوق المشاكل العرقية والدينية والاجتماعية المختلفة وبقيت الكثير من الدول تحت سيطرة نظم مستبدة وفاسدة دون ان تشجعها العولمة على اتخاذ سبيل الديمقراطية طريقا مثاليا لها في العمل السياسي! ونشبت حروبا مأساوية عديدة ازهقت ارواح الملايين مع استمرار المجاعات والنكبات الطبيعية التي لم تستطع التكنولوجيا من حلها بل على العكس اصبح مسببا رئيسيا لها من خلال استنزاف الموارد الطبيعية بشكل جنوني دون مراعاة امكانيات الارض والبيئة مما ادى الى ظهور مشكلة ارتفاع درجات الحرارة في العالم وازدياد التلوث وما نتج عنهما من مشاكل اخرى!.


اصبحت تلك المشاكل الكبيرة امرا واقعا دون ان تجد من يتصدى لها بجدية احد في ظل التنافس الغير مسبوق بين الدول وبين الفئات الاكثر ثراءا التي اصبح البعض منها وبصورة مريبة غنيا خلال فترة قصيرة جدا،واللهاث الكبير وراء المال والنفوذ هو مفسدة كبرى للبشر يستحيل السيطرة عليه في ظل التحرر الكبير من الاخلاق والقيم التي اصبحت من موروثات الماضي!...كل تلك المشاكل والازمات، ولدت شعورا معاديا للعولمة الجديدة وللفكر اليميني سواء في الاقتصاد او السياسة واخذ التطرف المعادي ينتشر حتى نجح اليسار في الوصول الى الحكم في بعض الدول من خلال صناديق الانتخابات واصبحت مهمة الغرب السابقة في التغيير بالقوة من مخلفات الماضي البغيض وبالتالي فرض عليها احترام ارادة الشعوب الاخرى التي اختارت الطريق اليساري حتى لو باجراءات طفيفة في التغيير! والامثلة عديدة خاصة في بلدان امريكا اللاتينية التي تحولت معظم بلدانها الى الخيار الاخر! بعد ان جربت الطريق الرأسمالي وفق الليبرالية الجديدة التي بشر بها اتباع مدرسة شيكاغو وكذلك النخب اليمينية في الحكم والتي اشتهر عنها الفساد واستغلال النفوذ!مما جعل الطريق مهيئا للفكر اليساري للبروز من جديد خاصة من خلال نخب فكرية وسياسية جديدة استغلت التدهور الحاصل في بعض المستويات للرجوع الى اماكنها السابقة،بحلة جديدة وبنبذ للماضي البغيض الذي علق ببعض النظم اليسارية او التي استغلت اسمه في اعمالها!..


وبعد بدء الانهيار المالي العالمي عام 2008 والذي كان متوقعا حدوثه فأن فرصة اليسار اصبحت مواتية للفوز بالحكم والنفوذ في بلاد عديدة وكان فوز اوباما بالرغم من ضعف اليسار في امريكا هو مؤشر ايضا على سقوط اليمين باعتباره ممثلا ليسار الوسط فأن ذلك هو ايضا دليل هام على تدهور ولكن ليس سقوط نظريات الليبرالية الجديدة،بل ان ذلك معناه ان كلا المدرستين بحاجة للاخر من خلال الاستعانة بالافكار المنصوص عليها،والتطرف في التطبيق هو يؤدي بلا شك الى فشل ذريع!والنجاح في البداية الى ينتهي بالضرورة الى نجاح دائم بل هو وقتي لان الظروف تتغير بأستمرار وبالتالي تتغير المشاكل والاساليب الناجعة لحلها...


ان الازمة المالية العالمية ادت الى تأميم الكثير من المؤسسات المالية والشركات العملاقة واصبحت الحكومات متحكمة بجزء كبير من الاقتصاد مما يعني ان الكنزية قد عادت وهي المعبرة عن اليسار بصورة اجمالية في العالم الرأسمالي من خلال الاقتصاد وان الحكومات الجديدة هي على الاغلب سوف تكون يسارية التوجه حتى وان كانت يمينية الصبغة! كما حدث في المانيا (ايلول 2009)عندما فاز اليمين مرة اخرى رغم اتباعه سياسات انقاذ الاقتصاد بعد حدوث الازمة العالمية وبالتالي فأن التوجه نحو اليسار ليس منحصرا ضمن نطاق الاحزاب اليسارية بل حتى الاحزاب اليمينية مما يعني ان الاقتصاد وطريقة ادارته تحكمه الظروف الدولية والمحلية والحلول التي يقترحها الخبراء بغض النظر عن المنهج السياسي للاقتصاد!وهذا قد تكرر اوائل الثمانينات من القرن العشرين عندما سيطر التوجه اليميني على الاقتصاد العالمي ولكن ذلك لم يمنع الاحزاب الاشتراكية التي فازت بالحكم في فرنسا واسبانيا واليونان مثلا على اتخاذ اجراءات اقتصادية مشابهة لدى الدول الغربية الاخرى التي تحكمها احزاب يمينية...


هكذا الاقتصاد مثل التاريخ يتكرر حدوثه ولكن باشكال ووجوه جديدة...وهنا يفترض الوقوف بتأمل ودراسة مستفيضة للواقع ومشكلاته وللمدارس الاقتصادية وآرائها حتى يمكن اتباع الطريق الاقل كلفة من ناحية الخسائر والاكثر امانا...ثم ومراعاة لانسانية الانسان وعدم تحويله الى حيوان مستهلك يعيش لحاضره دون ادنى اعتبار للاخرين او للاجيال القادمة...











2009/11/12

اين حقي

اين حقي



من روائع الشعر العربي الحديث هي قصيدة اين حقي الشهيرة للشاعر الكبير محمد صالح بحر العلوم(1908-1992) (اسمه مركب)وهو سليل اسرة علمية شهيرة اشتهرت بالفقاهة والادب ولا تحتاج الى تعريف...والقصيدة كتبت بطريقة بديعة دالة على موهبة شعرية فذة امتلكها الشاعر بحر العلوم،وطريقة نظمها وكلماتها المؤثرة هي لها وقع الموسيقى العذبة في النفس كما للعقل!...نظمت في خمسينيات القرن العشرين على شكل رباعيات وعددها 36 رباعية على نفس نسق طلاسم ايليا ابو ماضي الشهيرة والتي اشتهرت بلازمتها الشهيرة(لست ادري) والتي وصفت حينها بالالحادية او انها تدعو الى التشكيك بالايمان،والتي رد عليها الكثير من الشعراء وخاصة من طبقة رجال الدين حتى تفوقت بعض الردود على القصيدة الاصلية!...


اما قصيدة بحر العلوم والتي أنتهت بلازمتها(اين حقي)، فهي كانت ضد الظلم الاجتماعي والقهر واستغلال الدين والمنصب لاغراض شخصية ،وهي امور لم تتغير منذ ذلك الحين!، وتنتهي القصيدة الشهيرة بطريقة التساؤل المطلبي !وايضا تتضمن الكثير من المعاني الفلسفية والمطالب العقلية والمنطقية في ضرورة تحسين الظروف المعيشية لعامة الناس في كل مكان،ولكن الاخطر كانت قصائده تدعو للثورة اينما حل الظلم والاستعباد ولذلك عانى الشاعر الكبير في حياته،الى الكثير من الظلم وتعرض الى السجن حتى صدر ضده حكم الاعدام بحقه، ونظرا لانه ثائرا ضد الجميع وسلوكه السياسي المعارض لكافة الانظمة الحاكمة، فقد بقي محاربا حتى من قبل الاوساط الثقافية العربية في حياته وحتى بعد وفاته من خلال اهمال ذكره نهائيا،وقد بقي شعره مختزلا في اصدارين او ثلاث! مع انعدام الدراسات حول سيرته الذاتية او شعره الذي هو من القوة والمتانة التي تضعه في مصاف كبار الشعراء في العصر الحديث وخاصة بالقرب من صديقه شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري!...وتبقى تلك القصيدة والتي حفظت لنا ذكر الشاعر! هي جوهرة شعره واحدى درر الشعر العربي الحديث التي حفظت له شهرته وقوته ومتانة عباراته وتصدره بين الاداب العالمية...


أين حقى


شعر : محمد صالح بحر العلوم


(1)


رحت أستفسر من عقلى وهل يدرك عقلى


محنة الكون التى استعصت على العالم قبلى


ألأجل الكون أسعى أنا أم يسعى لأجلى


وإذا كان لكل من فيه حق: أين حقى؟!


(2)


فأجاب العقل فى لهجة شكاك محاذر


أنا فى رأسك محفوف بأنواع المخاطر


تطلب العدل وقانون بنى جنسك جائر


ان يكن عدلا فسله عن لسانى: أين حقى؟!


(3)


أنا ضيعت كما ضيعت جهدا فى هباء


باحثا عن فكرة العدل بكد وعناء


وإذا بالناس ترجو العدل من حكم السماء


وسماء الناس كالناس تنادى: أين حقى ؟!


(4)


أترانى أرتئى ما يرتئيه الناسكونا


وأجارى منطقا يعتبر الشك يقينا


وأقر الوهم فيما يدعيه الوهم دين


افسيعود العلم يدعونى بحق: أين حقى ؟!


(5)


ان أنا أذعنت للخلق وحاولت التعامى


كان شأني شأن من يطلب غيثا من جهام


فنظام الخلق لا يعرف وزنا لنظامى


ونظامى لم يزل يصرخ مثلى: أين حقى؟!


(6)


ما لبعض الناس لايحسب للتفكير فضلا


ومتى ناقشته الرأى تعداك وولى


زاعما ابقاء ما كان على ما كان أولى


من جديد يعرف الواقع منه: أين حقى ؟!


(7)


ليتنى أستطيع بعث الوعى فى بعض الجماجم


لأريح البشر المخدوع من شر البهائم


وأصون الدين عما ينطوى تحت العمائم


من مآس تقتل الحق وتبكى: أين حقى؟!


(8)


يا ذئابا فتكت بالناس آلاف القرون


أتركينى أنا والدين فما أنت ودينى


أمن الله قد استحصلت صكاً فى شؤونى


وكتاب الله فى الجامع يدعو: أين حقى؟!


(9)


أنت فسرت كتاب الله تفسير فساد


واتخذت الدين احبولة لك واصطياد


فتلبست بثوب لم يفصل بسداد


وإذا بالثوب ينشق ويبدو: أين حقى؟!


(10)


بان هذا الثوب مشقوقا لأرباب البصائر


فاستعار القوم ما يستر سوءات السرائر


هو ثوب العنصريات وهذا غير ساتر


وصراخ الأكثريات تعالى: أين حقى؟!


(11)


كيف تبقى الأكثريات ترى هذى المهازل


يكدح الشعب بلا أجر لأفراد قلائل


وملايين الضحايا بين فلاح وعامل


لم يزل يصرعها الظلم ويدعو: أين حقى؟!


(12)


أمن القومية الحقة يشقى الكادحونا


ويعيش الانتهازيون فيها ناعمونا


والجماهير تعانى من أذى الجوع شجونا


والأصولية تستنكر شكوى: أين حقى؟!


(13)


حرروا الأمة ان كنتم دعاة صادقينا


من قيود الجهل تحريرا يصد الطامعينا


وأقيموا الوزن فى تأمين حق العاملينا


ودعوا الكوخ ينادى القصر دوما: أين حقى؟!


(14)


يا قصورا لم تكن الا بسعى الضعفاء


هذه الأكواخ فاضت من دماء البؤساء


وبنوك استحضروا الخمرة من هذى الدماء


فسلى الكأس يجبك الدم فيه: أين حقى ؟!


(15)


حاسبينى ان يكن ثمة ديوان حساب


كيف أهلوك تهادوا بين لهو وشراب


وتناسوا أن شعبا فى شقاء وعذاب


يجذب الحسرة والحسرة تحكى: أين حقى؟!


(16)


كم فتى فى الكوخ أجدى من أمير فى القصور


قوته اليومى لا يزداد عن قرص صغير


ثلثاه من تراب والبقايا من شعير


وبباب الكوخ كلب الشيخ يدعو: أين حقى؟!


(17)


وفتاة لم تجد غير غبار الريح سترا


تخدم الحى ولا تملك من دنياه شبرا


وتود الموت كى تملك بعد الموت قبرا


واذا الحفار فوق القبر يدعو: أين حقى؟!


(18)


ما لهذى وسواها غير ميدان الدعارة


لتبيع العرض فى أرذل أسواق التجارة


وإذا بالدين يرميها ثمانين حجارة


وإذا القاضى هو الجانى ويقضى: أين حقى؟!


(19)


أين كان الدين عنها عندما كانت عفيفة


ومتى قدر حقا لضعيف وضعيفة


ولماذا عدها زانية غير شريفة


الان العرف لا يسمع منها: أين حقى؟!


(20)


كان من واجبه يمنحها عيش كفاف


قبل أن يضطرها تبتاع عيشا بعفاف


ولماذا أغلظ القاضى فيها وهو مناف


للنواميس ولا يسأل منها: أين حقى؟!


(21)


كم زنى القاضى وكم لاط بولدان وحور


واحتسى أوفر كؤوس من أباريق الفجور


أين كان الدين عن اجراء قاضيه الخطير


ولماذا لم يصارحه كسجان: أين حقى؟!


(22)


القاضى الدين تميز على حال الجماعة


أعليه الحكم لا يرى وان يأبى أتباعه


أقضاة الدين أدرى بأساليب الشفاعة


واذا الدين ارتضاها لم يطالب: أين حقى؟!


(23)


برياء ونفاق يخدعون الله جهرا


أين مكر الله ممن ملئوا العالم مكرا


ان صفا الأمر لهم لن يتركوا لله أمرا


وسيبقى الله مثلى مستغيثا: أين حقى؟!


(24)


ليس هذا الدين دين الله بل دين القضاة


لفقوه من أحاديث شياطين الرواة


وادعوا أم من الله نظام الطبقات


ان يكن حقا فقل لى يا الهى: أين حقى؟!


(25)


ليس فى وسعى أن أسكت عن هذى المآسى


وأرى الأعراف والأعراف من دون أسى


بين مغلوط صحيح وصحيح فى التباس


وكلا العرفين لا يفهم منه: أين حقى؟!


(26)


خطأ شاع فكان العرف من هذا الشياع


صواب حكم العرف عليه بالضياع


وسواد الشعب مأخوذ بخبث وخداع


لقطيع يلحق الذئب وينعى: اين حقى؟!


(27)


ليس هذا الذنب ذنب الشعب بل ذنب الولاة


وجهوا الأمة توجيه فناء لا حياة


وتواصوا قبل أن تفنى بنهب التركات


واذا الحراس للبيت لصوص: أين حقى؟!


(28)


دولة يؤجر فيها كل أفاك عنيد


أجره لا عن جهود بل لتعطيل الجهود


لم يواجه نعمة الأمة الا بالجحود


واذا النعمة تغلى فى حشاه: أين حقى؟!


(29)


من فقير الشعب بالقوة تستوفى الضرائب


وهو لم يظفر بحق ويؤدى ألف واجب


فعليه الغرم والغنم لسراق المناصب


أيسمى مجرما ان صاح فيهم: اين حقى؟!


(30)


من حفاة الشعب والعارين تأليف الجنود


ليكونوا فى اندلاع الحرب أخشاب وقود


وسراة الشعب لاهون بأقداح وغيد


وجمال الغيد يستوجب منهم: أين حقى؟!


(31)


عائشا عيشة رهط لم يفكر بسواه


همه أن ينهب المال لاشباع هواه


أين من يفتح تحقيقا يرى عما جناه


ويريه بانتقام الشعب جهراً: أين حقى؟!


(32)


أيها العمال هبوا وارفعوا هذى البراقع


عن وجوه ما بها غير سحاب ومصانع


واصرفوها عن عيوب عميت عن كل دافع


وترانى صادقا عنها بقولى: أين حقى؟!


(33)


أيها العمال أين العدل من هذى الشرايع


أنتم الساعون والنفع لأرباتب المصانع


وسعاة الناس أولى الناس فى نيل المنافع


فليطالب كل ذى حق بوعى: أين حقى؟!


(34)


كيف يقوى المال أن يوجد فى غير جهود


أين كان النقد لولا جهد صناع النقود


ومتى يقدر أن يخلق طيرا من حديد


فلهذا الجهد أن يدعو جهرا: أين حقى؟!


(35)


أين كان المال قبل الجهد أو قبل الطبيعة


وهما قد سبها فى غابر العهد شروعه


واذا بالمال لا يذكر للعهد صنيعة


وإذا بالجهد يستجدى صهبانا: أين حقى؟!


(36)


لم يؤثر بيقينى ما أقاسى من شجون


فشجونى هى من أسباب تثبيت يقينى


ولتكن دنياى ما بين اعتقال وسجون


وليكن آخر أنفاسى منها: أين حقى ؟!











طرائف عبر الايميل

طرائف عبر الايميل:







الفرق بين الحبيب والخاطب والمتزوج






الهدف في حياته :


الحبيب : أن يرضيها


الخاطب : أن يرضي والدتها


المتزوج : أن يرضى الله عنه و يأخذ أحدهما






نظرته إلى الدبلة :


الحبيب : حلم


الخطيب : عبء مادي


المتزوج : بتعمل حساسية !!






أكثر بضاعة يشتريها :


الحبيب : الورد


الخطيب : الحلويات


الزوج : حفاضات بامبرز






في صالة السينما :


الحبيب : ينظر في عينيها


الخطيب : يمسك يدها


الزوج : يتابع الفيلم






طلباتها بالنسبة له :


الحبيب : فرض عين


الخطيب : أوامر رئاسية


الزوج : كلام نسوان






متى يفكر في الطلاق


الحبيب : عند طنط


الخطيب : عند إصرارهم على الطلبات الحالية


الزوج : فقط عندما يكون مستيقظ أو نائم






إسمها على موبايله:


الحبيب : HONEY


الخطيب : المدام


الزوج : الحكومة






الجحيم بالنسبة له:


الحبيب : مكان لا يراها فيه يوميا


الخطيب : مكان يرى فيه حماته المتطلبة


الزوج : حياته الحالية






ما هو الخلع ؟


الحبيب : حكم بالإعدام


الخطيب : إهانة للكرامة


الزوج : نصر من الله وفتح قريب







المنتخب من الاخبار

المنتخب من الاخبار:



1- منعت ادارتي القمرين عرب سات والنيل سات في وقت واحد! من بث قناة العالم الاخبارية الايرانية الناطقة بالعربية... يعتبر ذلك القرار دليلا على مدى هشاشة وضعف البنى الفكرية والاعلامية والاخلاقية للنظامين المصري والسعودي ومن لف لفهما،وبيان ذلك واضح ليس على مدى الخوف والرعب من قناة عادية ليس فيها مايدعو الى منعها!بل على مدى الانحطاط والوقاحة لاجهزة النظامين في تلك المحاولة المفضوحة لاسكات الرأي الاخر في عالم اصبح مفتوح الابواب على جميع الاراء، ولحسن الحظ مع الثورة التكنولوجية الحديثة اصبح من المستحيل اسكات الصوت الاخر مهما كان وضعه!... نعم لا يستدعي ابدا منع بث تلك القناة والتي هي ضعيفة على مستوى حجم المشاهدة لبرامجها كونها تتبع منهاج سياسي واحد ولكنه يختلف عن المناهج السائدة في تلك الدولتين! ولكن العقلية الامنية الخائفة والمتسلطة على شعوب العالم العربي هي نفسها دون ان تتغير او حتى تعمل على تطوير طرقها البدائية في محاولاتها اسكات الاصوات الاخرى...هل يعلم هؤلاء انهم بذلك اسسوا لشهرة اضافية للقناة دون ان تتعب نفسها؟!وكما تفعل بقية الوسائل الاعلامية...فرغم كل الامكانيات الاعلامية المتوفرة لتلك النظم المستبدة ومنها امتلاكها لمئات القنوات الفضائية...الا انها تبقى مرعوبة وخائفة الى درجة تثير الاشمئزاز والسخرية من وسيلة اعلامية واحدة تخالفهم في النهج!...لقد كسرت قناة الجزيرة رغم عيوبها الفاضحة من قبل، احتكار المحور السعودي-المصري الاعلامي في العالم العربي وبينت وبوضوح مدى ضعفهم وتخلفهم فضلا عن انزعاجهم من الرأي الاخر،ولكنهم لم يحاولوا استيعاب الدرس جيدا،بل اسسوا لقنوات اضافية على نفس النهج ولكن بظاهر مختلف رغم ان الباطن ثابت لايتغير!...ومن ابرزها قناة العربية التي انشئت لغرض التصدي لقناة الجزيرة،والتي قارنتها في بحث سابق (1) مع قناة شبه محايدة مثل البي بي سي في طريقة عرض التعليقات حول موضوع مشترك بينهما على موقعيهما الالكتروني في نفس هذا الشهر من العام الماضي 2008 !،وتبين بوضوح مدى التشويه في النتائج من خلال السماح لمن يتفق ورأيهم ولا ادري لماذا يسمحون اذا بالتعليقات!.


لو كان بأمكان تلك الدول منع كل القنوات الفضائية الناطقة بالعربية والتي مصدرها الغرب والشرق،لفعلت ايضا ولكنها لا تستطيع ذلك لحسن الحظ!!...


2- قصف سلاح الطيران السعودي مواقع الحوثيين في اليمن،وبعد ان كان تدخلهم سريا اصبح الان علنيا ومفضوحا!...هل تجرأ السعودية على استخدام قواتها المسلحة المدججة بأحدث الاسلحة والتي ليس لها القدرة على استخدامها اذا كان لديها فعلا صلاحية الاستخدام في الدفاع عن لبنان او القدس الشريف؟!...او حتى التصدي للبلاد الاخرى دون طلب مساعدة غربية؟!..


قدرتها دائما على الاضعف منها في البلاد الاخرى والذي يخالفون توجهاتها الفكرية!..والا لماذا التدخل ضد الثوار الحوثيين المعارضين للنظام اليمني الفاسد والذي لا يمتلكون سوى الامكانيات البسيطة مع الاصرار على مواصلة الكفاح المسلح والذي صمد كل هذه الفترة بوجه النظام حتى ارعب النظم المجاورة وجعلها تهرع بكل قدراتها المكنونة لحفظ الامن لمحاربتها بتلك الهمجية الوحشية!...


قد تتعادى الانظمة العربية فيما بينها...ولكن عند الخطر المحدق على اي نظام يقف الجميع في جبهة واحدة موحدة!...










(1):تشرين الثاني(نوفمبر)2008:شبه اجماع على السخرية


http://freebook.maktoobblog.com/1447229/شبه-اجماع-على-السخرية/











شبهات جلد الذات

شبهات جلد الذات:



هل التعرض الى مواقع الخلل في العقل البشري والسلوك الانساني والحضارة،هو جلدا للذات؟!...وتعزيرا لها؟!...ام هي حالة طبيعية لدى الانسان يهدف من ورائها الى العمل الجاد لتخليص نفسه ومجتمعه في حاضره ومستقبله من كل الاخطاء والآثام التي واكبت حركته وحركة اسلافه في الماضي ؟!...


يرفض البعض حالة النقد او التعرض لاخطاء المجتمعات ويوسع الرفض الى حالة النقد الذاتي وتأييد كل ما يصدر من انتقادات ويعتبرها حالة من التباكي او الانتقام من النفس لا تستدعي ذلك،وللهروب من ذلك يميل البعض الى رمي الاخرين بنفس التهمة او حتى نفي الاتهام عن الذات وعن المجتمعات المحلية!..وقد تختلف نسبة الرفض للنقد بين الكلي الى الجزئي وبين شخص وآخر كأي اختلاف يقع بين البشر على قضية من القضايا...


في اختلاف كبير بين جلد الذات وبين النقد وخاصة النقد الذاتي بصورة خاصة،ففي الحالة الاولى تكون سلبية واقرب للحالة المرضية منها للصحية،وهي تشبه حالة الهروب من الواقع نتيجة للممارسات الخاطئة فيه دون تحليلها عقليا ومنطقيا واستخلاص النتائج والعبر منها والعمل على وضع الحلول الناجعة بغية الخروج من حالة الفشل واليأس، ويكون ذلك من خلال رفض المجتمع ككل وتأنيب الضمير بصورة تفوق المعتاد حتى تنتهي الى حالة من الهجران للمجتمع ككل كما حصل مع بعض الجماعات المتطرفة والتي من ابرزها جماعة التكفير والهجرة في السبعينات والعيش في بؤر منعزلة عن الواقع...لا تهدف الى تخليصه لكون الاحساس عاجزا عن التغيير بسبب عدم امتلاك آليات التغيير وقدراتها المعروفة،وهذه الحالة تنشأ اثناء الازمات التي تواجه الامم والمجتمعات وخاصة في هزائم الحروب والسياسة والفشل الاقتصادي وحالات الفقر الشديد الناتجة عنه وايضا المشكلات الشخصية الى غيرها من امراض المجتمعات المستعصية...اذن نحن امام حالة عجز كلي ليس فقط من خلال عدم تشخيص الحالات المرضية فحسب وانما ايضا تتمدد الحالة الى العجز في ايجاد الحلول والاكتفاء بالانعزال ورفض المحيط ولعنه مع لعن الزمن الرديء الذي نعيشه !...


تختلف حالة جلد الذات عن حالة التوبة من الذنوب الكبيرة والصغيرة...فالتوابون يهدفون من خلال شعورهم بالذنب الى تخليص النفس من آثامها والعمل الجاد لتطهيرها من خلال بناء الذات الجديدة والقادرة على العطاء او الانتقام من كل مصادر الفشل والقمع،ومن افضل الامثلة على ذلك حركة التوابون التي ظهرت في الكوفة بعد استشهاد الامام الحسين(ع) والتي قادها رجال اجبروا بطرق قمعية وارهابية مختلفة على حرمانهم من المشاركة في نصرة الثورة الحسينية مما ادى بهم الى حالة من الاحساس بالذنب العظيم من خلال العجز عن مواجهة ارهاب نظام الحكم الاموي،فكانت ثورة التوابون الشهيرة والتي استشهد معظم رجالاتها الذي اظهروا شجاعة نادرة في سبيل المبادئ الاسلامية السامية،وبالتالي كانت لهم وسائلهم في محاولة تخليص المجتمع من سيطرة الزمر الارهابية المنحرفة عن الخط الاسلامي والانساني المتمثل بدولة بني أمية...


هذه اذن حالة الجلد الذاتي والسلبيات الناشئة منها وهي حالة غير منتشرة بالطبع لان حالة النقد مهما كانت كبيرة وخاصة الذاتية منها والتي تنتشر مع الازمات المختلفة كما يحدث الان في العالم العربي، فأنها اي حالة النقد لاتهدف الى تشخيص السلبيات وعدم البحث عن الحلول الايجابية فحسب ،بل العمل على تطبيق تلك الحلول او على الاقل رفض المشاركة في الحالات السلبية اوانسحاب المشاركين اصلا فيها والتي تتنافى عادة مع المصلحة العامة والقيم الاخلاقية المتعارف عليها والتي تخضع الى حالة من التشويش والتضليل...


النقد والنقد الذاتي هي البحث الدائم عن كل المشكلات ومصادرها الاساسية والنظر بجرأة وموضوعية لها ودراستها من مختلف الجوانب بغية ايجاد الحلول المناسبة والتي قد لا نكون محظوظين في تطبيقها في الوقت الحاضر او في المستقبل المنظور،ولكن لانفقد الامل او نجعل الشعور باليأس يدخل في نفوسنا حتى الى اجيالنا القادمة...نعم قد يصل البعض الى تلك الدرجة العالية من التشاؤم ولكن ذلك ناتج من طول فترة الانحطاط الحضاري والمساوئ الناتجة عنه...وهي حالة ايضا طبيعية وتبتعد كثيرا عن حالة الجلد الذاتي والتي عرفنا معناها بصورة اجمالية والتي يتصورها البعض انها حالة من التباكي المستمر من سوء الاوضاع الحالية.


حالة الهروب من المشاكل لاتقع فقط في حالة الجلد الذاتي والذي يعرف الاخطاء دون ان يعمل على تصحيحها فحسب،بل هي حالة عامة منتشرة ويتمثل ذلك في ذكر مشاكل الاخرين واخطائهم...نعم الاخرين لهم مشاكلهم وهم لاينكرون ذلك بل ويعملون على تشخيصها وايجاد الحلول اللازمة لها ولا يمتنعون عن النقد الذاتي ولكن الهروب من مشاكلنا وتعليق الاخطاء على الاخرين هو خطأ فادح لا يمكن نكرانه او التساهل معه!...الاخرون يختلفون عنا في نوعية المشاكل وحتى في الحلول تبعا لاختلاف مجتمعاتهم ودرجة تطورهم ومستوى المشكلة... مشاكلنا قد تكون اكبر بكثير منهم( الغرب على سبيل المثال) وقد تكون عند الاخر منتهية منذ فترة طويلة من قبيل حالة الاستبداد في الحكم،وبالتالي علينا الاستفادة من حلول الاخرين التي اثبتت نجاحها وترك مشاكلهم لهم اذا لم نستطع مساعدتهم!...


حالة الوعي تعطي دافعا قويا على رفض الواقع السيء ونشر ذلك الوعي ايضا يكون واجبا كما ان الاشادة بحالة النقد هي كالمشاركة في التشخيص من قبل الاكثر وعيا وهي حالة تستوجب الاحترام والتقدير...لا الاتهام بأنها حالة من حالات جلد النفس التي هي سلبية وبعيدة عن السلوك السوي للانسان وطبيعته الهادفة الى خلق افضل الظروف لبناء مجتمع انساني قويم...


لو كان اتهام الاخرون بحالة الجلد الذاتي نتيجة لنقدهم المستمر لاوضاعهم واوضاع مجتمعاتهم صحيحا!...لتوقفت حالة التطور من خلال بقاء الاخطاء على حالها دون اكتشافها وتصحيحها والبقاء في حالة التقليد الجامد والاعمى، ويمكن لنا على سبيل المثال مشاهدة الفارق الكبير بين حالة الفقه الذي يمنع الاجتهاد والتجديد الذي هو حالة طبيعية مستمرة من الحياة لاسباب مختلفة ،وبين الفقه الذي يسمح به...ان الفارق كبيرا بالطبع! لان الثاني سوف يكون متقدما على الاول ليس فقط في درجة رقي طرق البحث العلمي وجودتها بل في نتائجه ايضا،وبالتالي سوف تنشأ حالة من الشعور بالعجز لدى الاول من خلال بقاءه في طرائقه القديمة والتي قد تنفع زمنا دون آخر...


النقد هو حالة طبيعية وهي تخص كل البشر دون استثناء،ولكن الاختلاف يكون في نوعية المشكلة واسبابها واختلاف طبيعة المجتمعات وتقبلها للمشاكل والحلول....











الرقابة الفكرية المرعبة

الرقابة الفكرية المرعبة:



احد ابرز نتاجات الفكر الاحادي المحدود هو الرقابة الفكرية والتي هي بدورها تنتج فكرا احادي الجانب ومثقفا ذو بعد واحد،لايرغب بفتح المجال للافكار الاخرى،بل حتى لا يرغب بمحاورتها والاستفادة من نقاط قوتها في تصحيح الفكر الداخلي المقفل الذي يكون تقليدي يخاف التجديد او يهرب من ساحة الصراعات الفكرية والثقافية.


ظهرت قوائم الكتب الممنوعة من النشر في معرض الكويت للكتاب لعام 2009 والتي نشرت تباعا في الصحف وخلال ايام العرض!.... وهي قائمة مرعبة بالفعل تمثل مدى حدة وقسوة بل وحتى جهل وتخلف الرقابة الفكرية في بلد يوصف بأنه من اكثر البلاد العربية انفتاحا!...فأذا كان الامر كذلك فكيف الحال في الانظمة العربية الشمولية الاخرى والتي تكون عادة مقفلة؟!...


اكيد الحال اسوأ... ولحسن الحظ لم نطلع على قوائم المنع فيها!!...


نواجه ازمة قراءة وقلة عدد القراء،وفوق ذلك تفرض رقابة مشددة في عالم كسر كل القيود...اذا كانت الرقابة قد نجحت الى حد ما في الماضي،فأنها اكيد فاشلة في هذا الزمن الذي اصبح من السهولة الحصول على اي كتاب عن طريق الانترنت ولو بصيغ الكترونية مختلفة او حتى قراءة مقاطع طويلة منه تنشر في مختلف المواقع الالكترونية...


الغريب في الامر ان الكثير من الكتب الممنوعة هي دواوين شعر وروايات وكتب قديمة التأليف!...هذا بالاضافة الى الكتب الحوارية بين الاديان والمذاهب...!!


هل يتصور الرقباء في كل مكان ان بأمكانهم الحجر على العقول؟!...وهل يستطيعون حماية العقول الناشئة من التأثيرات الاخرى؟!...اذا كان الامر كذلك فما بال منع عدد كبير من الكتب الادبية ودواوين شعر ؟!...


هل يتصور هؤلاء الرقباء الاغبياء ان بأمكانهم بناء ثقافة قوية لدى القراء اذا كانت عقولهم مقيدة كما قيدت ايديهم؟!...


المثقف ذو البعد الواحد:


كل ممنوع مرغوب...تلك القاعدة الذهبية التي فاتتهم!...


من خلال النظر الى الواقع بموضوعية مجردة... يمكن الاستنتاج انه لايمكن بناء فكر دون الاحتكاك مع الفكر الاخر اوالتصادم معه بالاساليب الفكرية المعروفة...ولا نستطيع بناء الشخصية الثقافية دون الاطلاع على الاخر المخالف والاستفادة مما يوجد لديه من ايجابيات وبراهين قوية منطقية في بنائه الفكري...


لو نظرنا الى المثقف ذو البعد الواحد كيف تصبح شخصيته مهزوزة وضعيفة عندما يخاف من مواجهة الاخر ...او يخاف حتى من الاطلاع على مايوجد لديه!...


ولا يجد المثقف ذو البعد الواحد المسكين سوى الهرب او الصراخ او الاتكال على شراذم الجهلة من المتعصبين للدفاع عنه...


بينما المثقف ذو الابعاد المتعددة ...تكون شخصيته اقوى واكثر مناعة من الانزلاق في متاهات التعصب والجهل والتخلف...وتكون اكثر واقعية في الاطلاع على مختلف القضايا والمشاكل،والتي يتناولها من مختلف الجوانب،وتكون نتائجه الاكثر صوابية وجودة في التحليل والبرهان والنتائج...وبالتالي الاكثر قدرة على الجذب...


من اهم اسباب سقوط الشيوعية هي عدم تقبلها للاخر والاستفادة منه في تصحيح اخطائها...بينما من اهم اسباب نجاح الرأسمالية هي الاخذ بمزايا الاشتراكية والديمقراطية،وبالتالي صححت معظم التشوهات التي صاحبت نهضتها الفكرية .


فهل يكون ذلك المثال الساطع كافيا للرقباء للتنازل عن حرفتهم القبيحة؟!...


بربكم هل وجدتم فنانا يرسم لوحاته بلون واحد؟!...واذا رسم ولو كحالة نادرة فهل سوف يستمر في انتاجه او يجذب عدد كبير من محبي الفن ومتذوقيه؟!...







الهوية والمواطنة

الهوية والمواطنة:



كانت حلقة المناقشة للندوة الثقافية العامة (1-11-2009) خاصة في موضوع حساس يمس الجميع ويدور حول المواطنة والهوية،والبحث كان مختصرا بالطبع والمناقشات قد تكون خرجت عن صلب الموضوع خاصة في ظل الربط التقليدي بمشكلات العالم العربي وببعض بلدانه التي تعاني من مشكلات عميقة نابعة من التعارض بين الهوية والمواطنة،وهذا التعارض يخرج من دائرة السلم الاهلي ليدخل في معمعة العنف والعنف المضاد...


الموضوع بحق هو عميق الى درجة تبعث في النفوس اليأس والملل!،ولا تنفع معه دراسات عديدة،خاصة في ظل التنوع البشري الهائل والذي يقتضي الخروج من دائرة التقيد بمسلمات عديدة يتصورها البعض انها تنفع لكل البشر بمختلف اجناسهم واعراقهم واعمارهم!...نعم قد توجد قواعد مشتركة جامعة بين البشر، ولكنها تكون في نسبة متدنية اذا ماقورنت بنسبة قواعد الاختلاف التي تكون اعلى نسبة واكثر دموية وقسوة اذا ماخرجت من ايدي العقلاء ووصلت الى ايدي السفهاء!..


نقاط البحث الرئيسية:


التعريف الذي طرح في البحث حول المواطنة:هي انتساب جغرافي محدد،بينما الهوية:هي انتساب ثقافي وديني وعرقي الى اخره من المعتقدات والقيم المختلفة.


ليس الوطن هو الذي يحدد نوع الهوية،ولكن العكس صحيح غالبا هو ان الهوية تفرض على الوطن...


يحدث تعارض بين الهوية والمواطنة في كل المشكلات وطرق معالجتها...وقد يصل الحل الى تقسيم الاوطان كما حدث في القارة الهندية والصومال والاتحاد السوفييتي...وبذلك تتمزق اوطان بتعدد الثقافات،واتحاد الهويات في اوطان عديدة يؤدي الى الجمع بينها كما هو حادث في تكوين الاتحاد الاوروبي...


الديمقراطية هي جزء من الهوية الثقافية،والعلمانية كذلك...وبذلك لن يكونا حلين متكاملين نظرا لعدم اعتقاد الكثيرين بهما...


الثورة التكنولوجية الحديثة والتي جلبت العولمة كنتاج ثقافي لها هي اضعفت الدولة الوطنية والاواصر الموجودة في داخلها وفي نفس الوقت حلت محلها مبادئ الانسانية العالمية والتي اثرت الى حد بعيد...


هوامش على المتن:


الموضوع هو محل اختلاف وليس محل اتفاق بين الجميع،وقد يصح رأي في بلد ما ولا يصح في آخر!...وبالتالي ان التعميم وخاصة المفروض بالقوة هو خطأ فظيع سوف تظهر نتائجه التدميرية لاحقا مهما طالت الحقب الزمنية...


الاختلاف بين الهويات هو يصل الى درجة تدميرية ولا يقف عائقا امامها سوى فرض القانون الذي يساوي بين الجميع،ولكن الارادة التي تفرض القانون هي محل اختلاف هل هي شرعية ام لا؟!...اذا كانت صاحبة شرعية كما هو حاصل في الدول الديمقراطية الليبرالية،فأن الاستقرار سوف يطول وان لم تصل الى درجة الابدية المستحيلة بالطبع!... وفي المقابل فأن الدول التي تحكمها فئات متسلطة بالحديد والنار والادعاء بنيابة الحق الالهي فأنها اكثر سرعة في الانهيار والزوال،والامثلة عديدة امامنا في التاريخ المعاصر او الازمنة السابقة،ويمكن ملاحظة الرفض القاطع للتخلي عن الحكم او السماح بتغييره سلميا لكثير من الانظمة...


قد يتصور البعض ان المواطنة اقوى من الهوية،وهو رأي شائع بالطبع الا ان الواقع يثبت ان الهوية اقوى واشمل وهي متجذرة في النفوس الى درجة يصعب اقتلاعها نهائيا...ولذلك نجد ان الاوطان تتغير بأستمرار وان خفت تلك الظاهرة في العصر الحديث من خلال السيطرة الغربية على امور العالم،الا انه حلت محلها الهجرة الى الخارج مثلا ...ولكن الثقافات لن تتغير الا بصورة ضئيلة جدا في بعض فروعها وعلى مدار حقب زمنية طويلة...


يستحيل على اي انسان ان يدعي المواطنة بدون هوية!...تلك خرافة لا مجال لها في العيش في ارض الافكار والنظريات...فمن يقول ذلك معناه ان يبذل اقصى الجهد في منع النفس من الاختلاط او حتى مجرد الحديث في شؤون الامم الاخرى ناهيك عن دراسة العلوم والاداب...


تتحول الهوية احيانا الى وطن يجمع بين البشر بغض النظر عن انتمائاتهم العرقية،والاوطان الخالية من الاختلاف في الهوية قليلة العدد واكثر استقرارا ولكنها في نفس الوقت فقيرة في البنية الفوقية لمجتمعها،ففي الاختلاف يظهر الجمال والابداع خاصة في ظل العيش المشترك بأمن وسلام ويمكن ملاحظة ان الاوطان الكبيرة الحجم تكون محل رغبة في الزيارة اكثر من الاوطان الصغيرة...


للحديث بقية ولكن الرغبة في الاختصار هنا، نبقيها الى مواقع بحثية اخرى قد تتصل بالموضوع او في بعض جوانبه بصفة او بأخرى...







2009/10/30

خلل الدقة

خلل الدقة:



قبل ظهور الانترنت والثورة المعلوماتية المصاحبة،كنا نعتمد على وسائل الاعلام المطبوعة في استلام المعلومات والتي لا تسمح الظروف في الغالب من التأكد من دقة المعلومات المكتوبة،خاصة اذا كانت المصادر الاخرى التي تورد نفس المعلومات ايضا مطبوعة وبذلك نقع احيانا في حيرة خاصة اذا تضاربت المعلومات حول موضوع ما،وقد نعتمد على بعضها دون الاخر دون التأكد من ايهما صحيحا! هذا قبل الانترنت فما بال اليوم مع وجود الانترنت وسهولة البحث عن معلومة ما ان يستمر العمل بنفس الخطأ،فتلك فضيحة لا يمكن التهاون معها ابدا لانه من السهل جدا على القارئ ان يتأكد من صحة المعلومة من خلال استخدام محركات البحث في الانترنت والتي تعطي المعلومات من خلال كم هائل من المصادر المتنوعة ومن مختلف اللغات،وسوف اذكر لاحقا مثالين قبل ظهور الشبكة المعلوماتية وبعده!...ومن خلال الخبرة نجد ان غالبية وسائل الاعلام العربية لا تتأكد من دقة المعلومات المطبوعة والتي تقوم بنشرها! رغم انه من المفروض ان يكون ذلك واجبا فرضيا لا يمكن الخلاص منه! بل نجد من الشائع انتشار الاخطاء المطبعية دون ان يكون هنالك مصحح لها في مجلات رصينة او تدعي الرصانة فما بالك في العادية!،ويكون من المخجل الذي لا تتورع وسائل الاعلام عن ذكره ونشره هو ان يقوم القراء بتصحيح ما تنشره(مجلة العربي مثالا!)...نعم اذا كان الخطأ نادرا فهو لاغبار عليه،اما ان يكون منتشرا فذلك من الاخطاء الفادحة التي لا يمكن غفرانها...هذا يؤدي الى ان الرسالة الاعلامية تكون مشوهة ولا تهدف الى نشر المعلومة الصحيحة مما يعني انه من الضروري التريث كثيرا والوقوف امام صحتها عند الاطلاع خاصة في ظل التدفق الكثيف للمعلومات حتى لو كانت المعلومة ليست ذات اهمية للقارئ كما يعتقد!...


المثال الاول:


في الثمانينات انتشرت موسيقى البيانو الهادئة العذبة للموسيقار العالمي ريتشارد كلايدرمان،ومازالت لحد الان في المقدمة نظرا لانها تلائم كل الاعمار ولاتختص بفئة ما،بل هي موسيقى عالمية يفهمها الجميع دون اي تعقيدات تذكر!...


لكن انظر للمعلومات التي قرأتها عنه في وسائل الاعلام العربية!...الاسم قلب الى غولدرمان واحيانا مشتقات اخرى بعيدة عن الاسم الحقيقي!،اما جنسية الموسيقار فتغيرت الى المانية!...وبقيت تلك المعلومات اضافة الى اخرى عنه باقية في الذاكرة لفترة طويلة،حتى قمت بالصدفة في الاطلاع على المزيد من المعلومات عنه باللغة الانكليزية،فوجدت المعلومات الاكثر دقة والتي تتناقض تماما امام ما نشر سابقا!.. وقد يكون من الطريف الذكر هنا ان جنسيته هي فرنسية!...في تلك المعلومات البسيطة تكون تلك الاخطاء فما بالك في المعلومات التي هي ذات اهمية كبيرة بالنسبة لنا خاصة في مجالات التاريخ والسياسة والاقتصاد!...


المثال الثاني:


قبل ايام اطلعت على اعداد من مجلة الجيل والتي تصدر في لبنان،وهي من المجلات القيمة ولكنها لا تشذ عن القاعدة في نشر المعلومات الخالية من الدقة!...


ففي العدد 4 نيسان 2009 وفي موضوع مثير حول جريمة بشعة قام بها شاعر مكسيكي منحرف قتل ببشاعة خطيبته ثم اكل جزءا من لحمها بغية كتابة كتاب عن غرائز آكلة لحوم البشر!...الموضوع نشر في الصفحات 58-65 مما يعني ان الموضوع مهم بحيث دعم بالكثير من الصور!...وبعد الانتهاء من قرائته المثيرة،ذهبت الى الانترنت كعادتي للرغبة الذاتية الملحة للحصول على المزيد من المعلومات التفصيلية ثم التأكد مما نشر!،فوجدت معلومات بالطبع اكثر وبمختلف اللغات،ولكن المثير ان الكثير من المعلومات في المجلة هي خاطئة او ناقصة،من قبيل ان الضحية شوهدت اخر مرة يوم 5-11-2007 بينما في الحقيقة قبل ذلك التاريخ بشهر،ثم ذكرت معلومات عن امرأة اخرى دون ان تذكر المجلة شيئا عنها ماعدا صورتها!تبين انها قتلت بنفس الطريقة!.. ولكن الاكثر غرابة ان الجاني الشاعر انتحر يوم 11\12\2007 بينما ذكرت المجلة على عهدة محررها المذكور اسمه انه انتحر يوم 18\3\2008 !! ولا ادري المغزى من ذكر تلك المعلومات الخاطئة دون التأكد من دقتها رغم ان تلك الدقة لا تحتاج سوى الى بضعة دقائق من البحث في الشبكة العنكبوتية ...


هذه الامثلة تنتشر بكثرة في وسائلنا الاعلامية دون ان تجد من يتصدى اليها او دون ان يجد العاملون العبرة في الحذر في نشر المعلومات الخاطئة او المظللة، واكيد الامثلة لاحصر لها،ذكرت اثنان للاختصار والمصادفة!...



المعايير النسبية في المقاييس الدولية

المعايير النسبية في المقاييس الدولية



تصدر سنويا عشرات التصنيفات الدولية التي تبين مقدار التفوق بين الدول او المؤسسات او الافراد، والتي تغطي مختلف المجالات في الحياة العملية والتي من بينها تصنيف الجامعات في العالم او حرية الصحافة او مقاييس حجم المؤسسات الاقتصادية الدولية الخ... وقد اصبحت تلك التصنيفات مثل الموضة في العصر الحديث بحيث تتنافس على اصدارها مختلف المؤسسات التي بعضها غير متخصص او على الاقل يهدف الى الشهرة من وراء نشرها وبمعايير احيانا ضعيفة او غيرمنطقية، وتكون نتائجها بالتالي خاطئة او فيها هامش كبير من الخطأ لايمكن الركون اليها بأي حال من الاحوال،والغريب في الامر ان بعض التصنيفات ازداد في بعض الفروع والنتائج الصادرة منها مختلفة!او احيانا نفس التقييم ولكن تختلف التسمية! وتفرح النتائج من يحصل على اعلى الدرجات وفي المقابل يهمل نتائجها من يحصل على ادنى المراتب او يذهب الى مقياس تصنيفي اخر يمنحه درجة اعلى يمكن ان يتباهى بها امام الجميع كما تفعل البنوك على سبيل المثال عندما تضع على واجهاتها نتائج تصنيفها من قبل الهيئات الحكومية والخاصة والتي هي احدى وسائل الدعاية الذكية والمجانية لها وتقوم بأستغلالها افضل استغلال ولكن لايعرف احدا بالضبط ماهية تلك الهيئات او طريقة الاختيار والتصنيف فيها والتي تم على اساسها اصدار النتائج التي تكون في بعض الاحيان دقيقة ومثيرة للاهتمام وفي البعض الاخر تكون مضحكة لا يقبلها اي عقل او منطق كونها بعيدة عن الواقع او قد تكون ناتجة من معايير قليلة لا تستوجب اصدار نتائج كاملة للوضع دون استخدام عدد اكبر من المعايير مع بذل اقصى ما في الوسع في تطبيق الموضوعية الحيادية من كل تأثيرات جانبية تكون مدمرة للصدقية المعرفية التي هي اقصى المنال البشري للتقدم والرقي...


وقد وفرت لنا الازمة المالية العالمية فرصة ذهبية لمعرفة دقة نتائج التصنيفات لكثير من المؤسسات والتي تبين عدم صدقية البعض منها عندما انهارت بفعل تلك الازمة التي كشفت الكثير من الحقائق الخافية على الحكومات والشعوب.


مقاييس ليست مطلقة!:


مادامت تلك المقاييس صادرة على يد مجموعة بشرية متخصصة وهم بمجموعهم خطاؤون في كل شيء كبقية البشر!... فأذن النتائج تكون غير صادقة بصورة مطلقة ولكنها تكون نسبية وهنا يقع الخلاف حول صوابية نسبية النجاح، بمعنى انه يمكن الحصول على نسبة عالية من الصدقية تكون ملائمة للواقع الملموس وقد تكون هنالك نتائج هزيلة بعيدة كل البعد عن الحقيقة والواقع وتكون مستندة على معايير خاطئة او غير دقيقة او حتى لا اهمية لها في ظل اصدار كم هائل من النتائج التي تغطي مساحات شاسعة من اوجه مجالات الانتاج والخدمات،لانه من المستحيل التخلص من التحيز (وهي طبيعة فطرية بشرية لايمكن الخلاص منها مهما كان الجهاد النفسي ) او عدم الوقوع في الخطأ الغير مقصود بأي وسيلة كانت خاصة في ظل الحصول على معلومات متضاربة حول موضوع ما من قبيل الحصول على احصائيات مختلفة للانتاج او العوائد المالية أو حجم المدخر من الثروات ما شابه ذلك من الاحصائيات المتعلقة بموضوع البحث...


النتائج الصادرة هي جهد جماعي متناسق في عملية البحث ولكن يختلف كل فرد في رؤاه واجراءاته في الحصول على المعلومة او في تحليلها او في اصدار النتائج حسب الرؤية الشخصية التي تكون غالبا بالطبع متضاربة بين الباحثين،ولذلك فأن النتائج هي في النهاية حصيلة المجموع الكلي للاراء الصادرة من قبل الباحثين والذين يكونون في الغالب عاملون في مناطق مختلفة من العالم وتكون مجالات اختصاصاتهم سواء الشخصية او البحثية مختلفة فيما بينهم وبالتالي سوف يحصل لدينا كم هائل من المعلومات والتحليلات التي تخضع لادارة جماعية قد تختلف آرائها عن مصدر المعلومات والتحليلات وهنا نكون اما محظوظين في تطابق وجهات النظر او سيئ الحظ عندما يختلفون فيما بينهم تبع اختلاف تقييماتهم الشخصية التي تكون صادرة من اختلافات اساسية في المنهج والطريقة والخبرة الشخصية الى اخره من الاختلافات بين الباحثين في شتى بقاع العالم...


ورغم وجود معايير ثابتة للبحث الا ان الالتزام بها يختلف من شخص الى اخر وحسب اختلاف المعلومات او الخبرة او التحصيل الاكاديمي والمعرفي على سبيل المثال...


وتبقى في النهاية تلك التقارير والتصنيفات رغم نسبيتها في الدقة،ذات اهمية بالغة في تقييم الوضع الدولي بمختلف فروعه التي تعطي في النهاية توصيات مهمة للتعامل المستقبلي معها بغية الوصول الى الهدف النهائي وهو التطور الحضاري للمجتمع وبنيته التحتية والفوقية...


بداية دقيقة ونهاية نسبية!:


بداية التصنيفات العميقة والموضوعية والتي تصدر بعد بحث واستقصاء طويلين الامد هي كانت مع الاصدار السنوي لمجلة فوربس الاقتصادية الامريكية الشهيرة والتي بدأت بها منذ عقود طويلة وتكون اصداراتها كما هو معروف متخصصة في الامور المالية والاقتصادية للشركات والمؤسسات المالية الدولية ومن ضمنها التصنيف السنوي الشهير لحجم ثروات اثرياء العالم بغض النظر عن جنسياتهم ونوعية اعمالهم رغم ان العديد من حكام دول العالم خارج نطاق تلك التصنيفات بسبب السرية الكاملة في اعمالهم والرغبة في البقاء بعيدا عن متناول وسائل الاعلام حتى لا تسبب لهم احراجات مع شعوبهم التي تكون غافلة بوعي او بدونه عن تلك الانتهاكات الوطنية الكبرى!،ومازالت نتائج مجلة فوربس تحظى بالاهتمام والتقدير لكونها الرائدة في تلك المجالات مع الدقة في الحصول على المعلومات وتحليلها وتبويبها بغية اصدار نتائج في غاية الدقة والموضوعية،وعموما نتائج مجلة فوربس هي بالاساس لا تخضع لمعايير شخصية او آراء بل هي ارقام واقعية تحصل عليها رغم انها احيانا غير مطابقة للواقع بصورة مطلقة لكون الكثير من المؤسسات والاثرياء يخفون ارقام ومصادر ثرواتهم وبالتالي تكون النتائج احيانا نسبية ايضا ولكن عالية الدقة فيها دون الوصول الى المنى المثالية في الدقة المطلقية!...


تصنيفات فوربس مازالت في المقدمة لكونها الرائدة في هذا المجال وتعتمد على الموضوعية في نتائجها،وبالتالي تبقى محل اهتمام الجميع خاصة في مجالات اختصاص تلك التصنيفات العريقة وهي منشورة في موقعها الالكتروني وفي بقية وسائل الاعلام لمن يرغب في الاطلاع والدراسة ...


ولكن مع الاسف الشديد ان تلك البداية الرائعة في العمل ، تحولت الى نهاية بائسة في الوقت الحاضر من خلال الفوضى الضاربة في التصنيفات العديدة المتنافسة فيما بينها بدون وجود اي معيار يمنع الدخلاء على ذلك العمل المعرفي الجبار، ورغم وجود العديد من التصنيفات الدولية القيمة الا ان كثرة التصنيفات الغير موضوعية يجعل مجال الثقة مقيد الى حدود دنيا الا من لا يملك القدرة او الوقت الكافي للتفريق بين نوعية التصنيفات ومدى الجدي منها،وهنا تكمن المصاعب التي تزداد مع تعقيدات الحياة المختلفة...


امثلة نموذجية:


الكثير من التصنيفات هي غير خاضعة لقوانين واسس علمية او منطقية،بمعنى ان تصنيفات فوربس على سبيل المثال اذا صحت الارقام الواردة لمراسلي المجلة والتي تنشر بدون تغيير فهي تقع تحت خانة التصنيفات العلمية الموثوق بها،اما التصنيفات والتي تخضع لاراء وتقييمات الباحثين والمراسلين فهنا تكمن النسبية في الدقة،وقد تكون عالية او اقل درجة في الوثوق...ولنأخذ مثالين يمكن تبيان الفرق بين التصنيفين الغير خاضعين لمنهج ثابت لا يمكن القفز فوقه كالاحصائيات الدقيقة مثلا!...


في شهر تشرين اول(اكتوبر) من كل عام تصدر وبصورة متقاربة في التوقيت وقد يكون مصادفة،التقييم السنوي للجامعات في العالم سواء من قبل صحيفة التايمز البريطانية العريقة او من قبل غيرها،بالاضافة الى الاصدار السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود حول وضع الحريات الاعلامية في العالم...


من الملاحظ ان هنالك اختلاف كبير بين نتائج تقييم الجامعات في العالم نظرا لاختلاف المعايير المستخدمة في التقييمات وبالتالي فأن نسبية النتائج تكون واضحة للعيان بصورة لاتقبل النقاش او الاحتجاج عليها!...


من بين المعايير التي تثير جدلا في صدقيتها هو حصول خريجي اي جامعة في العالم على جائزة نوبل!...وهو مقياس خاطئ لكون الجائزة متحيزة في الكثير من المجالات بما لايقبل الجدل او الشك،واختياراتها تكون من خلال معايير تنطبق على الواقع في الغرب بصورة اكبر مما هو موجود في بقية بقاع الارض! وبالتالي فأن اعتماد نوبل كمقياس هو خطأ فادح سوف تنعكس نتائجه ونسبة الخطأ فيه على نتائج التصنيف،كذلك تقييم الحرية الاكاديمية يخضع هنا لاراء متعددة لاتنطبق احيانا على الواقع وبالتالي ايضا مقياس نسبي في صدقيته!،ايضا معيار حجم التمويل الحكومي رغم اهمية التمويل المالي للمؤسسات الاكاديمية ليس مؤثرا بصورة رئيسية في التقييم لكون الكثير من الدول النامية تنفق مبالغ طائلة على جامعاتها دون ان تحقق نتائج مرجوة! بينما هنالك جامعات تعتمد على التمويل الذاتي والفردي قد حققت نتائج باهرة وحصلت على اعلى الاوسمة في التقييم!...


من الامور التي تأخذ بالحسبان هي حجم الجامعات ونسبة الطلاب الاجانب فيها ونسبة توظيف خريجيها!او معدل عدد الطلاب لكل استاذ او حتى المعيار الحديث وهو حجم الدخول الى الموقع الالكتروني للجامعة! وغيرها من المقاييس الاخرى التي نراها في معظم الاحيان غير دقيقة او لا تعبر عن واقع حقيقي، وقد تتقارب النسب في التقييم بين عدد من الجامعات بحيث يصعب احيانا التمييز بين المتقدم منها عن المتأخر نظرا لوجود عدد هائل من الجامعات في العالم ،والاكثر غرابة في التصنيفات الدولية المختلفة هو خلوها من وجود اي جامعة عربية وبالتالي فأن هذا الاتفاق الغير متعمد بالطبع هو دلالة واضحة على مدى التدهور الحاصل في التعليم الاكاديمي في العالم العربي وفي مختلف جوانبه!...ولكن تبقى في النهاية وجود بعض المؤسسات العريقة لها شهرتها في مقدمة التصنيفات الدولية بحيث تكون باقية ومحافظة عليها لامد طويل في المستقبل...


هذا المثال هو يعطي صورة واضحة لمدى اختلاف الدقة في النتائج وان كان على الاغلب اكثر صدقية من المثال التالي:


الحريات الصحفية في العالم:


الحرية الاعلامية في اي بلد في العالم هو مقياس للتحضر بكل معنى الكلمة، والتضييق عليها ولمختلف الاسباب هو مقياس آخر للتخلف او التأخر عن سباق الركب الحضاري الدولي،ولذلك تكون نتائج الحريات الاعلامية مثيرة لاي بلد مهما كانت ظروفه مختلفة، والنتائج هنا تنحصر في محاربة الفساد بجميع انواعه والذي يكون عائقا رئيسيا امام تقدم اي بلد،وكذلك تطبيق القانون على الجميع دون استثناء من خلال كشف المستور والعلني في العمل الحكومي والخاص،وتبقى المهمة الاولى وهي محاربة الاستبداد والطغيان الناشيء من الحكومات واجهزتها المختلفة ومن الاحزاب السياسية والتجمعات القبلية وعصابات المافيا المختلفة.


يصدر التقييم السنوي ومنذ سنوات عدة عن منظمة مراسلون بلا حدود التي مقرها في باريس،واحيانا نتائجها تكون مثيرة بحيث لاتقبل مجال من الشك في نسبية صدقيتها او حجم دقتها خاصة انها صادرة من تقييمات الكثير من المراسلين الاقليميين في العالم ومن المنظمات المتعاونة معها في هذا المجال والتي تختلف وجهات نظرهم بالطبع عن غيرهم للحالات التي يصادفونها في مجال عملهم الاعلامي، والاكثر تأثيرا في اصدار النتائج في هذا التقرير هو الخضوع لرأي سياسي او فكري معين مما يسبب تأثيرا بالغا في خطأ التقييم الذي لا يراعي الاراء الاخرى والتي قد تعطي صورة مخالفة لما ينشر!...


التقييم يعطي صورة عن حجم الحريات الصحفية ولا يعطي نهائيا اي تقييمات اخرى كجودة الانتاج المعرفي والتحليلي من الصحافة والتي هي تشمل كل وسائل الاعلام بما في ذلك خدمة التدوين التي ظهرت اهميتها من خلال شبكة الانترنت خلال السنين القليلة الماضية...


من خلال الاطلاع على نتائج السنوات الماضية،يظهر لنا وبوضوح تام مدى الاختلاف في ترتيب الدول في التصنيف،وهو طبعا يظهر من خلال تقييم الفترة الزمنية الدورية لتحسن الوضع في بلد ما او بالعكس،ولكن الغريب في تقارير تلك المنظمة في القفزات الكبيرة في تحسن او سوء مرتبة دولة معينة والذي يكون سببه كما تقول المنظمة تقارير مراسليها والمنظمات التابعة والمتعاونة معها في هذا المجال والتي تنشر في موقعها الالكتروني ووسائل اعلامها الاخرى...ولكن عند الاطلاع على تلك التقارير يتبين لنا وبدون ادنى شك ان الرؤية التحليلية المبنية على اساسها تغيير وضع الدولة المعنية،هو لا يطابق بصورة كاملة تلك القفزة البهلوانية في الترتيب والتي تكون عادة في اثناء ازمات حادة مفاجئة كالانقلاب العسكري او وضع الاحكام العرفية تحت التنفيذ ! ولكن عندما يتعلق الامر من خلال وضع صحفي ما او تعرضه لاعتداء او سجن او اتهام وما شابه ذلك، فذلك لايبرر نهائيا اي قفزة تراتبية بأي شكل من الاشكال... نعم قد يكون هنالك تغير في الترتيب ولكن بصورة تدريجية ومن خلال مراتب قليلة وكذلك عند وضع التحسن ايضا يكون الحديث بنفس الوضعية في التقييم،ولنعطي مثالا بارزا في تصنيفي المنظمة لعامي 2008 وعام 2009 ...


المرتبة المعطاة لاسرائيل في عام 2008 هو 46 وقد قفز الى الرقم 93 مما يعني تدهورا هائلا في الحريات الصحفية فيها!...هذا القفز الذي يبرر في التقرير لما حدث في قطاع غزة ابان الحرب عليه في بداية عام 2009 والتي منعت وسائل الاعلام من تغطيتها او اتخذت اجراءات عقابية على بعض المراسلين بسبب خرق الاوامر...هذه الاسباب لا تعطي بتاتا اي مبرر لتلك القفزة الهائلة في التدهور والتي وضعت الدولة العبرية في مصاف اقل الدول منحا للحريات الصحفية داخل حدودها،بل هذا يعطي للمراقب مدى عدم دقة التقرير وصوابية ترتيب الدول فيه من خلال عدم اتباع منهج عقلاني في الاختيار وفق اسس سليمة وهادئة...نعم ان تلك الحرب وما رافقها من تقييد للحريات الصحفية هو تدهور للحرية الصحفية ولكن هذا مؤقت تبرره اسباب الحروب المعتادة للتغطية على الجرائم التي تتخللها ثم ان ذلك لايؤثر سوى بصورة قليلة على وضعية الحريات في الداخل مما يعني ان تغيير الرقم اذا صح الاول وهو 46 فأن مقدار التدهور يكون بدرجات قليلة وليس بمقدار يفوق 47 درجة في سنة واحدة!! تلك خرافة لايمكن تصديقها خاصة عندما نرى في التقرير ان غالبية الدول العربية وبعض الدول الاخرى التي تحكمها نظم مستبدة تفوق في المرتبة، اسرائيل! والحقيقة التي لايجادل بها اي شخص ان الحريات الصحفية الموجودة في داخل اسرائيل فقط طبعا الى الان تفوق بالجملة والتفصيل جميع الحريات الصحفية الممنوحة للاعلام العربي! ويمكن لغاية الان رؤية كيف تحاكم وسائل الاعلام الاسرائيلية جميع المسؤولين في الدولة وتخضع حياتهم الشخصية للمراقبة وتخضع الاجهزة الامنية كل مشبوه بتهمة الفساد كما جرى لرئيس الوزراء السابق اولمرت وكل ذلك بفضل ما تتمتع به وسائل اعلام الدولة العبرية وما تعرضه للرأي العام فيها وما لا تتمتع به وسائل اعلام الدول الاخرى الموجودة في مقدمة التصنيف!...


هذا يعطي لنا مثالا للخلل الموجود في التصنيف المشهور!...


المثال الاخر والذي يثير الانتباه هو وضع الكويت في مرتبة رقم 60 بعد تحسن طفيف وهذه المرتبة هي الاولى عربيا وقبل لبنان الذي تقدم قليلا!...هذا التقييم يخالف الواقع الذي يعرفه الجميع من كون الحريات الصحفية في لبنان هي الاولى عربيا ومن خلال تاريخ طويل وعريق ولا توجد قوانين تقيد تلك الحريات الا بصورة استثنائية ويساعد الوضع الطائفي على ذلك التنوع بمعنى عدم خضوع الجميع لفئة معينة، فالتنافس قائم على اشده بين الجميع،وبالتالي فأن تقديم الكويت عليها رغم انه فارق درجة الان وست درجات العام الماضي غير واقعي،لان واقع الصحافة والاعلام في الكويت هو مقيد بكل معنى الكلمة ولا تختلف عن الدول المجاورة لها،بمعنى ان وسائل اعلامها لا تستطيع مسائلة الامير وافراد اسرته فضلا عن بقية المسؤولين الاخرين ومن تكون له مكانة هامة في المجتمع كبقية الدول العربية الاخرى ويمكن ملاحظة تهديد الامير قبل صدور التقرير بفترة قصيرة بكونه مستعد لوضع البلاد تحت الاحكام العرفية اذا ساء استخدام الحريات البرلمانية والاعلامية في البلاد وبالتأكيد يقصد تعرضها للحكم الحالي ومسائلته او وصولها الى حالة الفوضى الغير واقعية لحجم البلاد وقدراتها! فتلك خطوط حمراء دائمية لا يجوز تجاوزها بتاتا! اما مانراه من حريات موجودة في الصحافة وبقية وسائل الاعلام فهي مؤشر معاكس الاتجاه لقانون الحرية الليبرالية المعروف:اعمل ما شئت دون التعرض للاخرين بسوء!...اما قانون الليبرالية الحالي في الخليج والذي تطبقه بأعلى درجة من الدقة وسائل اعلام الكويت ثم بعدها بفارق، قطر والسعودية، فهو القانون الجديد:اعمل ما شئت للاخرين دون التعرض بشيء لنفسك!...والمقصود لنفسك يعني الخاص والعام سواء حكومتك او ابناء شعبك الا في حالات استثنائية لبعض الاشخاص او الفئات المغضوب عليهم ! فهو كما نلاحظ قانون غريب وواقعي ولكنه غير مكتوب ويمكن رؤيته وتلمسه من خلال وسائل الاعلام المقروئة والمسموعة كمثال نموذجي عليه!. بمعنى انه يمكن لك ان تتعرض للبلاد والشعوب الاخرى بأي شيء حتى ولو كان تحقيرا وتكفيرا وسبا وشتما واستهزاء بالخصوصيات الشخصية للشعوب المخالفة لهم مع الحط من القيمة الانسانية وتحريف الحقائق والوقائع دون ان يكون هنالك رادع قانوني اوعرفي! فتلك بحق هي الحرية الصحفية الفريدة من نوعها والتي لاتمت للعمل الاعلامي والحريات بشيء!...وهذا هو تقييم منظمة مراسلون بلا حدود لتلك الحريات سواء في الكويت او في دول شبيهة بها مثل قطر(قناة الجزيرة تفعل ما تشاء دون الخوض في الداخل القطري!) وغيرها رغم انها وضعت السعودية المشابهة لهما في ادنى المراتب وبصورة شبه دائمية وذلك لا غبار عليه! ولكن احتجاج وسائل الاعلام السعودية والممولة منها ان الحريات الموجودة فيها مشابهة لما موجود في الكويت او قطر!،فذلك صحيح ولا نعلم لماذا تجاهلت المنظمة ذلك في تقريرها! ... كما ان الصحافة في الكويت هي لاتختلف عن اي قطاع انتاجي او خدمي من حيث كون الغالبية الساحقة للعاملين فيه من دول اخرى لاتحمل بصمات الدولة المختارة في التصنيف ولا نرى سوى رؤساء تحرير وبعض المدراء والكتاب الاخرين من الجنسية المحلية! وهم بالطبع قلة ضئيلة... ويمتاز غالبية الكتاب بكثافة الكم مع ضعف واضح في النوعية يتبين ذلك من خلال استخدام مفردات اللهجة المحلية الغير منتشرة في خارج البلاد بصورة مكثفة حتى انتشرت في البلاد مقولة: من ليست له مهنة فليعمل كاتب،على اعتبار مهنة لاتحتاج الى شيء! مما ادى الى محاولة الدولة اصدار قوانين من قبيل منع مشاركة موظفيها في ذلك السلك السهل!وقد جوبهت تلك المحاولة بمعارضة شديدة! كذلك تمنع وسائل الاعلام من نشر كل مايمس الدولة او الرأي العام السائد والتي تخالفهم حتى ان مجلة عريقة كالعربي والتي كانت شبه مستقلة بفضل رؤساء تحريرها السابقين من مصر والذي ساعد على نشر دعاية مشرقة للكويت في الماضي مثل عمل القنوات الفضائية الان، تحول بفضل رؤساء التحرير الاخيرين من الكويت، الى بوق اعلامي واضح للحكومة حتى اصبح معتادا وضع صور زعماء الاسرة الحاكمة فيها مع تواجد مادة النشر المؤيدة لهم وابعاد كل ما يعارض ذلك بطريقة تعيد الى الاذهان واقع الصحافة في الانظمة الشمولية من خلال تواجد صور زعمائهم على صدر الصفحات بصورة يومية والزيارات اليومية فيما بينهم!،وهذه الظاهرة موجودة في الصحف المحلية مما يعني ضعف واضح لا لبس فيه لا يستدعي وضع تلك الدولة في قائمة الدولة الاولى عربيا رغم تخلف المرتبة عالميا في الحريات الاعلامية ! ولعدة سنوات ولكنه الاكثر مقبولية بالنسبة الى لبنان،مما يعني ان التصنيف يحتوي على اخطاء فادحة لاتغتفر!...


وضع مصر وهي الدولة العريقة في ميدان الصحافة والاعلام ،هو بالتأكيد محزن لكونه بائس وفي ادنى المستويات وبصورة شبه دائمية (المرتبة 143 من 175 في التقرير ) ولا يساعد على تحسين صورة البلاد في الخارج ،وهذا نتيجة للحكم الاستبدادي الطويل والذي تميز بتقييده الحريات بصورة عامة مما يجعل الكثير من الكتاب والعاملين في السلك الاعلامي يتجهون الى بلاد اخرى خاصة دول الخليج والتي لا تستطيع بناء اعلام متميز دون الاستعانة بالخبرة الخارجية وخاصة المصرية واللبنانية، وبذلك يسود الاعتقاد ان كل ما تنشره وسائل الاعلام المصرية الحكومية هو غير مطابق للحقيقة بأي صورة كانت ولذلك تستمر الدولة بدعمه لكونه لايستطيع العيش بأستقلالية مادية،ومن يجازف في نشر كل ما يعارض النظام فمصيره الحصار والتشويه كما في الانظمة الشمولية الاخرى التي تنافس مصر في شدة القمع وليس في الحريات!...


وضع العراق ضمن المراتب المتدنية(145) هو غير واقعي لكون الحريات الاعلامية الموجودة فيه الان واسعة لدرجة وصلت الى حد الفوضى المفرطة! ولا ينافسها احد فيه ولكن لبنان فيه حرية منظمة الى حد ما مع افضلية في الاستقرار، ولكن وضعه في تلك المرتبة المتدنية هو جاء نتيجة لتدهور الوضع الامني فيه منذ عام 2003 وبذلك يمكن القول ان ذلك العامل رغم اهميته الكبيرة الا انه لايبرر بصورة كبيرة ذلك التقييم الذي يجب ان يلاحظ حجم الحريات الفوضوية بحيث اصبح تدخل فئات اخرى مسلحة امرا معتادا للحد من قدرته رغم الرفض الشعبي لذلك السلوك، ويمكن مشاهدة الحجم الكثيف لعدد وسائل الاعلام المختلفة والحريات في التعرض لاعلى المستويات في الدولة رغم جدية المخاطر الامنية التي هي طبيعية في نظام سياسي جديد بني على اعتاب حقبة سوداء طويلة من الديكتاتورية الشمولية، والغريب في تقرير سنة 2002 عندما كان النظام السابق موجودا،هو وضع العراق في مرتبة اكثر تقدما من الحالية رغم انعدام اي وجود للحريات مع شدة القمع الداخلي السري مما يعني ضعف واضح في التقييم ينبغي ملاحظتها واصلاحها في السنوات القادمة والا اهمل التصنيف واصبح بدون اي جدوى حتى في قراءته!...


تقييم الكثير من الدول يخضع ايضا لحالات العداء للنظام السياسي كما هو ملاحظ في حالة ايران من خلال استقراء وضع الحريات لحالات فردية من الاعتقال،ورغم ان ذلك يجعل وضعها في التصنيف متأخرا الا انه ليس بعد دول عديدة هي اسوأ بكثير من وضع الحريات الصحفية في ايران ولكنها تختلف في مدى علاقتها الوثيقة بالغرب او سرية اجراءاتها القمعية ويمكن ملاحظة ذلك في التصنيف!...


الملاحظ في التقرير هو اختصاص المراتب العليا في دول مستقرة لفترة طويلة في نظامها السياسي والاجتماعي،وهي اغلبيتها صغيرة ولا يوجد لديها احتكاك خارجي مع دول اخرى،وتمتاز بالالتزام بالليبرالية الفردية وتقاليدها العريقة ،ورغم ذلك فأنه ايضا خاضع للنقد والخطأ كما هو ملاحظ في حالة آيسلندا التي حصلت على المرتبة الاولى عام 2008 ثم المرتبة 9 في عام 2009 واكثر الظن انه يعود ذلك لشدة الازمة الاقتصادية المالية التي تعرضت لها،الا ان ذلك لا يبرر وضعها في تلك الدرجة لان الحريات الصحفية لم تتغير الا بصورة طفيفة جدا او في حالة الدانمارك التي حصلت على المرتبة الاولى واكثر الظن انها حصلت عليها لصمودها امام العالم الاسلامي من خلال تمسكها بحرية صحافتها في نشر الصور المعادية لنبي الاسلام محمد (ص) رغم ان ذلك ليس حرية مطلقة مادام هو يتعرض لعقائد الاخرين ومقدساتهم بينما في المقابل تمتنع او قد تخاف من طائلة القانون اذا تعرضت لحادثة تاريخية مثل انكار مذبحة الهولوكوست او التقليل من اعداد الضحايا فيها! رغم ان ذلك ليس بقدسية العقائد او حجم الحضور البشري في الحالتين،وهذا يجعلنا امام واقع مريب في التصنيف كونه يعتمد على عوامل ضاغطة مثل العداء السياسي او الديني او فردية مثل اعتقال صحفي واحد او اغتيال آخر مشبوه،فهي ليست من القوة التي يجعلها تمحو العوامل الاخرى والتي لم تتغير او تجعل المراتب التصنيفية تقفز بقفزات اقرب للبهلوانية الجنونية!...


بينما في حالة اخرى،نلاحظ في التصنيف ان الكثير من الدول الكبرى او ذات الحجم السكاني الكبير مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل وغيرها،هي في مراتب ادنى في التصنيف مما يعني ان الوضع الداخلي بما فيه الامن والتنوع البشري والرغبة في المحافظة على القوة مع السياسة الخارجية هو مؤشر كبير ومؤثرعلى وضع الحريات الصحفية في الداخل والتي هي جزء من الحريات العامة التي تقل كلما كانت تلك العوامل ضاغطة عليها .


في التصنيف اخطاء كثيرة وبعضها فادح! بحيث نرى دول كثيرة يكون وضع الحريات بصورة عامة ضعيف الى درجة متعارف عليها،وهي في مراتب اعلى من دول اخرى يشاع عنها انها دول ديمقراطية وتحترم الحريات الصحفية،ولكن كما هو ملاحظ اثر التقييمات الفردية والجماعية والتي تخضع لاهواء شتى في اصدار هذا التصنيف البعيد عن الموضوعية الى درجة كبيرة رغم انه يدعو الى نشر الحريات الصحفية في العالم والدفاع عن قضايا الصحفيين في كل مكان وهو جهد عظيم بلا شك وذو قيمة عالية يندر وجودها، الا ان ذلك لا يؤثر على بتاتا على اصدار هكذا تقرير غير واقعي او مشوه رغم بعض الجوانب الايجابية فيه!...


المحافظة على حيادية تصنيف ما وجعله ذو قيمة علمية وادبية رفيعة يجب ان تكون خارجة عن نطاق التقييمات الفردية او على الاقل تحد منها وتحاول مستقبلا تجاوز الاخطاء التي هي من السمات الطبيعية للعمل البشري وبدون الاخطاء رغم فداحتها غالبا،فأن البشرية لن تتطور نحو الافضل في كل شيء!...