إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2009/09/05

زيارة مغترب

زيارة مغترب:
عندما يترك شخص ما بلده مضطرا(اسباب سياسية او دينية او اقتصادية) ويعيش في دول لاتمت بصله الى مجتمعه...سوف يتأقلم بطريقة او بأخرى مع المجتمع الجديد،وحسب مقدرة الفرد الذهنية وتركيبته الثقافية سوف يستوعب مايراه مكسبا حضاريا له في العادات والتقاليد التي لاتتعارض مع القيم الدينية والاخلاقية التي موجودة في متون الكتب وعلى ألسنة الدعاة لها،ولكنها مفقودة من الشارع الاصلي الذي يعيش بفوضوية لا نعرف في اي اتجاه تسير!...
كلما طالت الفترة الزمنية الاغترابية،ازداد حجم الفارق الكمي والكيفي بين المغترب وابناء وطنه...وهنا يصبح التأقلم بعد العودة اكثر صعوبة في ظل رفض جزئي من كلا الطرفين،لاخلاقيات وطبائع الاخر! وقد يكون الحق من وجهة الطرف المحايدة في جانب احدهما ولكن ليس بصورة مطلقة بل نسبية!...
هنالك فارق كبير بين من يترك بلده ويعيش في بلاد مجاورة لها او بلاد بعيدة ،فرغم اهمية الفارق الزمني الا ان الطبائع لا تتغير بصورة كبيرة مثلما يعيش الفرد في مجتمع مختلف تماما عن بلده الاصل او محيطه الاقليمي،وهنا يجب التنبه الى ان البلاد العربية في مجملها قريبة الطبائع والتقاليد ولا يكون الاختلاف الا بنسبية ضئيلة او احيانا فقط بالتسميات دون المضمون الفعلي لتلك التقاليد والعادات الاجتماعية، ولذلك رأيت سواء من تجربة شخصية او من خلال الاطلاع على تجارب الاخرين، ان للاغتراب دراجات عديدة وليست بقالب واحد...بمعنى ان الاغتراب عن الوطن يكون بمستويات متعددة ويمكن تبيان الفرق من خلال زيارة مسقط الرأس والاحتكاك من جديد بالشرائح الاجتماعية وعندها يمكن استخلاص نتائج مثالية عديدة في الفارق بين المفاهيم الاجتماعية والمعرفية بين المغترب ومحيطه الاصلي ...
اقصى حالات الاغتراب قسوة وفرقا في القيم اذا طالت الفترة الزمنية في بلاد غريبة وبعيدة ومختلفة عن الوطن الام (عقدين من الزمن فما فوق) ومن شروط حالات الاغتراب هذه ان تكون قسرية ولاسباب غير اقتصادية بالدرجة الاولى ، بينما يأخذ المقياس بالهبوط اذا قلت الفترة الزمنية وكانت الهجرة الى بلاد لا تختلف عن الوطن الام في شيء...هذا بالاضافة الى شروط اخرى لتبيان الفوارق من بينها المستوى الفكري والعمر عند المغادرة والتزاوج مع اجانب...الخ!..
قرأت نصوص كثيرة منشورة يكتبها مغتربون يزورون بلادهم وتترك تلك الزيارات انطباعات لديهم يقومون بتدوينها ثم تحليلها وطبعا تختلف الرؤى كما تختلف طريقة الكتابة واسلوبها والتي تتأثر بالانتماء الايديولوجي والديني والثقافي بدرجة كبيرة،ويمكن الاستدلال بها من خلال سطور النص المكتوب...آخر كتاب قرأته هو اسمه يوم في بغداد من تأليف شوقي عبد الامير وهو مغترب عراقي في باريس ترك العراق عام 1970 ودون زيارته الاخيرة التي حدثت في 19\10\2007 في كتاب،تناول فيه مشاهداته الميدانية للوضع في مدينته بغداد بعد ان تركها منذ اكثر من ثلاث عقود من الزمن...كما يمكن ملاحظة التأثير الغربي عليه في اسلوبه الكتابي او آرائه ممزوجة بنفس الافكار والاراء التي نشأ عليها وتغلغلت في نفسه وترك بلاده من اجلها او طلبا للحرية المفقودة وهي هنا يسارية علمانية...
لا اتحدث هنا عن طريقته واسلوبه ومقدار الاختلاف والتلاقي معه،ولكنني ارى ان الفارق جدا كبير بين طبيعة المجتمع والايديولوجيات السائدة فيه قبل مايقارب الاربعة عقود وبين الوضع الحالي،وهذا لايكون في حالة العراق بالطبع وانما حالة انسانية عامة لان الشعوب لاتبقى على نفس النمط من الاراء والقيم خلال حقب زمنية مختلفة ...هي قاعدة عامة ولها شواذ فقط في طول الفترة الزمنية وقصرها بالنسبة للتغييرات الحاصلة...وحتى الشعوب الاكثر استقرارا في نظمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية تخضع لتلك القاعدة ولاتشذ عنها،فكما لاحظت بنفسي مثلا ان العلاقات بين الجنسين خارج مؤسسة الزواج كان نادرا قبل اربع عقود اصبح شائعا الان في الغرب ومنذ عقدين! وهلم جرا على بقية القيم الاجتماعية المتغيرة التي تخضع لظروف موضوعية مختلفة مع اختلاف كل مجتمع عن الاخر...ويبقى الرفض الاكبر للحالات التي توصف بالمتخلفة او بالفارق الحضاري الكبير وهي بالطبع كلمات حق يجب ان تقال ولكن الطرف المتهم يرفض التنازل عنها لتطبع نفسه عليها رغم انها تخالف الصورة المرسومة عنه في بلاد العالم خاصة اذا وصفت مجتمعات الشرق الاوسط في كونها الاكثر قدما في الحضارة والسبق الانساني في البناء والتقدم،وهي صورة جميلة تنشرها وسائل اعلامنا بطريقة سطحية تفاخرية اكثر منها محاولة لتحشيد الهمم في عودة الوعي الحضاري لنا نحن الشرقيين!...ولكن يبقى لاسلوب طريقة التصحيح اهمية بالغة فالتعالي او الاحتقار خاصة ممن يملكون مستوى ثقافي ضعيف تكون نتائجه عكسية والعكس صحيح اذا حصل التفهم مع التواضع المصاحب لثقافة عالية تكون نتائجه اكثر تحققا ونجاحا...
زيارات الاغتراب اصبحت فنا ادبيا راقيا ليس بأستطاعة كل شخص التعبير عنه خاصة اذا فقد مكان التجرية الاغترابية...وهي نصوص يجب ان تحفظ وتقيم وتدرس حتى يمكن استخلاص الدروس والعبر منها!....

هناك تعليقان (2):

dr.ethics يقول...

السلام عليكم
قد يفرض عليك المكان التطبع بطباع اهله لتجنب بعض المواقف والتمتايز...
لكن تبقى هناك اساسيات لابد من التمسك بها في كل زمان ومكان,ابسط واهم مثال على ذلك التمسك بدينك واخلاقه اينما كنت ,
وكمايقول الامام علي عليه السلام"اذا كان ترك الدين ثقافة فيانفس موتي قبل ان تتثقفي".
وتبقى الغربه صعبه مهما كان السفر قريب والبلد صديق...نسال الله ان يجمع شمل كل مغترب مع احبابه واهله.
وفقكم الله وسلمت الانامل

OPENBOOK يقول...

الفاضلة دكتور اخلاق...السلام عليكم
...
تحياتي الطيبة للمرور الكريم والتعليق القيم...واتفق معكي تماما ...اما بالنسبة للحديث المروي فهو قد يكون بصيغة اخرى لعدم شيوع كلمة الثقافة آنذاك...
تحياتي الطيبة...