إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2009/04/05

اعتذار زعيم

اعتذار زعيم:
قدم رئيس الوزراء الاسترالي(كيفن راد) اعتذاره العلني الى مضيفة طيران في رحلة محلية كان قد تكلم بخشونة معها وذلك لتقديمها طعام غير الذي طلبه هو،وبالتالي انفجرت باكية واشتكت منه لرئيسها في العمل،مما اصاب رئيس الوزراء بالاحراج الشديد وخاصة امام الصحافة والرأي العام،فأضطر للاعتذار العلني المصحوب بكلمات ذات دلالة عميقة وخاصة وصفه اننا جميعا بشر وخطاؤون،وبالتالي هو لايختلف عن غيره في عمل خطأ ما قد يكون متعمدا ام لا!،والظاهر ان الرجل كان متعبا من شيئا ما قد جعله لايحسن الكلام مع المضيفة حينها...
وهذا الاعتذار هو الثاني له خلال شهرين،حيث الاول كان موجه للمشردين من موجة الحرائق التي اجتاحت مدينة ملبورن وسقط على اثرها اكثر من 200 ضحية،والاعتذار كان نيابة عن دائرة الضمان الاجتماعي التي كانت تسأل المشردين عن ابراز اي وثيقة قانونية لمنح المساعدات العاجلة لهم،ونظرا لحالتهم النفسية السيئة من جراء فقدان الارواح والممتلكات فقد جرى اعفائهم من ذلك وقدم لهم اعتذار من رئيس الوزراء شخصيا بالاضافة الى الحكومة ككل ودائرة الضمان الاجتماعي،مواساة لهم على تلك المأساة!.
تلك الاعتذارات ليست من اخطاء ذات حجم كبير اذا قارناها بأخطاء الحكام في العالم الثالث،ولكن ذات دلالة عميقة بالغة الاهمية،وهي تؤكد ليس فقط على المغزى الحضاري للاعتذار،بل انها من صميم تعاليم الاديان السماوية الثلاث وخاصة الدين الاسلامي الذي يعتنقه السواد الاعظم من شعوب العالم العربي،وكل المذاهب الاخلاقية والضمير الانساني الحي.
زعماء العالم العربي:
لم اسمع من قبل ان زعيما عربيا قد اعتذاره عن شيء كهذا في التاريخ المعاصر للعالم العربي،بل هذه اشياء تافهة في عرف هؤلاء العباقرة التي تخرج الحكم والابداعات من السنتهم مما يستدعي الانتباه في ان هؤلاء من المستحيل ان يقدموا على خطأ ولو صغير مع الاخر حتى يقوموا بواجب الاعتذار الرسمي والعلني!!..
احيانا من المحزن ان نجري مجرد مقارنة بين تصرف رئيس الوزراء الاسترالي واخطاء الحكام العرب،فهؤلاء اخطائهم ليست بسيطة او ضد فرد واحد،بل قاتلة وضد شعوب بأكملها،والمثير للاشمئزاز انهم حتى لو كانوا خارج الحكم لايقدموا اي اعتذار بل اعذار واهية وفي منتهى السخافة والحمق،وكأن المقابل معتوه لايفهم شيئا!...
اخطاء الحكام العرب تصل حد الابادة الجماعية لشعوبهم او ادخالهم في مهالك من الحروب الداخلية والخارجية بحيث تجعل بلادهم في حالة من البؤس والشقاء المصحوب بقمع وحشي وهمجي لكل من يعارضهم او يخالف توجهاتهم.
نحتاج الى موسوعات ضخمة جدا لتبيان اخطاء كل حاكم عربي خلال القرون الماضية،ولا يعلم حجم الظلم والطغيان وعدد الضحايا الا الله سبحانه وتعالى،ويستحيل على كل ذي علم مهما اوتي من صبر وقوة على ان يسرد ويفصل حجم الجرائم،لا ان يعبر عن احاسيس ومعاناة الضحايا.
في نظرة سريعة حول حكم المعتوهين الذين حكمونا حقب زمنية طويلة وجلبوا الكوارث لشعوبهم المنكوبة،لم نشاهد اي مراجعة لتصرفاتهم الهوجاء في الحكم ولا تقديم مجرد تبرير حول اخطائهم او الدعوى لاستخدام السياسة المهلكة التي اثبت الواقع فشلها الذريع...اما ان يقدموا اعتذار فتلك سخافة ومن المستحيل مجرد حدوثها،ولذلك يثبت لنا العقل والمنطق والتاريخ مع المقارنة في شعوب اخرى يحكمها حكام اختيروا لخدمة شعوبهم لفترة زمنية محدودة،انه قد حكمنا اناس معتوهين رعاع ليست لديهم قيم دينية او اخلاقية او انسانية وبالتالي يكون الانسان مثلهم في الهمجية ان قدم مجرد تبرير لاعمالهم الاجرامية حتى لوكانت من وجهة نظر منطقية،فالغاية لاتبرر الوسيلة ابدا...ابدا!!
بالمقارنة مع درجة الوحشية والهمجية فأن صدام التكريتي كان الابرز في ابشع صورة ممكنة ممن يقوم بأعمالها الشيطانية انسان على وجه الارض،ولم يقدم اعتذاره حتى وهو في قفص الاتهام،وقبيل زوال حكمه الاسود قدم اعتذاره الى شعب الكويت عن غزوه بغية فصله عن حكومة ال الصباح الحاكمة،وهو دافع معروف وخبيث،بينما كان الاولى به تقديم الاعتذار للشعب العراقي ثم الشعب الايراني اللذين نكبا به لفترات زمنية اكبر وبظلم افدح.
عندما يتم تذكيره بجرائمه،يقوم بتبريرها بكل وقاحة،ويقوم بتمثيل دور الضحية امام وسائل الاعلام التي استغلها ابشع استغلال،مما جعل الاغبياء يصدقونها في ابرازها لحالته،ولو تذكرنا جريمة واحدة من السلسلة الطويلة،لرفضناه مع نظامه البشع كل الرفض،وهي قتل الاطفال الابرياء بأعداد كبيرة سواء في المقابر الجماعية او المعتقلات الوحشية،ناهيك عن هتك الاعراض وابادة الجنس البشري،مما يجعل المقارنة مع خطأ السيد راد الاسترالي،لا محل ولا وجه لها،الا الضحك المثير للالم!.
المثال الاخر والذي يطبل له المطبلون،وهو الديكتاتور عبد الناصر والذي كان اخف من سابقه في حجم ونوعية الجرائم،ولكن اذكر منها معاناة الضحايا في سجونه الارهابية والتي فقد الاف حياتهم ومستقبلهم وكرامتهم فيها،وبالتأكيد من الغباء ان نتصور انه لايعلم ذلك!...وبالتالي هل اعتذر؟!،الجواب للمطبلين،كلا!...
ومن المضحك المبكي ان يصف البعض قراره بعد هزيمة 1967 الشنيعة القاتلة،بالاستقالة والتراجع عنها بالعمل البطولي!،وهو الذي يستحق عليه الاعدام بتهمة الخيانة العظمى للوطن،ولكن شعوبنا بدلا من محاكمته،نراها تخرج بالملايين لكي تبقي جلادها الغبي في حكمها،لكي تثبت للشعوب الاخرى وللتاريخ اننا شعوب لا نستحق الا جلادين لحكمنا،لاننا (شعوب ماشوسية)،نحب تعذيب انفسنا بأيدينا!...
وهذا الاخير الموجود الان،والمسمى قائد الثورة الليبية،الذي اثبت للعالم انه يستحق بجدارة نحسد عليها انه المعتوه الاول،نراه بعد مرور اربعة عقود من حكمه الاجرامي البشع،يستمر بوقاحته اللامحدودة،اما ان ننتظر ان يعتذر لشعبه ولبقية الشعوب الاخرى التي اكتوت بناره الهمجية وخاصة لبنان وتشاد،فتلك مسألة فيها نظر!!...
ذكر الحكام جميعا يطول المقام بهم هنا،ولكن يمكن الاشارة الى الحكام السابقين والذي رحلوا مع جرائمهم الى ربهم العادل،وتركوا لنا مزيجا فريدا من نسخهم الممسوخة التي تحكمنا الان ...ومن ابرزهم بورقيبة التونسي والحسن الثاني المغربي،والنميري السوداني،ومعاوية الموريتاني،وحسين الاردني،لا بل هنالك من تزعم منظمات تحررية وكان طاغية صغير في تصرفاته نظرا لعدم وصوله مرحلة الحكم المباشر للدولة،وكانت له اخطائه الجسيمة القاتلة على بقية ابناء شعبه والتي لم نسمع منه انه اعتذر عنها او يريد تقديم الاعتذار،ومنهم عرفات الفلسطيني الذي مازال يجله الكثيرون! او خليفته محمود عباس النسخة المحسنة منه...
ايهما افضل؟!
هنالك قصة مشهورة ومؤثرة جدا في التاريخ الاسلامي،ولكن عدد كبير ان لم يسمعوا بها،فهم يمرون عليها مرور الكرام بدون اخذ العبرة والحكمة منها،والاستفادة من مدلولاتها الغنية التي تعبر عن واقع انساني ثابت لامتغير.
القصة بأختصار انه بعد احتلال هولاكو لمدينة بغداد عام 1258م وقتله لمايزيد عن مليون نفس فيها،توجه الى الجنوب فأحتل مدينة الحلة التي كانت ذات حاضرة علمية مشهورة،فجمع في حضرته علمائها من كل الملل والنحل،وقيل ان الحدث كان في بغداد،المهم فسئلهم السؤال التالي:ايهما افضل الحاكم المسلم الجائر،ام الحاكم الكافر العادل؟.
وهنا احتار العلماء في الاجابة،ولا ادري سبب الحيرة هل من ان السؤال جديد عليهم ام من شيء آخر!،فمن غير المعقول ان العلماء الذين بحثوا في ادق المسائل واصعبها،ان يفوتهم هذا السؤال الهام او لايعيرون له اهمية.
عموما بقوا في حيرة من امرهم،حتى تقدم الصفوف عالم جليل واحد كبار علماء الحلة وبغداد،وهو العلامة السيد ابن طاووس العلوي،فقال الحاكم الكافر العادل هو افضل من المسلم الجائر،وعندما سئل عن الدليل،فكانت اجابته عقلية،بأن لنا عدل الكافر العادل عندما يحكم وعليه وزر كفره لوحده،بينما لنا ظلم المسلم الجائر اذا حكم،وله لوحده اسلامه الذي يثاب عليه،وهو شكلي بالطبع...فكانت اجابته العقلانية العميقة سببا في توقيعه على الوثيقة المذكورة والتي عن طريقها تم حفظ دماء ماتبقى من الناس وعلى رأسهم العلماء الذين اخذوا يتسارعون في التوقيع وتأييد ما جاء بها.
ذلك الحكم مازال الكثيرون يخالفونه ويحشدون لمعاكسته مختلف الذرائع والحجج الشرعية والنقلية،وهم بذلك فتحوا علينا بابا في تسلط الظالمين لا نعلم مداه،ومتى يخرج من حياتنا الى الابد رغم انه من الحكمة والمنطق القول ان العدل هو اساس الحكم وهو سبب تقدم الامم لا الظلم الذي يسبب الكوارث المهلكة للشعوب المبتلية به. ولذلك نرى ان هنالك الكثيرون بمباركة وعاظ السلاطين،ساروا في تأييد الدولة العثمانية التي كانت بالاسم فقط دولة اسلامية ولكن في افعالها تخالف الاسلام وتحارب الكثير من احكامه،وخاصة نشرها للظلم والطغيان على الشعوب المنضوية تحت سلطانها الجائر،ولذلك فوجىء الغربيون عندما قاومهم وبشدة بعض الشعوب المسلمة التي حاربت لاجل سلطانها رغم ان بعضهم حارب لاجل دينه ووطنه ولكن تحت جناح السلطان الجائر وبالتالي كانت النتيجة هي عودة الحكم الاستبدادي بصورة جديدة تلائم العصر في الشكل ولكن تختلف عنه في المضمون!.
ولهذا نرى ان هنالك الكثيرون يفضلون حكم الظالمين المسلمين وهم في الحقيقة اعداء الاسلام والانسانية،على حكم غير المسلم حتى لوكان عادلا،ويثير وعاظ السلاطين جزاء كبيرا من تلك الحملات لحمل الناس على الطاعة للحاكم مهما كان قاسيا في حكمه!.
الكثيرون من ابناء العالم العربي عندما يواجهون حياة قاسية او يتعرضون لتعذيب الظالمين،فأنهم يتمنون ان تحررهم اسوأ الدول والشعوب،ولكن حال تحريرهم فأنهم بعضهم يود ان يرجع الى حكم من ظلمه او من يريد السير بنفس طريق السلف الظالم،وتلك مفارقة غريبة الا اذا كان المحرر سيء لدرجة عالية تبرر عدائه ومقاتلته.
عدالة الغربيين في حكم بلادهم هي الاقرب لجوهر الحكم الاسلامي الذي يدعو الى العدالة والمساواة،بينما ظلم حكامنا المسلمين،هو الذي جعلنا نكون بهذه الصورة القبيحة في عالم اليوم.
ونرى حياة الجاليات العربية والمسلمة في الغرب تعيش كبقية الجاليات بحرية وأمان،ومحفوظة الكرامة والحقوق،والتي من ابرزها ممارسة الشعائر الدينية بحرية وممارسة الحق السياسي في التعبير وغيرها من الحقوق المتفق عليها.
لقد اصبحنا خارج نطاق المنافسة الدولية في شتى علوم وفنون الحياة،واصبحنا نفضل ظلم المسلم حتى في حالة سماعنا تصرفات الحاكم الغربي في ممارسة العدالة والمساواة في طريقة الحكم والتي من بينها الاعتذار لابسط انسان عن خطأ قد يكون احيانا غير مقصود،ولكن الساسة يسارعون للاعتذار ليس فقط للواجب الوطني والاخلاقي،بل لكسب المزيد من الناس بتصرفاتهم الطيبة حتى يجدد لهم الاختيار في الانتخابات القادمة والتي محرومة غالبية شعوبنا من ممارسة حقها الطبيعي في اختيار الاصلح فالاصلح.
بلغ اليأس اقصى مداه في شعوب العالم العربي من حدوث تغيير جذري،وقد يكون اوله هو اعتذار الحكام الى شعوبهم عن ممارساتهم الاجرامية او الخاطئة بحق ابناء امتهم في قممهم السنوية التي يعقدونها لغرض اللقاء السنوي والذي تحدث فيه المناوشات،فيا حبذى ان نؤسس لمقهى يضم فقط الحكام واعوانهم الرئيسيين حتى يخففوا عن شعوبهم الضغوط النفسية التي تحدث لدى الجانبين،ويمارسوا حقهم الطبيعي في الشتائم واللعن فيما بينهم،ويتركوا القمم العربية الى الخبراء لكي يحددوا لنا التخطيط السليم لبناء الامة وتكون لهم الكلمة العليا في كل شيء......

ليست هناك تعليقات: