إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2014/09/01

من اسفار المكتبة:السفر السابع



من أسفار المكتبة: السفر السابع
المراجعات التاريخية التي تحدث دائما هي عملية ليست باليسيرة كما يظن البعض بل هي جهد يحتاج إلى صبر لا يتوفر لأيا كان بسبب البحث الجاد في المدونات والأثار التاريخية التي لا تحصى وبعضها نادر وتنقيتها وتحليلها وفق مناهج البحث العلمي المجرد من الأهواء والرغبات والضغوط في سبيل أعلاء شأن علم التاريخ مما لحق به من تشويه وتدليس وتزييف أدى إلى مسخ العقول على مدار حقب زمنية كاملة وأيضا نصرة الحق والعدل وإعادة الاعتبار لكل من ظلمه التاريخ المروي من خلال إعطاء الأجيال اللاحقة صورة جديدة لتاريخهم الذي جرى تزييفه لأهواء ورغبات دول وجماعات وشخوص متنوعة سادت ثم بادت! هذا بالإضافة إلى الدور الهام في تشكيل البنية التشريعية والعقائدية لدى مختلف الفرق الإسلامية.
مسألة إعادة كتابة التاريخ تختلف عن المراجعات التاريخية لان الأولى وان اشتركت مع الثانية في وجوه معينة فأنها تبقى قائمة وفق أسس عقائدية وسياسية منهجية تهدف إلى ترويض التاريخ كي يلائم العقيدة والفكر والمنهج السائد زمنيا ومن هنا فشلت كل المحاولات لإعادة كتابة التاريخ سواء من قبل الأنظمة الشيوعية والقومية بالدرجة الأولى لأنه منهج يقوم على انتقائية الحوادث وتحليلها وفق منهج حديث لا يتوافق مع التاريخ القديم الذي هو نتاج لفترة زمنية بعيدة عن المستوى الحاصل الأن...نعم هنالك بقايا خطوط وتواصل مع الماضي ولكن ليس بالضرورة قياسه وفق الحاضر الأكثر تطورا واختلافا أو العكس أيضا كما يرغب السلفيون كمثال سائد!.
التاريخ يستند على نصوص وآثار مدونة وبالتالي فأن الأثار المحسوسة هي الأندر والعوارض البسيطة هي التي تمحي تلك الأثار فما بالك بالتزييف والتشويه المتعمد، من هنا جاءت وظيفة الباحث التاريخي في استخراج ما يمكن لبناء علم يستند على اليقين ولو بدرجات نسبية بدلا من التكهنات والتخمينات التي توصل إلى نتائج متعارضة لا تمت للأصل بصلة فضلا عن التحول وتلك الكارثة إلى قدسية حتى أنها تصبح دينا جديدا أن لم يكن مذهبا متشددا...! .
الكتاب الذي نتناوله الأن هو أحدث ما أنتجته العقول النيرة في هذا المجال لإعادة الوعي الغائب من خلال استعراض وتحليل الحوادث والسير التاريخية وتقييمها وفق مبادئ ونظريات البحث العلمي المجرد ولو من باب المحاولة بغية تنبيه قراء التاريخ وعبدة الشخصيات والرموز فيه دون أن يكون هنالك محاولة جادة للتقييم الموضوعي لديهم حتى يكون المرء على دراية مما حدث ويعيد وعيه المفقود الذي يضعه في خلاف مع الزمن والأخر المختلف، ويمتاز الكتاب بالنقد الموضوعي لما كتب على يد اتباع السلطات الزمنية التي حكمت آنذاك ومازال اتباع مدارسها يحكمون اغلب البلاد الإسلامية بنفس المنهج المتخلف القديم القائم على ألغاء العقل والمنطق لأنها سوف تسبب أرباك لواقعها وسلطتها!.
الكتاب: المنسي والمسكوت عنه في تأريخ المسلمين.
تأليف: كامل(مصطفى) الكاظمي، يتألف من 494ص من القطع الوزيري في طبعة أولى فاخرة عام 2014 في قم/إيران.
الطبعة الأولى للكتاب غالبا ما تحتاج إلى مراجعة بغية تحديثها في طبعة لاحقة تكون خالية من الأخطاء سواء المطبعية أو تصحيح المعلومات الواردة سهوا فيها مع إضافة أو حذف ما موجود حتى يتوافق مع السياق العام للكتاب وتلائمه مع المنهج الموضوع وأيضا رغبات القراء في تطويره بما ينسجم مع المهمة الشاقة التي يحاول أن يبلغ الهدف المراد منها، وكم من كتاب تحول إلى موسوعة بفعل الإضافات المتكررة أو تحول إلى متحف النسيان بعد الإهمال! وهذا الكتاب لا يختلف عن غيره في كونه يحتاج إلى طبعات لاحقة، تحذف وتضاف وتصحح الكثير مما تضمنه المتن حتى تصل إلى الغاية المثلى.
هذا الكتاب ليس الأول في هذا المجال كما انه لن يكون الأخير بأي حال، ومجال البحث التاريخي واسع ولا ينحصر ضمن نطاق ضيق وهو مفتوح للجميع حتى تشوه بدرجة كبيرة بسبب استغلاله من قبل أصحاب السلطان والأيديولوجيات المتنافرة والتي يحاول أصحابها انتقاء الحوادث التاريخية ووضعها في مجهر خاص بهم لا يسمح بمناقشة حرة بل تقييد التاريخ لصالحهم خدمة لأهدافهم المعلنة والسرية! .
يبدأ الكتاب بتقديم للعلامة البحراني، والذي ذكر فيها أن أكثر أبناء الزمان لا يفحص ولا ينقب في التراث ولا يقرأ ما سرده من أحداث فضلا عن المقارنة والتتبع، وهذه هي الحقيقة الساطعة مع الأسف وعليها نجد هذا القطيع الهائل من العوام والذين يسيرون في دروب الجهل والتبعية ولا يحسنون المناقشة والتحليل والنقد للوصول إلى الحقائق الناصعة ويقودهم دعاة الفتنة والتبعية والوعظ السلطاني المجرد من الروح العلمية الخلاقة التي ينبغي أشاعتها بدلا من وأدها في المهد أن هي قامت أصلا! .
أما مقدمة المؤلف فقد كانت بديعة ومحكمة وأظهرت بلاغة عالية وثقافة متميزة وسعة وعي ورحابة صدر يتسع لكافة الآراء لا يمكن تجاهلها، اظهر فيها الأسباب التي أدت به إلى كتابة هذا السفر التاريخي المحقق في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها العالم الإسلامي التي تعصف به الفتن والصراعات الدموية الخالية من العقلانية التي يتصف بها دين الإسلام وشريعته الخالدة.
من تاريخ المقدمة يظهر السنوات الطويلة التي قضاها المؤلف في بحثه القيم هذا حتى وصل إلى أيدينا مقرا بصعوبة المجال لان التزييف والتدليس في التاريخ الإسلامي وصل إلى درجة أصبح من الصعوبة حذفه وأبداله بحقائق نقية من تلك الشوائب التي شوهت أجيال بكاملها حتى أصبحنا نرى النتائج المرعبة ولمسها العالم اجمع بفظائع مبررة من التراث! .
وكما وصف المؤلف النقد للموروث بموضوعية لا يعني مهاجمته والانتقاص من مزاياه بل لاستخلاص الصحيح لأنه يعني ببساطة الغربلة، وتلك هي البداية الواجبة، ومن فوائد هذا النقد والبحث انه يرد على بعض مدارس الحداثة في إشكالياتهم على الإسلام لأنها بنيت على مقدمات مغلوطة بالاعتماد على مصادر منتقاة من مدرسة واحدة وهي الغالبة بلا شك في المصادر المتوفرة أو بدافع الحقد المؤسس لتلك التوجهات.
أن الاعتماد على مدرسة واحدة من مدارس المسلمين المتعددة، هو خطأ كبير يقع فيه غالبا من يدرس التراث الإسلامي بمختلف فروعه لان هذا الموروث في اغلبه ناتج من مؤلفين يتبعون مذاهب لنظم حكمت تلك البلاد وبالتأكيد تحاول منع الآراء الأخرى المخالفة لهم وبالتالي جرى تشويه متعمد لصالح الأيديولوجيات الحاكمة من هنا جاء الموقف الصحيح في ضرورة البحث في مصادر المدارس الأخرى والتي هي مع الأسف اقل حجما من الأولى ولكنها الأكثر دقة وجرأة لأنها جاءت من فئات تعرضت إلى ظلم وطغيان وصل إلى درجة الإبادة دون رحمة! .
ليس غريبا أن يجد المؤلف هذا الكم الهائل من المتناقضات في التراث الإسلامي وهو ينافي المعقول بلا شك خاصة انه جرى في ظل عملية تدوين تأخرت كثيرا ولا تخضع لمراقبة من قبل جهات محايدة بل وفق تصورات دول تستخدم العنف والاضطهاد وسيلة للحكم وتبحث عن الشرعية الدينية لأعمالها من جراء دعم وعاظ السلاطين ومثقفي الحكومات لتثبيت السلطة بوجه كل من يحاول الاقتصاص منها، وهذه هي الإشكالية المستمرة في طبيعة العلاقة الممتدة خلال التاريخ بين السلطة وبين المعارضة والتي انبثق منها كم هائل من المذاهب والأفكار والعقائد التي تتناقض فيما بينها، ومحاربة الخصوم تستلزم عادة خلق ما يتوافق مع الرؤيا ولو كانت باطلة ومنع الأخر ولو كان على حق ،وقد راينا ذلك في ظل التطورات التكنولوجية الحديثة في تلاعب كبير بمصائر شعوب بأكملها من خلال استغلال الوسائل الحديثة في عملية إخضاع الرعايا وتحطيم الخصوم! .
استند المؤلف على المصادر السنية المعتبرة حصرا للتنبيه على التناقضات المروعة وكذلك التبيان على تجاهل مما ورد فيها من حقائق مجهولة ومتناثرة بين السطور لا يهتم بها الكثيرون بسبب سطوة بعض النظريات والآراء والفروع عليها، مثل نظرية عدالة الصحابة التي ثبت للجميع مدى هشاشة أسسها من الصمود أمام النقد البسيط المستند على قواعد عقلية ونقلية ثابتة ومجمع عليها من قبل الباحثين.
لم تكن هنالك هوامش تبين تراجم الشخصيات المتداولة في الكتاب، فهي تسهل للقارئ وبخاصة الغير متمرس معرفة بعض جوانب الشخصية المثار حولها الجدل والغموض، من خلال ذكر تاريخ الولادة والوفاة من أدق المصادر والتي تظهر ثبوت الرواية من عدمها من خلال وقت الحدوث والأسماء الواردة فيها والتي قد لا تكون موجودة أصلا في الوقت ذاته، وقد يكون السبب في العدم هو الرغبة في اختصار حجم الكتاب.
منهج المؤلف الكاظمي في البحث استند على اختيار وقائع وحوادث وشخوص ثبت أثرها على المراحل التاريخية اللاحقة، ولم يبدأ منذ بداية تاريخ المسلمين والصراع الداخلي فيما بينهم، لان تلك المهمة صعبة على الفرد وتحتاج عادة إلى قدرات جماعية وفترة زمنية طويلة للتمكن منها بدقة وسوف تؤدي في النهاية إلى تأليف موسوعات محققة ولكن مع كل تلك الجهود فأن الموانع الكثيرة التي تؤدي إلى عجز وقصر في استيعاب ما جاء فيها وتجاهل تقدير الجهود المنجزة بسبب الأنانية والحسد وعدم التقدير وهيمنة القوى المناوئة وتوارث الأجيال لتراث فاقد للموضوعية وعجزها عن تحرير نفسها منه يسبب ألما مروعا لعدم نجاح تلك المحاولات ألا لأثبات الحقائق والتأكيد عليها لمن يرغب وهم عادة فئات قليلة العدد وضعيفة التأثير، ولذلك وجدنا فشل اغلب المحاولات الإصلاحية سواء في العلم أو في داخل المجتمعات كمصداق للقول بأن طريق الإصلاح صعب جدا بالمقارنة مع طريق التطرف المبني على الخرافات والدجل وتهييج الغرائز والعصبيات! وكما وضح في موقع آخر بأن الفكر المعتدل سيختزل الوقت والإمكان ويرتقي بالمسلم إلى مستقبل الدين وخير الأنسان لان الاعتدال يتقاطع مع مشاريع التفرعن ومناهجه ويرفض التعاون وان سلمته مفاتيح خزائن الأرض.
الحوادث التاريخية التي حققها المؤلف هي ليست جديدة بل متناثرة في أمهات الموسوعات والكتب القديمة ولكن أضاف اليها هوامش تحليلية وفق مناهج النقد التاريخي التي يعرفها بغية الوصول إلى أسباب ما يحدث من كوارث في العالم الإسلامي اليوم، ومن الواضح أن مشكلة تأخر تدوين التاريخ الإسلامي وفقدان غالبية المدون من خلال الصراعات والإبادة والقمع والتي أدت إلى أتلاف ذلك الخزين الحضاري الكبير قد سبب نكبة علمية مازلنا نعاني منها بالرغم من مرور قرون على حدوثها...! وقد ذكر المؤلف بأن الأثارة العلمية في التاريخ ضرورة من ضرورات تحصيل اليقين ومتابعة الحدث بدقة تؤدي إعطاء القيمة الحقيقية له، على العكس من الأثارة المعاكسة التي تكون حصنا لبقاء الضلال...وأثارته هي من النوع الأول بعيدة عن تقصد استهداف عقائد الأخرين، فمن واجبات المسلم أن يحاكي مواريثه ليتعرف على صحيحه فيأخذ به وسقيمه فيلفظه بعيدا وعلى الدسيس فيه فيركمه في سلة المهملات إلى الأبد حسب وصفه...! .
أعاد المؤلف سرد بعض الروايات والوقائع من مصادر متعددة وبصورة متكررة للدلالة على الثبوت والشهرة، وكان من المستحسن أن يختار واحدة فقط مع ذكر مصادر راوية آخرى للواقعة بصورة مختلفة أو اكثر تفصيلا حتى يبعد القارئ عن التفصيل الذي يمل منه ويختصر من حجم الكتاب أو يوسعه في ذكر قضايا أخرى تركها بسبب الحاجة إلى الجمع ضمن مجلد واحد، هذا من ناحية ومن أخرى فأنه لم يحلل مختارات تاريخية أخرى بل فضل سردها فقط وترك للقارئ التحليل وفق ما يتوافق عليه من سعة ثقافة ومقدرة على النقد والتحرر، وهي وان كانت مستحسنة في بعض أوجهها ألا أنها تبقى اقل من شمولها بالتحليل المناسب حتى لا يفوت القارئ المبتدأ بالأساس من بعض نكات وأسرار النتائج أو الاستفادة من العلم الغزير الذي ادركه الأستاذ المؤلف وقرر البدء بنشره ضمن ما تسمح به الظروف! .
لم يترك الباحث الكاظمي وسيلة البحث اللغوي أو تفصيل الأصول اللغوية للروايات أو الألفاظ وهي تعتبر مهمة للباحث المتتبع وعليه فأن هذا يثري البحث ويقطع الشك أحيانا في التفسيرات المحتملة للألفاظ والمعاني من خلال الاستناد إلى المراجع اللغوية المعتبرة وأبراز الأثر اللغوي في تقرير الكثير من المسائل والإشكاليات التي يجادل بها الكثيرون ضمن نطاق اللعب على الألفاظ بغية ترويض المعاني للتفسيرات الموضوعة! .
لم يقف أو يتردد المؤلف في البحث عند بعض الشخصيات المقدسة لدى جمهور عريض أو بعض الروايات والوقائع التي تضعف من قدسيتها ومكانتها لدى الأخر بل استمر في منهجه حتى لا يتأثر بالموروثات أو المحاذير الشائعة...نعم أن ذلك يثير الأخر خاصة إذا كان المتعصب من طبقة رجال الدين أو المثقفين المتمسكين بالتراث ولو كان اسودا، وهم في نفس الوقت لا يتورعون عن الهجوم على الأخر تحت ذرائع شتى، من هنا يكون الرد عليهم ولو من باب الدفاع أو الرغبة في الوصول إلى حلول للمشاكل الشائعة وفق الأقوى في المجال العلمي المجرد والذي تحسمه ساحات الصراع العلمي بدلا من الاستناد على طغيان السلطة التي لا تعترف ألا بقوتها وبمصالحها الأنية التي لا تعير أهمية للقيمة العلمية الواضحة التي غالبا ما تعاكس آرائها وتوجهاتها...!
أجاد المؤلف البارع في اختياراته المتنوعة حتى يطلع الجميع على مقدار التحريف والتزييف والتقديس المخترع...ومن بينها:
تناول سيرة المنحرف حريز بن عثمان صاحب مقولة: القاطع راس أجدادي بالفؤوس، ويقصد به الأمام علي(ع)! بالرغم من انه راوي لدى الكثيرين(ص47)، كما طالب بنهوض المؤسسة الدينية في تفكيك النصوص لان جميع المباني الدينية والمسائل العقيدية المتوارثة والمستحدثة تحتاج إلى ادله وقرائن مشفوعة لأثبات صدقيتها وفق دراسة موضوعية تستند إلى اللغة والتأريخ والسند والأسباب ومسار النصوص وغيرها من المسانيد التي يحتاجها عادة الباحثون المخلصون...وفي تبيان لمصدر بعض روايات حريز الغريبة السند ومن بينها قول منسوب للوليد بن عبد الملك، وهو أحد طغاة بني أمية وذكر المؤلف خطأ انه قال للقرآن هذا فراق بيني وبينك(ص50) والحقيقة هذا القول لوالده عبد الملك بن مروان الذي كان متدينا قبل الخلافة ولم يكن والده خليفة ألا لسنة واحدة لذلك عاش فترة في المدينة بينما تربى الوليد ضمن بيئة مختلفة والالتباس الأخر في الاسم المتشابه مع الوليد بن يزيد المشهور بفسقه ومجونه والثابت عنه رميه للمصحف الشريف بسهم وقول شعر مخالف بعد فتحه القرآن وظهرت له آية واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد...!
تناول سيرة بعض الخلفاء سواء الأولون أو الأمويون والعباسيون واظهر من خلال المتون التاريخية المعتبرة لدى مقدسيهم أو مواليهم مدى التناقضات المروعة التي تنتاب سيرتهم أو الأثر الذي أحدثوه من بعد ذلك والذي ظهر أثره المدمر لاحقا، وبالرغم من انه لم يكن أول من تناول سيرة هؤلاء والصراعات الدموية التي أحدثوها وفق مجهر النقد الصارم ألا أن حاجة البحث الملحة تحتاج إلى تنوع بغية جمع الحوادث والشخوص لتبيان وقائع منسية أو يتم إخفائها لغايات متعددة وإعطاء البحث حقه في النتيجة المؤدية...!
تناول المؤلف بعض مظاهر الغلو والتقديس لدى أهل السنة والذين يتهمون الطوائف الأخرى بالغلو والتقديس واظهر نماذج معينة تحتاج إلى توقف وإعادة الوعي لمن لا يدركه التدقيق للوصول إلى بر الأمان، وهذا الغلو والتقديس لم يخضع للنقد الكافي بسبب ارتكاز أصحابه على القوة والهجوم الفكري على الأخرين دون أن يستروا حتى عيوبهم الفاضحة، ومن المعلوم انه هنالك غلو وتقديس لدى أصحاب المذاهب الأربعة يفوق ما لدى خصومهم وعلى أساس هذا الغلو والتقديس ارتكب المتعصبون منهم مجازر لا يمكن وصف بشاعتها فضلا عن انتشارها بل وديمومتها لكونها لم تتوقف ألا في حالات نادرة، وعليه فأن الجرأة المفقودة لتهديم هذا الغلو والتقديس ضعيفة مثلما لدى أصحاب المعتقدات الأخرى ولكن الضعف الأكبر قد يكون ناشئ من ضعف الاجتهاد والنقد في مواجهة الطبقات العليا المدعومة من الأنظمة المختلفة التي ترتبط المصلحة معهم بإشاعة الغلو والتقديس لمنع الحوار والنقد البناء للقضاء على تلك الظواهر التي يبنى عليها أعمدة التخلف! .
ناقش المؤلف بعض مؤلفات وأفكار الأخرين المتناقضة أو التي تدعم آرائه ومنهم الأديب محمد حسين هيكل(1888-1956) (وليس محمد حسنين هيكل الصحفي) كما ورد في الكتاب(ص342) وهو خطأ شائع بسبب الالتباس في تشابه الأسماء، في كتابه الصديق أبو بكر(1942) حسب طبعة 1982 والذي يدرس بمصر، واظهر حجم التناقضات فيما ورد وتجاهل المؤلف هيكل للكثير من الحقائق الثابتة بسبب رغبته في إظهار تلك الشخصية المقدسة خالية من الالتباسات والأخطاء التي عرف عنها واعترف بها في الكثير من المصادر المعتبرة! وهذا منهج شائع لدى اغلب الباحثون المصريون المعاصرون والذين يدعون الوسطية والجرأة في العرض والتحليل ألا أن وقوفهم عند الحوادث التي تجرح أصحابها أو إعطاء التبريرات الواهية حول أسباب الوقوع يؤدي إلى ضعف في نصوصهم والخطأ المتوقع في النتائج.
ذكر المؤلف في مبحث عن جملة من النواصب الرواة والمحدثين بحسب مراجع معتبرة عند أهل السنة ولكنهم يعتبرون ثقات وجب ذكر ما يروى أو يكتب عنهم مع ما يشاع عنهم ذلك وهو يؤشر لكارثة مروعة على التاريخ المروي أو العقائد والأفكار الموروثة التي ظهر ضعفها أو التناقضات المبنية عليها والتي لا تؤسس لعقيدة راسخة وصالحة.
تناول المؤلف بشيء من التفصيل سيرة منظر التكفير الأبرز ابن تيمية والمنهج المنحرف الذي سار عليه ومن ثم تلميذه ابن الجوزية والوريث التالي لهما محمد عبد الوهاب في نجد، واظهر أن هؤلاء كانوا مرفوضين حتى من أصحاب مذاهبهم وأسرهم بسبب التطرف الشديد والذي أدى إلى تأسيس مناهج دموية تستند على القوة والإرهاب في سبيل أثبات وجودها وليس على القوة العقلية والمنهجية المشروعة والتي يعترف الجميع بحاكميتها...! .
تناول المؤلف بتفصيل أكبر عن سيرة معاوية وأعمال أعوانه المقززة والتي هي ثابتة ومؤكدة في التاريخ إلى درجة اليقين بسبب شيوعها في اغلب المصادر المعتبرة والتي تظهر مستوى الانحراف المروع عن الإسلام إلى درجة الكفر! ومع ذلك نجد أن نسبة كبيرة من الأجيال اللاحقة مازالت تقدس هذا الطاغية وأعوانه وتبرر أعمالهم بوقاحة غير متناهية وتستند إلى وقائع وأحاديث لا تمت للواقع بصلة استطاع تمريرها خلال حكمه البغيض والتي شاع عنه ذلك، في ظل غياب كامل للأصول الفكرية المستندة على مصادر وأسس صحيحة تفرز مناهج لا تتبع الأهواء والرغبات بل الحق المجرد الذي لا يقبل التأويل الهزيل الذي استخدمه هذا الطاغية وغيره في التلاعب بمصير الأمة الإسلامية.
استطاع المؤلف الكاظمي ببحثه هذا، إظهار الكثير من الحقائق التي تدين الأخرين بدلا من اتهامهم الجاهز للخصوم تحت ستار الهجوم اقوى من الدفاع للتغطية على الضعف!، وذكر بعضا منها وبخاصة مسألة سب الأمام علي(ع) على المنبر لفترة طويلة والتي تم تجاهلها والتركيز على سب الصحابة المنافقون الذين ذكرهم القرآن الكريم والنبي(ص) والتاريخ بمفاسدهم وجرائمهم التي تركت لنا جروحا لم تندمل لحد الأن وأيضا طريقة الاستخلاف والتي ظهر عدم حياديتها في الاختيار لكون العلاقات والروابط والميول بين الصحابة هي الفيصل في الحكم مما يعني ابتعاد عن الادعاء بالشورى...! .
الحضارة الإسلامية وان ازدهرت كثيرا ألا أنها لم تبنى على العدالة والحرية بشكل كافي بسبب هيمنة القوى المتسلطة على شعوبها والتي لها اذرع دينية تستند على شرعية زائفه يتولى الأشراف عليها وتوجيهها وعاظ سلاطين لهم باع طويل في العلم الديني وتطويعه للحاكم حسب متطلبات المرحلة الزمنية، وهذا يعني انه حان الوقت لإعادة الاعتبار لتلك الأسس المهمة المفقودة التي تبنى عليها عادة الحضارة، والممالك الإسلامية التي تأسست وفق قاعدة التزاحم قد جعلت العنف الوسيلة المثلى لتثبيت قواعد الدولة حتى ولو خالفت قواعد وأصول الدين الإسلامي المتعارف عليها، واستخدمت الدين كسلاح فعال لوضع الشرعية على أعمالها اللاأخلاقية ، ودائما يحاول المصلحون سلب تلك الشرعية المزيفة منهم بوسائل نقدية معتبرة ومنحها لم حارب لأجلها في سبيل أحقاق الحق.
هذا الأثر التحقيقي القيم يجب أن يكون بادرة لحث الأخرين ومنهم المؤلف أيضا في بذل المزيد من البحث والتنقيب في المدونات والأصول التاريخية المتوافرة وبخاصة المخطوطة أيضا حتى يتم إظهار كافة الحقائق التي حذفت وزيفت ووضع مكانها أكاذيب خالدة أصبحت أساطير لا تقبل التأويل والتفسير لدى مدارس لديها قوة زمنية تدافع عنها باستمرار بسبب التلاحم فيما بينهما...! .
فقد العالم الإسلامي نتيجة للصراعات الدموية التدميرية وأيضا لضعف وسائل الحفظ والصيانة الدورية والنشر، مؤلفات ومخطوطات ونصوص وأوراق كان من الممكن أن تحدث ثورة علمية أو على الأقل تحدث تغييرا كبيرا قد يصل جزءا منه إلى بعض المعتقدات الدينية أو الفكرية السائدة، ومع ذلك فمازال الباقي اليسير ومعظمه مخطوطا متناثرا في كل مكان وبحاجة إلى المراجعة والتدقيق والتحليل بغية عرضه للنشر للاستفادة منه في كافة فروع البحث العلمي المتنوع والمعرفة والذي سوف يعطي ثمارا إيجابية في تغيير الكثير من الأدلة والاستدلالات المتعارف عليها من النصوص المنشورة والتي من الممكن أن تكون ضعيفة وغير دقيقة ولكن عامل النشر قد ساهم في الشهرة والتصدر، وعليه فأن الواجب على المؤرخين والباحثين القيام بعملية البحث في المخطوطات واستدراك ما فات من الأدلة والبراهين لتوسيع دائرة الأسس النقدية للمدونات التاريخية وكسر الجمود.
علينا قراءة التاريخ بصورة موضوعية لا بقدسية متزمتة وان نتحرى الصحيح من الخطأ عن طريق النقد الفعال، فكم من الجرائم والمفاسد والألآم تقع نتيجة الاعتقاد الخاطئ بأن حدثا تاريخيا هو صحيحا ويتبين لنا بعد فوات الأوان انه كان خطأ... التاريخ هو سجل لتراثنا والنبيه من يدرس التاريخ بعمق كي يمنحنا البصيرة في الاختيار الأدق حتى لا نقع في نفس الأخطاء التي وقع أسلافنا بها...!