إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2012/06/05

في سياحة الكتب 14


في سياحة الكتب 14:
تتنوع كتب السيرة الذاتية والمذكرات الشخصية بسبب الاختلاف في التكوين والبناء لكل فرد،ومن هذا التنوع تظهر الفوارق بين المستوى التقييمي لكل كتاب ومدى الفائدة المرجوة منه،وحسب تقبل القارئ ورفضه المستمدة من الخبرة والميول المختلفة.
قصص ومذكرات الاطفال الشخصية لها طعم خاص،فهي وعلى الرغم من ان اغلب كتابها من الصحفيين ومحترفي الكتابة من البالغين،الا ان البراءة والصدق وعمق المشاعر والاحاسيس التي تجتاح الاطفال وتسود في عالمهم الطفولي العجيب هي السائدة في محتوى النص وايضا امداده بقوى معنوية تختلف شدتها عن الكتب الاخرى مع الاحلام الوردية لتلك الفئة التي تتصدر الفئات البريئة من بشرية العالم الاسود!...وفي المقابل تكون اغلب مذكرات او انطباعات المنتمين الى نظم وحركات سياسية فاشية،خالية من البراءة والاخلاق والاعتبار من الماضي ونقد الذات واعادة الاعتبار الى الضحايا والاوطان الجريحة،ولولا تلك الوقاحة العلنية لما انتمى هؤلاء الى تلك التنظيمات التي مسخت عقولهم وقلوبهم وجعلتهم عبرة لمن يعتبر!...المقارنة فريدة من نوعها بين الصنفين والفائدة المرجوة منهما مختلفة بلا شك وبالنسبة للنوع الثاني هي استخلاص المعلومات لتقديم اصحابها الى العدالة وتجريم المتهمون ضمن سياق الكلمات والعبارات التي لا يخلو بعضها من كذب فاضح!.
الكتاب الاول: حلم فتاة الازقة
تأليف روبينا علي...الكتاب حسب الطبعة الاولى عام 2010 يتألف من 195ص من القطع المتوسط ومطبوع في لبنان ومترجم عن النسخة الاصلية لعام 2009 ومؤلفة السيرة بواسطة صحفيتان من فرنسا والهند.
الكتاب يتضمن السيرة الشخصية لبطلة الفيلم الشهير(المليونير المتشرد)الذي فاز بجوائز الاوسكار العالمية بالاضافة الى جوائز دولية اخرى بين عامي2008-2009.
روبينا علي هي طفلة هندية مسلمة تعيش ضمن الفئات المسحوقة في القارة الهندية،فقد ولدت وترعرعت في مدن الصفيح العشوائية التي توسعت بجانب المدن الكبرى حتى تجاوز عدد افرادها في ذلك البلد-القارة الى عشرات الملايين بسبب عجز الحكومات الهندية الفاسدة في الباطن والديمقراطية في الظاهر في تلبية احتياجات تلك الفئات المهمشة والعمل على انتشالها من الاوضاع المزرية التي ميزت البلاد وجعلتها احد رموز الفقر والفساد والغرائب في العالم الثالث بالرغم من النهضة الاقتصادية للبلاد منذ العقد الاخير للقرن العشرين والذي جعلها ضمن المراتب المتقدمة في العالم بسبب ضخامة عدد سكان البلاد الا ان خروجها من الفقر يحتاج الى جهود جبارة لعقود طويلة!.
لا تختلف احلام وآمال روبينا عن جميع الاطفال الاخرين في ان يكون لها مستقبل مشرق يخلصها من الفقر والجوع والالم،وقد عبرت عن ذلك بصراحة الاطفال في الكتاب وكان من جملة الامنيات ان تكون ممثلة سينمائية في بوليود(عاصمة السينما الهندية في مدينة بومباي)ولكن القدر جعلها تصل الى هوليود والشهرة العالمية خلال اقل من عام ونصف بسبب دورها المميز في هذا الفيلم المؤثر!.
من غرائب تلك الطبعة التجارية للكتاب هو كثرة العبارات الهندية والمكتوبة بلغة عربية مع ترجمتها الحرفية! فكان بجانب العبارات الحوارية،الجملة الهندية وما يقابلها بالعربية وهو ما وسع في حجم الكتاب!...لكن روعة القصة والتعابير الصادقة والمؤثرة والتي جاءت على لسان روبينا يجعل القارئ يتفاعل بصورة لا ارادية مع الاحداث المتسارعة ويتناسى كل هفوات الطباعة والترجمة والتعليق!.
عانت روبينا بالاضافة الى قسوة الحياة والبيئة،الى ظروف استثنائية من قبيل هجر والدتها ذات السمعة السيئة لاسرتها لتتزوج من رجل آخر يختلف عنها حتى بالديانة! وتركت بالتالي كل اطفالها الثلاثة الصغار برفقة والدهم وجدتهم وعمامهم والذين لم يتعرفوا على ملامحها او تكون في ذاكرتهم شيئا من عطفها او رعايتها!...وهذه القصص تتكرر بأستمرار في الحياة الانسانية وكأنها صفات متلازمة بسبب بشاعة الطبائع البشرية ووصول نسبة كبيرة من افرادها الى مستويات تأبى الحيوانات ان تصل اليها!...ولكن في النهاية وبعد ذيوع شهرة روبينا في العالم،جاءت امها البايلوجية وبدون ادنى حرج كي تحاول استرجاعها حتى تستفيد ماديا منها!ولكن الرد العنيف من قبل روبينا وعائلتها ورفضهم الحاسم لها قد جعلها تتراجع بالرغم من المحاولات المستمرة وبخاصة اثناء فترة حجز الاب في الاتهام الباطل انه حاول بيع ابنته الى عائلة عربية من الخليج والذي اثبتت روبينا والوقائع المذكورة بطلانه.
ظهرت في شبكة الانترنت العديد من مقاطع الفيديو التي تصور الوضع المأساوي في مدن الصفيح والحالة المزرية التي تعيشها روبينا وكذلك الاستقبال الحافل لها بعد عودتها من احتفال الاوسكار في امريكا عام 2009،وغيرها من المقاطع التي تعطي صور اضافية للكتاب والقصص المتداولة.
اختيرت روبينا مع طفل مسلم هندي آخر(ازهار الدين محمد)الذي كان مشاكسا معها ويسكن ايضا مدن الصفيح من ضمن 1500 طفل ضمن اختبارات عديدة للتمثيل في فلم بريطاني ورواية هندية،يخرجه اللامع داني بويل والذي بر بوعده لروبينا وازهار الدين عندما منحهما شقتين مع تسديد نفقات دراستهم في مدرسة لامعة تعلمهم بالاضافة الى المواد الدراسية،اللغة الانكليزية التي لا يتحدثونها والتي تعتبر مفتاح دخولهم للسينما العالمية والعمل!.
تحدثت بالتفصيل عن رحلتها الاسطورية الى امريكا ضمن فريق الفيلم الذي فاز بالجوائز العالمية وكانت الرحلة محفوفة بالمخاطر والغرائب بدءا من عدم وجود تاريخ دقيق للميلاد والمقابلات لمشاهير الفنانين الى العودة الشهيرة التي نقلتها الكاميرات التلفزيونية!.
القصة الواقعية بتفاصيلها الدقيقة هي من الروعة بمكان انها تجذب القارئ لها كي يلتهمها بسرعة! وهي تستحق القراءة والاقتناء وتكمل المتعة عند مشاهدة الفيلم المذكور والذي توجد له عدة نسخ في الانترنت ومنها في يوتوب،بالاضافة الى المقاطع الاخرى.
الكتاب الثاني:بعثيون من العراق...كما عرفتهم
تأليف:جهاد كرم...الكتاب مؤلف من 294ص حسب ط1-لبنان لعام 2010 وهو من القطع المتوسط والورق الخشن.
وحسب المعلومات الضئيلة في الانترنت عن المؤلف الغير معلوم،ظهر انه لبناني مسيحي ارثوذكسي،انتسب الى حزب البعث- جناح العراق منذ اواخر الخمسينيات من القرن الماضي واستفاد منه كثيرا حتى اصبح وبخطوة معتادة من حكومة البعث في العراق في منح العطايا لاتباعها العرب المخلصين في الوصول الى مناصب عالية في الدولة واهمها تعيينه سفيرا في البرازيل وشيلي والهند وغيرها في فترة صودرت المواطنة الحقة لصالح فكرة مواطنة القومية العربية ذات المواصفات المحددة سلفا وبدون ادنى مراعاة لمشاعر الشعب العراقي وفئاته المختلفة وحقها في الحياة الكريمة! او حسب تعبير المؤلف ذاته ان احد اهم اسباب انهيار الحكم البعثي ان قاعدة الولاء قبل الكفاءة هي السائدة!.
عندما قرأت العنوان الثانوي للكتاب(كما عرفتهم)،تذكرت حينها موسوعة الاديب العراقي الشهير جعفر الخليلي المسماة(هكذا عرفتهم)والمختصة بالادباء والفقهاء البارزين في عصره،فتوقعت انها على نفس النسق في الطريقة دون القيمة!ولكن خيبتي جاءت مضاعفة وبسرعة، فشتان بين الثرى والثريا!...فعندما اطلعت على متن الكتاب وجدته من اغرب الكتب المنشورة واكثرها تناقضا وضحالة وهو نفس الرأي السائد عنه لدى جملة من الكتاب الذين أبدوا آرائهم فيه عند صدوره مباشرة في بعض المقالات المنشورة،واخذ بعض اصدقاء المؤلف بالذات! في نقده بصورة تبعث على الاسى بحيث تعطينا تصورا واضحا عن امثال تلك الشخصيات المنحرفة والتي تمتاز بضحالة في الثقافة كتميزها في انعدام الروح الانسانية البسيطة وبدون تفصيل او تدقيق او حتى نقد ذاتي بناء!.
الكتاب في مجمله عبارة عن اشارات مختصرة للمؤلف حول الكثير من الشخصيات البعثية التي عاصرها منذ نهاية الخمسينيات الى سقوط النظام البعثي العراقي عام 2003،وهي جاءت على شكل تعريف معجمي بسيط بحيث لا نرى معلومات جديدة او ممكن ان تفيد في كتابة تاريخ ذلك الحزب الفاشي والشخصيات التي خلقته من العدم ثم ارجعته الى ذات العدم!...فالمعلومات المنشورة حول اغلب الشخصيات تمتاز بغرابة لا مثيل لها،فمن بين تعريفه الذي يبدأه في كلمات مثل طيب القلب والمعشر وامتيازه بالكرم والشجاعة والادب وصاحب مبادئ ثورية الخ...ينقلب فجأة الى قاسي المعاملة،دموي النزعة،عشائري التفكير والميول،غامض وغريب الاطوار الخ من الصفات التي يعجز القلم عن جمعها في مكان واحد!...
اختصر جهاد كرم منذ البداية القول المفيد في ان البعثيين العراقيين نقلوا عشائريتهم الى الحزب والدولة وتعاملوا مع بعضهم البعض بنفس الاسلوب وبالخصوص قياداتهم من البؤر الوضيعة،لكن لا يتورع عن وصف كل فرد منهم بالرغم من التاريخ الدموي والانحراف المعروف ببعض الكلمات المادحة لهم!.
لم يعتذر جهاد كرم كبقية بعثيي العراق عما وصلت اليه الامور المآساوية من جراء سياساتهم الدموية الارهابية الفاشية الناتجة من مناهجهم وسلوكياتهم المنحرفة،بل اصروا على تبرئة انفسهم من كل الجرائم التي ارتكبوها خلال تاريخهم الدموي سواء بحق انفسهم او بحق الشعب الجريح!لا بل وينتقد بشدة من ندم او اصدر كتابا ينتقد الحزب وقياداته مثل محمد المشاط او الفكيكي وغيرهم وكأن تلك الاخطاء الكارثية لا تحتاج الى اصدار ولو بضعة كلمات من الندم السطحي!... وهذه صفة نادرة قلما نجدها في بقية الاحزاب الاخرى التي تمارس النقد الذاتي عادة بعد خروجهم من الحكم لدراسة الاسباب والنتائج وفق معايير متعارف عليه في النقد والتقييم،ويعود ذلك الى اسباب عديدة اهمها ان حزب البعث انقلابي وصولي يمتاز بفقر فكري وادبي واضح جعله من اضعف الاحزاب وهذا ما ناسب وضع اكثر الجهلاء والمتخلفين واصحاب السوابق الراغبين في عمل ويجعلهم في ذات الوقت متسلطين على مجتمع يرفضهم! بينما قلة من المثقفين تجرأت لاسباب مختلفة في الانتساب واكثرها لاجل المنفعة الذاتية من السلطة وسرعان ما ذاقت الامرين من قياداتهم الدموية التي ليس لديها اي اعتراف بقيم عالية تقيد قدرتها على انتهاك الكرامة الانسانية او حق النضال المزعوم!...وكانت من ابرز علامات ذلك الزمان اذا اريد التعذيب النفسي للمثقف اللامنتمي هو ان يتحكم البعثي به سواء اكان علمانيا او اسلاميا ضمن تيارات اليسار واليمين،فالسخرية منهم شائعة الى درجة لا يمكن تجاهلها كونهم زمر من الجهلة والفاشلين والفاسدين لهم بطون متدلية خارج الحزام وادمغة ضخمة متحجرة تلبس ملابس زيتونية مكروهة ولا تستطيع ان ترى اكثر من ان تكون مستعبدة لفرد احمق يعتبروه صنما!.
خلال المراحل الاولى لحكم بعث العراق،سحقت الالة الجهنمية لسلطة الحزب الامنية اغلب منتسبيه الاوائل والذين امنوا لاجل اهداف قومية بحتة ولم يبقى في النهاية سوى شخصيات ضعيفة،ضحلة القيمة ومنحرفة السلوك وخائفة على مصيرها من التصفية الدموية التي لم ترحم احدا! ومن هنا تكمن الاسباب الرئيسية في عدم ندم اغلبهم بعد سقوط نظامهم الارهابي!...ومن الغريب حقا ان اغلب المذكورين في الكتاب،انتهت حياتهم بالقتل والتعذيب والسجن والنفي بيد زملائهم وليس بيد الاحزاب الاخرى او القدر الحتمي!.
يعترف المؤلف المشارك في هذا الحزب الدموي بالرعب الحاصل وبالخوف من المصير المجهول،وبالقسوة والعفوية والجهل الذي امتاز به الحكم،الا انه لم ينقده! بل برره بضرورة انتظار المستقبل ليقول كلمته!ولا احد يعلم من لديه القدرة والشجاعة على كتابة وتحليل تاريخ حزب مافيا دولية وفاشي كحزب البعث مارس البغاء السياسي بحرفية شديدة الغموض؟!...
يظهر من الكتاب ان مؤلفه مناقض لنفسه في ابسط المواقف والقضايا،فهو لا يتورع عن ذكر من قتل وهم اغلب المنشورة اسمائهم في الكتاب ولكن في النهاية يصف القتلة والضحايا بالشهداء والكرماء واصحاب الغيرة والشجاعة وكأننا امام نظرية عدالة صحابة جديدة الخ!!...هذا التناقض يعطينا صورة تفصيلية عن النموذج المثالي للمنتسبين والذين بقوا الى النهاية وبدون تصفية خلال عقود من الارهاب والقمع...
اغلب المعلومات البسيطة في الكتاب اما غير صحيحة او غير دقيقة بالاضافة الى الاكاذيب المروعة والتي من ابرزها ذكر الكاتب ان حزب البعث حشد عام 1962 حوالي 600 الف بعثي لاستقبال بن بلا في وقت اتفق البعثيون ان حزبهم لم يضم ايامها سوى بضعة مئات(تحديدا 740)!! كما ان بعض التواريخ المذكورة غير صحيحة مثل اتفاقية 11 آذار 1970 او تواريخ تصفية الاشخاص او بعض اماكن عملهم الخ من الامور البديهية في تاريخ هذا الحزب،وبمعنى ادق ان الكتاب كتب على عجل ولم يتحقق منه الكاتب سوى اسداء الجميل لمن منحه تلك المناصب او الاموال او تعويض عن نقص حاصل في سيرة حزبه وزملائه!.
الراغب في دراسة حزب البعث عليه الذهاب الى كتب نقد تجربته بمنظار موضوعي صارم من الذين تبرأوا منه في بداية سلطته او من خلال الكتب السياسية الاخرى التي تناولت الحدث والوقائع والاشخاص بالنقد والتحليل الموضوعي،اما كتب على نمط كتب الاجهزة الامنية البعثية فذلك من زمن مظلم انتهى عهده الى الابد!...















هناك تعليق واحد:

sameh gamal يقول...

احجز الان فى فندق انتركونتيننتال سيتي ستارز بسعر مغري مع شركة جراند ماجيك للسياحة