إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2011/04/21

المقارنة الاستدلالية 2

المقارنة الاستدلالية 2:
لطالب الوعي الذاتي وتطويره،طرقا واساليب متعددة لغرض تنمية هذا الشعور الخاص والعام نظرا لاهميته القصوى في انقاذ الانسان ومحيطه من التبعية بمختلف اشكالها ومن العيش ضمن مسار محدد لا يخرج عنه!...انه مسار العبودية والرق الظاهر والمستتر!اللذان ضمنا محور الجهل والتخلف.
اذا لم تتمكن النية الصادقة والارادة والصبر من النفاذ لما استطاع الانسان امتلاك الوعي الحقيقي مهما كانت حيازة الكم والكيف المعرفي!...فقد يوجد لديه المعرفة العالية ضمن اختصاصه وعقائده ولكن تنقصه الشروط السابقة التي لا غنى عنها للاستفادة من سلاح الوعي المتعدد الابعاد.
لا يشترط بالوعي ان يكون ضمن صنف معرفي محدد وهو الوعي ذو البعد الواحد،بل يستطيع كل فرد ومن اختصاصه ان يكون ضمن نطاق حدوده الدنيا،ولكن تلك النسبة ترتفع بلا شك مع امتلاك كم اكبر وكيف اعظم!والتوسع في المدارك العقلية هو منية المريد ولذة الطالبين،وما اعظمها من لذة!... ولذلك نرى ان الانسان الذي لديه مقدرة عالية من الوعي الذاتي والادراك واليقظة وحرية الارادة،هو نفسه الذي يملك كما متنوعا من المعارف التي تساعده على الرفض او التحكم بقراراته الذاتية والمصيرية، والعكس صحيح في حالة قلة الحيازة المعرفية.
يعتبر الوعي العالي مشكلة مؤثرة لصاحبه! فهو يعاني منه نفسيا وجسديا، نظرا لمقدرته العالية في التحليل الصائب وفي توعية صاحبه امام المخاطر والمنزلقات الكثيرة خاصة اذا كانت الظروف المحيطة به تمنعه من الاستفادة او تجعله يخالف ظاهريا ذلك الشعور القاسي المثير للنفس والذي يلح عليه بأستمرار ان يكون رافضا للواقع الفاسد الراكد وسيطرة القوى المتعددة التي لا تملك ادنى مؤهلاته!وعليه فأن مسألة الترويض المفروض وفق البيئة القاسية هي ليست بالسهولة الممكنة التي يتصورها البعض، بل ان ذلك النفاق الذاتي الناتج من النفاق الاجتماعي سوف يولد هزيمة ذاتية ويأس من حدوث التغيير نحو الافضل!وهذا ما يفسر لنا وقوف عدد كبير من المثقفين من مختلف التيارات، مذهولين امام رؤية الجموع الشعبية الثائرة تخرج من جراء تكوين مجاميع بسيطة الفكرة والهدف،بل والافظع هو رؤيتهم محايدين او مؤيدين للسلطة معتقدين انها المنتصرة في النهاية مثلما نجحت معهم في المرات سابقة!...ان ذلك هو ايضا انفصام شخصي بل ومرض نفسي يحب فيه الضحية جلاده الذي هزمه داخليا ليحوله الى هيكل عظمي لا روح فيه!.
المقارنة الاستدلالية والوعي:
طرق الوعي متعددة بلا شك،ومن ابرز تلك الطرق هي المقارنة الاستدلالية التي لا تنحصر ضمن مفهوم التجربة والبرهان في العلوم الطبيعية بل تتجاوز ذلك الى العلوم الانسانية المتعددة والتي يمكن الاستفادة منها ليس في زيادة المعرفة فحسب بل وايضا في اثارة العقل والفكر كي يتم شحنه بجرعات الوعي التي تجعله حرا او مدركا لكل ما يحيط به من منعطفات فكرية مؤثرة.
نتائج المقارنة والاستعارة الايجابية هي مؤثرة الى درجة تجعل الشعور بالمطالبة بالاستفادة منها امرا ملحا!من خلال تكرار التجربة او الابتعاد عن المسالك الخطيرة بغية اختصار الزمن والتقليل من آثار التكرار السلبية.
آثار المقارنة الاستدلالية تنفع كثيرا في اثارة الرأي العام من خلال استغلال الشعور الداخلي بالغبن والظلم خاصة في ظل امتلاك الشروط الكاملة لدى الطرف الاخر...لكن يشاع غالبا الاستدلال المشوه لغرض تثبيت الوعي المزيف لدى الرأي العام،ومع شديد الاسف ينجر عدد كبير من الكوادر المثقفة بلا وعي او بنفاق الى هذا المنحدر الفكري الخطير.
الاستدلال المشوه هو احد طرق غسيل الدماغ التي ينشأ الانسان عليها وقد تبقى معه الى اخر لحظة من عمره،ولكن كلما كانت الحريات متاحة اكبر والوسائل التكنولوجية ايسر كلما كانت درجة التشويه اضعف! ولذلك نجحت الكثير من النظم والحركات السياسية في الماضي من استغلال ضعف الوسائل التكنولوجية التي تكسر قيود الاستدلال المشوه والتعتيم الاعلامي في تثبيت معتقداتهم وسلوكياتهم المختلفة.
المقارنة السياسية والاقتصادية:
نظرا للتداخل الكبير بين السياسة والاقتصاد فأن المقارنة الاحادية تؤدي الى الثنائية بصورة لا تقبل الفصل القسري!...كان تنوع الفكر السياسي والاقتصادي ومناهجهما الموجودة في العالم، فرصة كبيرة لاختيار النماذج الاقوى على البقاء والنمو ضمن بيئات مختلفة والذي يستطيع في نفس الوقت تلبية احتياجات وطموحات اكبر عدد من المحكومين بأقل نسبة وكلفة من الخسائر...صحيح انه لا يوجد نموذج متكامل بدون ان يتسبب بأخطاء نسبية ولو من جانب التطبيق،الا انه يبقى فرصة لاختيار التجارب الناجحة من الحالات المتعددة حتى يتم خلق نظام ومجتمع اكثر تكاملية.
تجاهل اختيار النماذج الناجحة او تجاهل السلبيات الشائعة من التجارب الاخرى هو ليس فقط حماقة وجهل بل وايضا خيانة عظمى بحق الشعوب، لان الواجب المفروض يحتم اختيار الاصلح فالاصلح وتجنب الخطأ ما امكن.
بعد الحرب العالمية الثانية برز للوجود نظامين رئيسيين يحكمان العالم، وهما المذهب الاشتراكي الذي ازداد نفوذه لاسباب عديدة ومعروفة استغل فيها اخطاء الثاني وهو الرأسمالي وبخاصة فترة استعماره للعالم الثالث!.
لم يكن النظامين متكاملين ولكل منهما محاسنه وعيوبه الظاهرة والمستترة، ولكن التجارب اثبتت ان النموذج الرأسمالي اقدر في الاستفادة من وجود مختلف التيارات الاخرى وبضمنها الافكار الاشتراكية ودمجها ضمن نظامه! والعيش ضمن بيئة تنافسية وان كانت غير مثالية! ولكن النموذج الاشتراكي ظهرت اخطاءه رغم جاذبيته السحرية آنذاك! ومن ابرزها الرفض الكلي للتغيير او الدمج مما جعل المصلحين يثيرون تلك المسائل دون جدوى،ومن ابرز تلك الاخطاء هي المآسي التي خلقها القمع والرعب وفرض الرأي الواحد كما ان الاثار الاقتصادية المدمرة قد ظهرت واثبتت تقدم النموذج الرأسمالي الذي استوعب المتغيرات التكنولوجية بصورة اكثر فعالية،وقد ظهر للعلن ان الادارة العامة للمشاريع الخدمية والانتاجية مثلا لم تحقق الجدوى الاقتصادية فحسب بل انها اصبح ملاذا للبطالة المقنعة المستنفذة لطاقات الدولة وقدراتها! وغيرها ايضا من المشاكل الاقتصادية التي ساهمت بصورة رئيسية في تخلف المجتمعات الاشتراكية عن الرأسمالية حتى اصبح الفرق شاسعا في عقد الثمانينات مما عجل في سقوط النموذج الاشتراكي بسرعة مثالية،بينما قامت نظم اخرى لغرض النجاة من المصير المحتوم مثل الصين في فتح اقتصادها والخروج الفعلي من النظام الشمولي وتفسيراته المتشددة، في مظهر جديد يدعى اشتراكية السوق،وهو تعبير لا يمت فعليا للاشتراكية بصلة،وقد نجحت في ذلك كثيرا!.
طبعا المقارنة بين النموذجين الرئيسيين لا ينحصر ضمن فقرات وفصول بل لا تستطيع حتى مجلدات ضخمة من الاحاطة التامة ولكن لا بأس بالاشارة هنا بصورة مختصرة كي يكون مدخل للراغبين في التوسع!.
بعد ذلك يأتي الدور في الاختيار لبلدان العالم الثالث،وقد اختار بعضا منها الطريق الاشتراكي ككل بالرغم من النتائج السلبية! فظهرت علامات الضعف والانحلال والسقوط كما ظهرت في المنظومة الشيوعية نهاية الثمانينات في القرن العشرين!...ليس معنى ذلك ان الاخرين الذين اختاروا الطريق الرأسمالي قد نجحوا ايضا... كلا، فبسبب التقليد المشوه ظهرت عليهم ايضا امارات الفشل ودلائله! ولكن هنالك قلة نجحت بالفعل مثل النمور الاسيوية في الاستفادة من محاسن هذا النظام ولكن ضمن شروط معينة.
من هنا يظهر ان الانظمة العربية التي قلدت النظامين بصورتيهما المشوهة لم تستطع الاستفادة من الفرصة الذهبية الموجودة من خلال عمل مقارنة استدلالية متعددة المحاور والاتجاهات للحصول على افضل النتائج العملية بغية اختصار الزمن في الوصول الى المراتب المتقدمة وفق التصنيفات العالمية للتطور وتعويض المفقود من الزمن.
ان التقليد الارعن هو اسوأ تقليد ولا يمكن مقارنته بالتقليد العقلاني المدروس بعناية ودقة ويحتاط لكل الظروف،فالاول لا يهتم للسلبيات سواء الناتجة من المصدر او من التطبيق!مع اهماله الواضح للعوامل التي لا يرغب في تطبيقها مثل النزاهة وتداول السلطة! وعليه فأن صفات الغباء والرعونة هي الانسب وصفا بحق من يقوم بها!...عموما لا يمكن اطلاق لفظة الاختيار الخاطئ بصورتها الكلية على المقلدين للمنهج الاشتراكي،كما هو لا يطلق على المقلدين للمنهج الرأسمالي لان التقليد الاعمى مع عدم اختيار الافضل من المناهج الفرعية الاخرى سوف يؤدي الى نفس النتيجة الحتمية من الفشل!.
المقارنة الاستدلالية في السياسة والاقتصاد تكشفان الغموض عن كل ما يحيط بهما،وتيسران المعرفة الواعية لمن سعى وطلب!.

هناك تعليق واحد:

أبو حسام الدين يقول...

تحليل يستدعي التمعن
لان هذه المقارنة كما تفضلت تساهم في التحرر من التبعية والتجرد من السطوة.

دمت بخير