إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2011/03/07

في سياحة الكتب 11

في سياحة الكتب:11
شاع في العصر الحديث طبع كتب عديدة تناول مؤلفوها سيرتهم او سيرة الاخرين الذاتية في داخل السجون والمعتقلات...واطلق عليه احيانا بأدب السجون والمعتقلات، وبعض المنشورات هي روايات او قصص قصيرة خيالية ولكن مفرداتها هي من صميم الواقع وتناولت بدقة ذلك النوع من المعاناة الانسانية ونقلها للجمهور بأساليب ادبية احيانا مبتكرة لكي تساعد على الفهم وتقريب الصورة الفعلية الى الاذهان وتتجاوز ايضا محنة المنع!.
ولا يقتصر هذا النوع من الادب المنشور وبضمنه قصصا حقيقية عانى اصحابها من محنة الاعتقال والاسر والتعذيب،على ادبا بعينه بل هو منتشر ضمن اغلب الاداب العالمية وبخاصة البلاد التي عانت بطريقة او بأخرى من محن الاستبداد واساليبه الرهيبة التي تتجاوز حاجز الخصوم في ارهاب الابرياء وتعذيبهم ردعا للجميع في محاولة ابداء الرغبة في المقاومة!...
ولم يكن هذا النوع الادبي وليد العقود الاخيرة،فقد كانت للاديب الروسي ديستوفسكي رواية شهيرة في القرن التاسع عشر، تناول فيها سيرته الذاتية واسماها(مذكرات من بيت الموتى)... كما تناول بعض الادباء العرب ذلك النوع الادبي بسبب شيوع حالات الاضطهاد والتعذيب والنفي في مجتمعاتهم، وكانت رواية(شرق المتوسط)لمنيف من اوائل تلك الاصدارات واشهرها.
الا ان القصص الحقيقية والتي كتبها اصحابها فهي تقع غالبا في قمة الوصف وجودة الفكرة والاحساس العميق الصادق بمعاناة تلك الفئة التي ساء حظها ان تقع فريسة جلادين لا يملكون اي مشتركات مع عالم الانسانية المتحضر الا ان العدالة الالهية قد كشفت لنا تلك الوجوه القبيحة والقلوب الميتة المتسترة برداء اعلامي ضحل!.. ان بعض القصص الحقيقية قد تناولها كتاب اخرون ونشروها بطريقتهم الخاصة لكون اصحابها الحقيقيين اما متوفين او لا يملكون المقدرة الادبية على الكتابة او حتى المواجهة مع الحياة الجديد!.
اتناول هنا كتابين تناولا قصة واحدة ولكن من وجهة نظر قد تختلف او تتفق مع الاخر او تحمل تفاصيل سردية او تكون مختصرة بدرجة معينة، ولكن تبقى لهما الاهمية القصوى في الولوج الى عالم الانسان الحقيقي الخالي من التجميل الكاذب...عالم يتصف بالكذب والتلذذ بتعذيب الاخرين واستعبادهم بطريقة لا يمكن لادنى الحيوانات مرتبة ان تصل اليها!...
الكتاب الاول:
الضيوف...عشرون عاما في سجون الحسن الثاني.
تأليف:رؤوف اوفقير...والكتاب يتألف من 760ص...ومطبوع  ترجمته للعربية عام 2008 عن الاصل عام 2003 في طبعة انيقة.
الكتاب الثاني:
السجينة...
تأليف:مليكة اوفقير مع ميشيل فيتوسي...والكتاب يتألف من 367ص في طبعته السادسة 2006 من القطع المتوسط من الورق الخشن.
المؤلفان هما أكبر ابناء الجنرال محمد اوفقير صاحب الانقلاب الشهير عام 1972 ضد الملك الحسن الثاني طاغية المغرب حينذاك! والذي تسبب في ردة فعل همجية جلبت الفضيحة لذلك الملك الفاسد حبس من خلالها العائلة المؤلفة من ام وستة اطفال مع خادمتين مخلصتين لمدة تقارب من 19 عام! في ظروف وحشية دالة على مستوى فظيع من الانحطاط الاخلاقي والانساني للحسن الثاني وجلاديه!...والعبرة الرئيسية من هذه الكتب هي تستلزم تحرير العقول من العيش ضمن دائرة ثابتة من الزيف الفكري والانحراف السلوكي في موالاة واحترام وتقدير الحكام المتورطين في تلك الانتهاكات الخطيرة الغير مبررة في كافة الشرائع السماوية والوضعية وبخاصة في عالمنا المعاصر.
كما انها تفرض واجبا منسيا على الشعوب في ان تعيد الاعتبار للضحايا وان تعوضهم ولو معنويا عن تلك الحياة المرعبة!.
يشترك الكتابان في القصة ذاتها ولكن التفاصيل هي مختلفة وبخاصة كتاب الضيوف لرؤوف الذي يتناول بطريقة تفصيلية الاحداث السياسية للمغرب بطريقة اكثر دقة وبخاصة انقلاب الصخيرات عام 1971 او انقلاب اوفقير عام 1972 واللذان فشلا مصادفة في تصفية الحسن الثاني وانقاذ البلاد من شروره وزمرته المنحرفة!... هذا بالاضافة الى ان كتاب رؤوف هو من تأليفه المتميز بتقنية عالية في الوصف والاشارة خاصة وان له اسلوب جميل دال على امتلاكه مشاعر انسانية عالية بينما كتاب اخته الكبرى مليكة لم يكن من تأليفها لوحدها بل ساعدتها صديقتها الصحفية ميشيل فيتوسي في فرنسا في التأليف والنشر!...وهما مكملان لبقية اصدارات افراد الاسرة مثل كتاب الوالدة فاطمة القيم والمسمى حدائق الملك الذي استعرضناه سابقا وكتاب سكينة اختهم... ولكن الصفة العامة في كتب الاسرة هي في دقة الوصف وروعته للحياة والمعاناة من الناحية الادبية والتاريخية في دلالة واضحة على حيازة افراد الاسرة لثقافة عالية سهلت عليهم الدخول من جديد لعالم رفضهم او تنكر لهم في لحظة بحجة انتمائهم البيولوجي لاحد الجلادين.
يتضمن الكتابان السيرة التفصيلية لحياة الاسرة في فترة الرخاء والشدة!...ولم يخلوان من مدح الوالد الذي تلطخت يداه بدماء الابرياء وكان مدافعا شرسا عن الطغيان الملكي الذي سحقه بدون رحمة في النهاية! او تبرير بعض اعماله،ان ذلك الامر متوقعا من ابناءه ولكن في هذه الحالة لا يمكن الوثوق بدرجة عالية في مستندات الدفاع عنه!.
وكتاب السجينة يتضمن تفاصيل اكثر وادق عن الحياة السرية للبلاط الملكي المغربي المتسمة بصفات القرون الوسطى وطبائعها من تخلف وهمجية تصاحبان شهوة الحكم وملذاته التدميرية للنفس البشرية!...كما ان بعض اسرار القصر بثتها ولكن ليس بالتفصيل الدقيق المفيد للدراسات التاريخية التوثيقية بل اشارات تناسب حجم الكتاب ودالة على تلك النوعية من المعيشة المرفهة التي تصاحبها اذلال وارهاب للحاشية ولبقية افراد الشعب الذين عاشوا محنة الفقر والجهل والتخلف بينما يعيش نظامهم في عالم آخر لا يمت اليهم بصلة.
مظاهر العبودية والانحلال التي صاحبت حياة الحسن الثاني وبعض افراد حاشيته كانت مثالا رهيبا على تلك النوعية من الممالك في العالم الثالث!.
وقد تأثرت المغرب كثيرا بالحكم الديكتاتوري لتلك الاسرة حتى انها مازالت من اكثر البلاد تخلفا وفسادا في كافة النواحي بالرغم من التغييرات العالمية الكبرى خلال العقود الاخيرة.
كانت حياة افراد الاسرة قبل الاعتقال تتميز بالاستهتار والبذخ والعيش ضمن عالم منفصل عن الحياة الواقعية لاغلب المغاربة...وقد كانت آثار تلك الحياة واضحة حتى اثناء فترة الاعتقال ومابعدها ولم يكن للوازع الديني اي تأثير في تقويم الكثير من الافكار والسلوكيات كما هو شائع عن الاسر المتنفذة حتى ان مليكة غيرت دينها بطريقة واضحة دالة على سذاجة فكرية وضعف وعي وبقاء آثار السلوك المتحرر من القيود الدينية والاخلاقية اثناء فترة المراهقة، بحجة ان الاسلام لم ينفعها في محنتها او ان الجلادين ينتسبون اليه! وكأن الاديان حسب رؤيتها تلك هي السبب الوحيد في محنة البشر في العالم! بدلا من الاشارة الى ان قصور فهم الدين واستغلاله لدى البعض هو السبب الرئيسي والا لكان اضطهاد اتباع الديانات الاخرى من قبل ابناء ملتهم هو سببا كافيا لتغيير ديانتهم ولوجدنا تغييرات مثيرة في الانتقال بين الاديان على مدار التاريخ!.
المعاناة الرهيبة لافراد الاسرة في فترة الاعتقال الطويلة هي مثال على الوجه المظلم لتاريخ الانسان الاسود القبيح...فبالرغم من الوصف الدقيق لتلك المعاناة التي عانتها اسرة اوفقير الا ان درجة الوحشية لبني البشر قد تجاوزت بكثير في مناطق مختلفة ذلك النوع البطيء من تعذيب البشر واذلالهم حتى لو كانت ضمنهم  فئات ضعيفة!.
اجمل ما في الكتابين هي فصل الهروب الشهيرة عام 1987 الذي ساعدهم في الخروج من القبر الذي دفنهم الملك احياء،والاتصال بالعالم الخارجي حتى وضعت الطاغية واعوانه ضمن موقف حرج كشف للعالم مدى ضحالتهم وخستهم ووحشيتهم كما كشف كيف يكون حجم النفاق الدولي في اغفال حقوق الانسان او التنكر لها.
ان تلك القصة ومثيلاتها هي ضرورية لتعليم الاجيال القادمة كيفية احترام حقوق الانسان وعدم الركوع تحت اقدام الطواغيت ايا كانوا ومهما وصلت درجة طغيانهم...كما ان امثال تلك القصص هي مشاركة ولو رمزية في الاحساس بمعاناة البشر المظلومين.
الكتابين جديرين بالقراءة والتأمل واستكشاف حقائق مجهولة بدون نسيان استخلاص الدروس والعبر التي يتجاهلها الانسان غالبا!...

هناك 5 تعليقات:

ماجد القاضي يقول...

السلام عليكم

أسجل إعجابي من جديد بهذا العرض الشائق والوافي - في رأيي- لهذا الجانب الذي لم ألجه كثيرا في قراءاتي.. ربما لكآبته المتوقعة!!

لكني رغم ذلك مررت به في قراءتي لكتاب: أيام من حياتي، عن الحاجة (زينب الغزالي) في سجون الطاغية عبدالناصر.
وكذلك سلسلة: سنة أولى سجن - سنة تانية سجن - سنة تالتة سجن، عن فترة اعتقال الصحفي الشهير (مصطفى أمين) في سجون نفس الطاغية، وكذلك بعض الكتب عما حدث للإخوان المسلمين من مآسي يندى لها الجبين في سجون نفس الطاغية!!!

لكن أفضل ما قرأت في هذا المجال في (شكل أدبي) هو مؤلفات الأديب الراحل (نجيب الكيلاني).

تحياتي..

هيلة يقول...

رائــع جدا أستااذي .. قراءه واافيــه ..

لك جُل التحاايا ..

freebook يقول...

العزيز ماجد...تحية طيبة
تعليقك الكريم هو مكمل للادراج اعلاه...
بالفعل ان الكتب التي ذكرتها هي نماذج مثالية لهذا الادب الشهير...
تناولت في شرح سابق في الارشيف لشهر تموز 2009 كتاب حديقة الملك لامهم فاطمة اوفقير وقبله موضوع عن انتقام ملك...وللسهولة اكثر يمكن رؤية المواضيع في ارشيف المدونة الاخرى في مكتوب على الرابط التالي لذلك الشهر
http://freebook.maktoobblog.com/date/2009/07/
وكتب تلك الاسرة هي مكملة لبعضها البعض...
دمت بخير...

freebook يقول...

العزيزة هيلة...تحية طيبة
سعيد بمرورك الكريم هنا...
خالص تقديري...

Amwaj يقول...

كما عهدتك دائما أخي مهند مبدع ومتقن في انتقاء كل ما هو مفيد وجميل

دمت بخير :)