إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2010/02/18

اسطورة التغيير الفوقي - القسم السابع والخمسون

اسطورة التغيير الفوقي -القسم الساسطورة التغيير الفوقي -القسم السابع والخمسون
المبحث الثامن:
العداء المتبادل بين الشعوب!
التعبير الصادق عن سوء العلاقات بين الانظمة الفوقية يتمثل بأسوأ حصيلة ثقيلة وهو الكره المتبادل بين الشعوب!...انه من السفاهة ان يتم اتباع انظمة فاسدة تتحكم بها طبقات فوقية سائدة في علاقاتها مع انظمة وشعوب اخرى! بينما يتم رفضها في بقية الاجراءات الاخرى...الرفض اما  ان يكون شاملا او لا!اما كيف تنجر شعوب بأكملها الى السقوط في مستنقع الكراهية والحقد ومتبعة طريق اولياء الامر المعصومين؟! فتلك هي من نتائج فقدان الوعي الجمعي واتباع الغرائز التي تتحكم في بعضا منها،غرائز التملك والتحكم والعيش برفاهية مفرطة ولو على حساب الاخرين الى اخره من الغرائز المتحكمة بالسلوك الفردي الذي يصبح جماعيا في ظل فقدان سيطرة اصحاب الحل والعقد من العقلاء على مقاليد الامور...
لقد سبب الصراع بين الدول مشاكل كارثية على المستوى العالمي منذ بدء الخليقة! فقد اصبح الشر يعم دون ان يجد من يوقفه لكون الالة المتحكمة فيه جهنمية لا تعرف للرحمة والشفقة معنى يمكن ان يحد من عملها،ولذلك كان اعظم أثر جانبي يتمثل في استمرار حالات الكره والحقد والعداء المتبادل الى فترات زمنية طويلة تتغذى على التاريخ الاسود في العلاقات الدولية...
خلال فترات الصراع بين الدول المتحكمة بها فئات فوقية يشترك في النزاع غالبية فئات المجتمع لكون فئاته الفوقية تجبره بطريقة او بأخرى على المشاركة او تحفز فيه الرغبة فيه من خلال الحصول على جزء من الغنائم! او ارهابه بأن فقدان النصر معناه فقدان املاك الوطن وانتهاك حرماته،ويكون ذلك كله خاضع لعملية غسيل دماغي شعبي يصبح المعارض لها بمرتبة الخائن او العاصي الذي يجب اقتلاعه او في اقل الاحوال منعزلا عن الجميع وبالتالي تكون الحالة اكثر سوءا من خلال شمول فئات بعيدة كل البعد عن كل مجريات الصراع وقذارته وخاصة الفئات الثلاث التي تنتهك حرماتها بأستمرار ومتسببه بكوارث وجرائم لا حدود لها!...
لا تحترم قواعد السلوك الانساني خلال النزاعات والحروب وبالتالي سوف تكون نتيجة ذلك خلق حالة رد فعل من الطرف الاخر تستمر فترة طويلة من الزمن يحاول خلالها السير على نفس المنهج الدموي وبالتالي فأن الاطراف جميعها تصبح خاضعة لمنطق العداء والرغبة في الانتقام تستمر في الذاكرة الجمعية لفترة طويلة ويستثنى من تلك الحالة اذا كان احد جانبي الصراع متوحشا ضد ابنائه الى درجة يتمنون فيه خسارته على يد الخصم الاخر الذي يكون في حالة ارفع سموا منه وبالتالي فأن للقاعدة ايضا شواذ تتم الاشادة بها دائما في التاريخ...
تتكون الالة العسكرية والامنية من افراد الشعب ويشكلون احيانا جزءا مهما منه اذا اضفنا اليه افراد اسرهم،وهؤلاء هم وقود الحروب والصراعات وعندما يمارسون الفضائع والتي تكون عملية طبيعية في الصراع المسلح لان اساسه هو ابادة الاخر او أذلاله ! مما يعني ان صفة المشاركة سوف تنتقل الى غالبية افراد الامة والذين يكونون مهيئين لتلك العملية المشينة دون ان يشتركوا فيها او يحصلوا على فوائدها وبالتالي حصاد العداء من قبل الاخر الذي يكون في نفس الحالة من السوء.
العداء المتبادل بين الشعوب ليس حديثا بل هو قديم ولكن الاكثر اثارة للسخرية انه يستمر رغم نهاية الدول المتحكمة بمصائر شعوب متعددة وزوالها من الوجود!.
وعند قراءة استعراضية للتاريخ يتبين لنا ان أثر الصراعات مازال موجودا لحد الان ويظهر بين الحين والاخر على شكل نتاج ادبي يحاول البروز من خلال العيش على الذكريات المريرة والذاكرة التي تكون غالبا مزيفة واستخدامها كمجالات متاحة للابداع المتهافت! برغم ان الاجيال قد تبدلت ومعها تغيرت المصالح المشتركة الا ان توارث العداء والاحقاد اصبح سمة سائدة للبشر الذين يوصفون انفسهم بسادة الكون لكونهم عقلاء فيه ويختلفون عن الكائنات الاخرى!...
ومن بين تلك الصراعات الدموية التي ولدت حقدا وكرها متبادلا هو بين العالم الاسلامي والغرب المسيحي! برغم ان الاثنان يدينان بدينين سماويين يحثان على الحب والسلام والتعايش السلمي!...وقد جاء ذلك من جراء التوسع الاسلامي ضد الحضارات التي كانت سائدة خارج شبه الجزيرة العربية والتي تحكمها نظم مستبدة يحاول المسلمون تحرير شعوبها ومنها الحضارة الرومانية المسيحية التي استمر الصراع معها قرون طويلة بعكس انهيار الامبراطوريات الاخرى الوثنية بسرعة ! ولكن اغلبية الفتوحات قد وقع اثناء الخلافتين الاموية والعباسية واللتان كانتا بالاسم مسلمتان والعثمانية الى حد ما، بينما هي في الحقيقة ممالك لاتختلف في وحشيتها وفسادها عن وحشية وفساد امم الغرب في حينها،وساعدت الالة الاعلامية المزيفة التي يمدها المغرضون وكتاب كل حكومة زائلة!(لا تزول آثارهم المكتوبة برغم زوال دولهم!)، بالاخبار المبالغ فيها والكاذبة في اشعال نار الفتنة بين الطرفين ظهرت في الحروب الصليبية والتي كانت بشعة الى ابعد الحدود ومثال بارز على قوة العداء في نفوس الشعوب دون ان تعي حقيقة ذلك العداء والحقد والريبة المتبادلة،ولم تنتهي حالات العداء والكره المتبادل بعد انتهاء الحروب الصليبية بل استمرت طويلا من خلال ظهور الاستعمار الاوروبي وتحكمه بغالبية شعوب العالم الاسلامي! مما ساعد على ادامة ذلك الصراع بطريقة مثيرة للاشمئزاز بحيث لم تنتهي بأنتهاء الاستعمار بل استمرت لحد الان بالرغم من انعدام حالات الصراع المسلح بين الطرفين الا انه عودة العداء المتبادل قد ظهرت بصورة نظريات عديدة وكان اخرها صدام الحضارات ثم تطورت الى تطبيق عملي جديد من خلال احداث سبتمبر 2001 ! وما تلاها مما ادى الى شيوع حالة الهياج الجماهيري الغير منضبطة في العداء ورفض الاخر عادة متسببة بكارثة انسانية اصبحت متحكمة في السلوك الرسمي والشعبي!...وبالرغم من ظهور نظريات ودعاوي التعايش السلمي من قبيل حوار الحضارات الا انها فشلت في تحقيق ما تصبو اليه من آمال مشرقة(غالبا ماتنجح دعاوي العداء والتفرقة بين البشر وتفشل دعاوي السلام والاخاء!!)...
من المثير ملاحظة ان مساحة العداء بين شعوب العالمين الاسلامي والغربي هي اكبر منها مع الشعوب الاسيوية غير المسلمة مما يعني ان الاديان السماوية لم تؤثر بطبيعة وسلوك تلك الشعوب الى درجة تحكمها بغرائزها !بينما بقيت الشعوب البدائية او التي تدين بالوثنية بعيدة الى حد ما من المشاركة في هكذا عداء!وقد يعود ذلك الى ان تلك الشعوب تحكمها عقيدة ضعيفة التاثير على الاخرين وليست لها القدرة على الصمود والتصدي لكافة الاشكالات النظرية مما يضعها دائما في موقع الدفاع المستمر الذي يخلو في حالة تمكنه من الهجوم على الاخر!...
ليس العداء والحقد والكره المتبادل منحصرا بين حضارتين تجمعان شعوبا بأكملها، بل هو ايضا يقع في داخل شعوب كل حضارة بل ايضا ويقع داخل فئات الامة الواحدة مما يعني انه ليس هنالك حدود للعداء والكره،من قبيل الاكراد في البلاد التي يتواجدون فيها او السيخ في الهند او قبائل الهوتو والتوتسي في رواندا وبوروندي.... ومن الخطأ وصف حضارة ما بأمتلاكها لصفات الانقسام الحاد بين مختلف شعوبها دون غيرها وانما ذلك يخضع لدرجة القمع الحكومي ومدى التأييد الشعبي الجزئي له! هذا يعني انها صفة عامة يمكن رؤيتها مع شديد الاسف في كل بقاع الارض ولكن تختلف درجة درجات العداء والكره بأختلاف درجات وحالات الصراع ومدى شموليتها!...
امثلة منتخبة:
يمكن رؤية حالات العداء والحقد ظاهرة لحد الان بين الانكليز والايرلنديين نتيجة لحالات الاستعباد والاستعمار الطويلة من جانب انكلترا لايرلندا ولم تشفع حالة الديمقراطية في البلدين الا في تقليل مستواها الى ابعد حد رغم ان الذاكرة الجمعية  للشعبين والتي تتمثل بتراث ادبي واجتماعي بشع، مازالت محتفظة ببعض آثار تلك الصراعات الدموية المخزية...
ويمكن ملاحظة شعوب عديدة اخرى ايضا مازالت تحتفظ بعدائها للانكليز سواء في اوروبا او في العالم الثالث وهذا ناتج من التاريخ الاستعماري الطويل مما يعني ان بناء امبراطوريات استعمارية تتحكم فيها فئات عليا متحكمة هي مسبب رئيسي لحالات العداء والصراع المتبادل بين الشعوب بينما تكون حالة التعايش السلمي بين الامم الحرة سببا رئيسيا في ازدهار الحضارات ورقيها فضلا عن سيادة مشاعر الاخوة المتبادلة التي تحفظ للجميع حقوقهم وتجعل حالات النزاع منحصرة في اطرها الرسمية السلمية دون ان تصل الى المستوى الشعبي الذي يغلب عليه عدم الانضباط والقدرة في التحكم بالمشاعر الداخلية...
او في مثال آخر في عداء الكثير من الشعوب التي خضعت للامبراطورية الروسية في زمن القياصرة ثم الاتحاد السوفييتي السابق بما في ذلك شعوب اوروبا الشرقية بعد ذلك...
اما في العالم الاسلامي فمازال العداء والكره منتشرا بين شعوبه الى درجة توصف بالكارثية لانها سببا رئيسيا لاستنزاف الموارد والجهود التي كان من المفروض ان تكون للبناء والتعمير وترقية النفوس!...
ان التيارات القومية لا بد لها في النهاية ان تصل الى درجة التعصب(مع اختلاف درجة الشدة)! من خلال صراعها الحتمي مع القوميات الاخرى وهي بذلك تكون احد اهم الاسباب في ديمومة الصراعات والاحقاد ويمكن ملاحظة ذلك في بعض حالات العداء القومي بين العرب وبين الطرفين الفارسي والتركي اللذان تحكما بجزء كبير من العالم العربي او بالعكس وبرغم ان حالات الوفاق تضعف درجة العداء الا انها تظهر بسهولة من جديد وتستشري الى درجة عجيبة أثر اي صراع سياسي متجدد مما يعني ان مرتكزات التفكير مازالت تعتمد في سلوكها على ذاكرة جمعية قديمة لا تزول بسهولة اي جمر تحت الرماد!...
اما داخل شعوب العالم العربي فالحالة وصلت الى درجة مثيرة اصبحت معها مباراة رياضية او جريمة قتل فردية تثير العداء والاحقاد ليشمل فئات اخرى عديدة من المجتمع والاكثر غرابة هو مساهمة الفئات المثقفة وبعض الرموز الدينية في الصراع بل وقيادته بدلا من الوقوف بحزم امامه خاصة اذا عرفنا ان من يقف ضد مواطنيه في عدائهم وحقدهم سوف يكسب الاحترام والتقدير من الجانب الاخر ويكون خير رسول للسلام والمحبة ،ولكن درجات الانحطاط والتردي الحضاري اصبحت مرعبة لدرجة اليأس الشامل من توقع اي تغيير يمكن ان يحرر الجميع من ذلك السلوك الهمجي المخالف لكل الفضائل الانسانية...
من اسباب العداء الواهية هي تحميل شعب ما بذنب نظامه القهري او جيشه لكون ان النظام واجهزته العسكرية والامنية نفسها لا تتردد في قمع شعبها بنفس قسوتها تجاه الاخر ان لم يكن اكثر! ثم ان الاخر هو نفسه يمارس نفس القسوة مع شعبه ولكن تختلف درجات الحدة بأختلاف حجم الدولة وقسوة نظامها ونوعية الايديولوجية السائدة ،فهل يمكن القول ان شعوب الاتحاد السوفييتي السابق مسؤولة عن حروب وجرائم ستالين او الشعب الفرنسي عن حروب نابليون او الالماني عن حروب هتلر كأمثلة نموذجية من التاريخ المليء بأمثال لا تعد ولا تحصى هذا يعني براءة الشعوب المستضعفة حتى في حالة الدول التي تتبع الديمقراطية منهجا ثابتا للحكم من تبعات وآثار انظمتها !وهذا يعطي تأكيد على ان براءة نظام ما من عداء وحقد تجاه الاخر هي معدومة في عالم يعيش منذ بدايته في غابة يسود فيها القوي ويذل ويحطم الضعيف!...
يبقى المثال الاروع في تجاوز حالة العداء والحقد والريبة الى حالة التحالف الرسمي المرتكز على قاعدة شعبية متينة هو في حالة المانيا وفرنسا المتجاوران واللذان خرجا من حروب مدمرة بينهما سببت مآسي كثيرة الا ان ابتعاد البلدين عن حالة الحكم الاستبدادي الذي تتحكم به فئات فوقية الى حالة الحكم الديمقراطي المستند على قواعد الليبرالية والارادة الشعبية برغم اختلافهما اللغوي والتاريخي الكبير جعل منهما نموذجين مثاليين للتعايش السلمي الفريد حتى انهما تفوقا في درجة تحالفهما في مرات عديدة ضد من قام بتحريرهما من النظام النازي ونقصد به امريكا!! مما يعني ان لنوعية النظام السياسي والاجتماعي تأثيرا كبيرا في ازالة حالات العداء والاحقاد المتبادلة وبناء حياة جديدة خالية من اي اثر او على الاقل جعله محصورا ضمن نطاق ضيق لا يسمح له بالنمو والسيطرة...

ليست هناك تعليقات: