إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2008/12/22

قرأت لك - الكتاب الخامس

قرأت لك
مختصر وتحليل وتعليق ونقد للكتاب
في سبيل موسوعة معرفية مختصرة
(5)
المقدمة:
التاريخ علم له قوانين واسس منطقية ولكن قلما يلتزم بها المؤرخ،قد يلتزم ببعض القوانين وطريقة البحث،ولكن من النادر الالتزام بالموضوعية المطلقة،وحتى لو كان محايدا فأن فلتات لسانه وقلمه تبرز للعيان وهو بالطبع انسان غير معصوم من الخطأ،لكن الخطأ الاكبر هو الالتزام والاعتقاد بصدق ما يقوله ويكتبه المؤرخون ولذلك وجب الحذر عند قراءة التاريخ،وبما اننا الان نحن نعيش في عصر ثورة التكنولوجيا والمعلومات والتي تجاوزت الحدود والافاق،فأن هذا لم يمنع الكذب والتزوير وتحريف الوقائع واحيانا بوقاحة لا مثيل لها ولاتقف بوجهها اي قوانين او التزام ادبي واخلاقي وديني فكيف كان الحال قبل مئات السنين عندما كانت وجهة النظر الرسمية للحكام هي السائدة والتي وصلت الينا دون ان يبقى من آراء المعارضين الا النزر اليسيروالتي احيانا تكون الحقيقة فيها،وهذا الكلام لا ينطبق على طبقة معينة بعينها بل ينطبق على الجميع سواء مؤرخين او سياسيين او صحفيين او غيرهم ما دام الجامع واحد وهو نشر التاريخ من وجهة النظر الشخصية او الالتزام بفكر او عقيدة معينة والتي قد تكون احيانا مخالفة للحقيقة المطلقة،والتاريخ هو العلم الاكثر تعرضا للتشويه بحكم كونه يمثل حياة الشعوب والامم في الماضي والحاضر وهو الضوء الذي ينير الدرب نحو مستقبل مشرق،وبالتالي فأن الجميع يحرص ان يكون حسب ما يتمناه او ما يمثل وجهة نظره دون اعطاء اهمية للحقيقة اذا كانت تتعارض مع الفكر او الرأي السائد،او الغاء التاريخ الذي يحتوي احداث ووقائع سوداء تبرز الوجه البشع لحياة افراد او ملل بأكملها،ولذلك يجب قراءة التاريخ من جميع مصادره حتى يمكن المقارنة وتسهل علينا بأستخدام الاسس المنطقية استخلاص الحقائق منه.
هناك الكثير من التجارب والعبر للمؤرخين خاصة الذين يمتلكون مقدرة عظيمة على ابراز تاريخ الانسانية بجميع جوانبه المشرقة والموحشة والتعليق والشرح اذا امكن بموضوعية،لذلك تبرز اهمية مؤلفات المؤرخين والباحثين التي تتحدث عن خلاصة تجاربهم الشخصية فهي تكون لنا مثل السراج المنير الذي يمنحنا القدرة على معرفة الحقيقة الكاملة المجردة من الاهواء،ولذلك تبرز لنا اهمية الكتاب التالي ومؤلفه.
الكتاب الخامس
عبر التاريخ
ول واريل ديورانت


الكتاب:عبر التاريخ،تأليف ول واريل ديورانت،والصادر من بيروت في طبعته الاولى عام 1993م والمكون من 155ص قطع صغير في طبعة انيقة.
المؤلفان: المؤرخ الامريكي الشهير ول ديورانت(1885-1981) وزوجته التي كانت ايضا مساعدته الاولى في تحرير مؤلفاته،اريل ديورانت(1898-1981).
في الكتاب لمحة مختصرة عن سيرتهما،اختصرهما لكم:ولد في بوسطن ودرس في عدة مدارس واديرة وجامعات ثم عمل استاذا في عدة مدارس وجامعات،تزوج عام1913م من تلميذته وهي من مواليد روسيا(ومذكور خطأ مطبعي ولادتها1889والصحيح هو1898).بعد نجاحه غير المنتظر في كتابه(قصة الفلسفة)المنشور في العام 1926 تخلى عن التدريس في العام 1927م.
بعد ذلك كرس هو وزوجته تقريبا كل ساعات عملهما(من8-14 ساعة يوميا) لكتابة مجلدات موسوعتهما التاريخية الشهيرة(قصة الحضارة) وفي الترجمة للكتابين السابقين موجود كلمة تاريخ والاصح قصة.تجولا في مختلف انحاء العالم حرصا منهما على اعداد نفسيهما لاتقان عملهما هذا،طبع الجزء الاول عام1935 واخر مجلد كان 1975 والموسوعة تتكون من 11 مجلد ضخم او عشرات الاجزاء حسب الطبعة،والتي تجاوز عددها العشرات،ولهما العديد من المؤلفات الاخرى منها بعض الروايات. توفيت اريل بتاريخ 25\10\1981م ولحق بها زوجها بعد ثلاثة عشر يوما فقط اي في 7\11\1981 وكان اخر كتاب لهما نشر عام 1977 عنوانه(سيرة ذاتية مزدوجة).
وطبعا موجود في شبكة الانترنت معلومات تفصيلية عنهما،كما موجود موقع باسمه باللغة الانكليزية وتوجد معلومات ايضا باللغة العربية والموقع الخاص به هو:
http://www.willdurant.com/home.html

كما توجد له ترجمة في موسوعة الويكيبيديا في: http://en.wikipedia.org/wiki/Will_Durant
كما توجد بعض كتبه في محرك البحث الشهير كوكل،ويمكن مراجعة ذلك.
يعتبر ويل ديورانت اشهر المؤرخين في امريكا،ومن اكثرهم حيادية ومنهجية في البحث كما تمتاز مؤلفاته بالتبسيط في العرض والتحليل لذلك كانت السبب في شهرتها وازدياد قيمتها العلمية.
كتاب(عبر التاريخ)هو في الحقيقة خلاصة ما توصلوا اليه من نتائج على موسوعتهم القيمة(قصة الحضارة) وهي ملاحظات ونتائج قيمة من مراجعتهم لتلك الموسوعة،وهو في غالبيته يتحدث عن علاقة التاريخ مع العلوم الاخرى والعبر الناتجة من تلك العلاقة،وقد تم اختصارها في 13 مبحث او حلقة مختصرة.
في الحلقة الاولى وتحت اسم ترددات:
يطرح المؤلف سلسة رائعة من التساؤلات الهامة والتي تواجهة المؤرخ عندما تصل الدراسات الى نهايتها،وهي في الحقيقة تحديات نفسية تواجهة الكثير من الباحثين في مختلف الميادين خاصة التي لا تعطي نتائج مادية ملموسة تعين صاحبها على مواجهة مشاكل الحياة وتعقيداتها المختلفة،فيكون اول تساؤل له:عن فائدة ما قام به من ابحاث؟وهل قصد اشباع ميل اثناء عمله في وصف ارتقاء الامم والافكار وسقوطها؟هل اطلع القارئ على طبيعة الانسان اكثر؟وهل حقق بتدوينه التاريخ اي تنوير عن الاحوال الحاضرة او توضيح في الاحكام والسياسات او اي تحذير من مفاجأت التغيير وعواقبه؟وهل اوجد توازنا بين احداث الماضي ومصير البشر والدول في المستقبل؟ويتسائل هل يعقل ان لا يكون للتاريخ اي معنى،او لايقدم لنا اي عبرة؟.هذه جملة من التساؤلات التي تعطي الشك للباحثين اثناء القيام بعملهم البحثي، وفي الحقيقة ان ول واريل ديورانت لم يجيبا بصورة تفصيلية عن تلك الاسئلة الهامة التي تم طرحها لكن هناك بعض الاجابات المختصرة في متن الكتاب عليها.وفي اعتراف هام من مؤرخ مشهور،يعترف بأن معرفة المؤرخين بأي امر سابق هي دائما غير كاملة وعلى الارجح غير دقيقة،يكتنفها تباين مختلف الروايات،وفي اعتراف اخر يعترف بعدم حيادية وموضوعية جميع المورخين،لان المؤرخ في رأيه يختصر دائما وسرعان مايميل الى فئة معينة من الاعمال،دون ان ننسى تأثير الانتماءات الوطنية والدينية.
في الحلقة الثانية:تحت اسم التاريخ والارض،يعرف تاريخ البشرية بأنه حقبة وجيزة على مدى الازمان،واول عبرة نستخلصها منه هي صغارة الانسان بالنسبة لعوامل الطبيعة والكون،وكثيرا ما يخضع التاريخ لتغيرات طبقات الارض،وكذلك تقلبات الطقس فهي في الغالب لا تتحكم بمصيرنا،بل تحد من تحركنا لان براعة الانسان كثيرا ما تغلبت على عناصر الطبيعة.وفي رأي المؤلفان ان الجغرافيا هي رحم التاريخ وأم الانسانية التي ربتها ونظمت حياة بنيها،فالانهار والبحيرات والواحات اجتذبت السكان الى شواطئها وضفافها،لان المياه حياة كل كائن حي وكل مدنية،ولو تطلعنا الى خارطة العالم لوجدنا الحضارات من اقصى الشرق الى اقصى الغرب تكونت في أنماط واماكن متشابهة جغرافيا.وفي الحلقة الثالثة: علم الاحياء والتاريخ،يذكر المؤلفان بأن التاريخ هو قسم من علم الاحياء،لان حياة الانسان رهينة تقلبات العناصر البرية والبحرية،وهكذا نجد ان هيمنة نواميس علم الاحياء هي من اهم العبر الاساسية التي يلقيها علينا التاريخ واننا عرضة لشتى التبدلات بصفتها من حتميات التطور،واننا اسرى نضالنا من اجل البقاء على قيد الحياة بأفضل حالة ووسيلة ممكنة.
وقد اقر المؤلفان بوجود عدة عبر للتاريخ من ناحية علم الاحياء،الاولى :هي ان الحياة منافسة وان المزاحمة ليست قوام التجارة وحدها،وانها سلمية في حالة وفرة الاغذية وعنيفة ضارية عندما تفتقر الافواه الى الطعام،فيحذو الناس حذو الحيوانات التي يفترس بعضها بعضا في تنازع البقاء بحكم ناموس الطبيعة،بينما التعاون المثمر يزيد المجتمع نموا وازدهارا. ثانيا: ضرورة وجود النخبة في الحياة،ففي التزاحم على الاغذية او الصداقة او النفوذ،يتوفق البعض،والبعض الاخر يخفق،لان في الناس من هم اوفر استعدادا واغزر مواهب من سواهم في نضالهم لاجل البقاء والنجاح. وما دامت طبيعة البشر ونعني هنا واقعهم الاليم وشتى اساليبهم الغريزية لم تستوعب اعلان حقوق الانسان،علينا ان ندرك اننا ولدنا جميعنا غير احرار وغير متساوين ،بل اسرى تراثنا البدني والنفسي،وعاداتنا وتقاليدنا ونظام بيئتنا.والاختلاف بيننا كامن في الصحة والقوة والمواهب والصفات والاخلاق.فالفروقات اذا طبيعية موروثة،وهي قابلة الازدياد كلما تفاقمت تعقيدات المدنية،والنمو الاقتصادي يضاعف رفعة الاختصاصيين ويعلي شأنهم بين الماهرين ويجعل الناس غير متعادلين في ميزان الكفاءات ضمن نطاق بيئتهم.
عدم المساواة والحرية خصمان لدودان دائمان،عندما ينتصر الواحد ينهزم الاخر،فلندع المتنافسين احرارا وبذلك تتضاعف الفروقات بينهم بأستمرار،ولا يرغب بالمساواة الا من تدنت مقدرته عن المعدل في المهارة الاقتصادية،وعلم الاحياء لا يقر بمثالية المساواة في المواهب،ولا يسوغ لاي فيلسوف ان يحلم بغير تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير فرص النجاح والثقافة للجميع.وتزداد المزاحمة قسوة كلما انصبت الجهود على ازالة الميزات والمسافات وهذا يقوي المجابهة كما يحصل ذلك بين الدول. ثالثا:هو وجوب استمرار الحياة بالتناسل،اذ ليس للطبيعة من حق في مساندة الاجهزة او الانواع او الفرقاء الذين لا يسعون الى تكاثر اعدادهم،ولا فرق للطبيعة بين التمدن والبربرية،ولا اهمية في نظرها لكثرة الولادات التي تنبثق عنها عادة جهالة هزيلة العلم،ولا لقلة الولادات التي تؤدي الى حضارة عالية الثقافة،ان ما ترمي اليه الطبيعة المقصود هنا هو التوالد والتزاحم وتوفير النخبة في تنازع البقاء،ولو فاق عدد مواليد البشر كمية المواد الغذائية لعالجت الطبيعة هذه المعضلة كي يستقيم الميزان بعوامل ثلاثة:المجاعات والاوبئة والحروب،ولقد شرح توماس مالتوس في كتابه المنشور عام 1798 ، قائلا:لولا التوازن بين عدد الولادات البشرية مرحليا وعدد الوفيات،لفاق تكاثر الافواه،كمية المنتوجات الغذائيةمهما كانت هذه وفيرة.ونصح بالتقليل من الانجاب بالامتناع عن الجماع المؤدي اليه. لكن تقدم الزراعة وتقنية منع الحمل خلال القرن التاسع عشر دحضا كلاهما اقوال مالتوس،وقد ازداد انتاج الغذاء في الدول المتقدمة وبذلك ابعد شبح المجاعة في العالم،ولكن لو تمكن مالتوس لاجاب طبعا بأن هذا الحل اجل الكارثة ولم يعالجها نهائيا،لان خصب الارض له حدود،والولادات سوف تتفوق على الوفيات،وحالت العناية الصحية دون ازدياد النخبة،اذ امنت سلامة غير الجديرين وصانت حياتهم،وتفنيد ذلك ان تقدم الصناعة وتنظيم المدن وتعليم الناشئة وتحديد النسل هو الرد الوافي على زعمه. ما من شك ان وسائل تحديد النسل افسدت الميزات الوراثية،اي انها حطت من المستوى الذهني في الامة التي لجأت اليها،لان هذه الوسائل استخدمتها على الارجح فئة الاذكياء اكثر من البسطاء،ربما كانت الحيوية الطبيعية من الوجهة البيولوجية عند الولادة لدى المخلوق العادي اوفر فعالية منها لدى المثقف الكريم الاصل،لذا اعتقد نيتشه ان افضل دم في المانيا يسري في عروق الفلاحين،وان الفلاسفة ما كانوا يوما انسب الناس لانجاب نسل متفوق.
ويؤدي تكاثر الولادات وقلتها لدى اخرين الى تفوق العنصر المتكاثر وسيطرته بالتدريج على شؤون السلطة،ويعرض المؤلفان مثالا على ازدياد نفوذ الكاثوليكية في امريكا،وكذلك في شعوب اخرى.
في الحلقة الرابعة: وتحت اسم الاعراق والتاريخ،ذكر المؤلفان ان عدد الملونين فاق عدد البيض،الضعف تقريبا،كما ذكرا ان كثيرين من البيض اغتبطوا من دراسة كوبينو في منتصف القرن التاسع عشر حول عدم المساواة بين اجناس البشر،وان العنصر الآري يتحلى بمزايا متفوقة على جميع ما عاداه،ومن بين ما ذكره كوبينو،ان حسنات البيئة غير كافية لانتشار الحضارة،اي الانهار التي اخصبت التربة والتي انشئت اعظم الحضارات في الشرق الاوسط، لم تنشأ اية مدنية بين الهنود الحمر في امريكا الشمالية رغم ان اهاليها عاشوا في ارض خصبة على طول ضفاف انهار ممتازة،اما دواعي انحلال المدنية فهي فساد الجنس والاصل والعرق،ويذكر ان تفوق البيض في امريكا وكندا ناتج من عدم حصول التزاوج مع الهنود الحمر،بينما كان نصيب البيض عكس ذلك في امريكا اللاتينية عندما حصل هذا التزاوج،والضعفاء الذين انبثقوا من تمازج كهذا وحدهم ينادون بتساوي الاعراق.وفي تحليل بارع يدل عمق فكرهما،يذكر المؤلفان عدد من المؤلفين وبعض مؤلفاتهم وابحاثهم التي توصلوا اليها من خلال دراساتهم حول العرق والاجناس والحضارات،ففي عرض لبعض نتاج هؤلاء وفي طريقة ذكية لاثبات بطلانها،يذكر كل واحد من هؤلاء مدى تفوق عرقه او بلده وهي تبيان لمدى عنصرية هؤلاء،فعرضا نماذج من مختلف الاعراق والبلدان التي تحاول اثبات تفوق عنصرها،منهم من يحاول اثبات تفوق العنصر الآري او الشعوب الشمالية المنتسبة لهذا العنصر اي الاسكندنافيين والالمان والانكليز والامريكيين الانكلو سكسون،على اساس ان برد الشتاء قوى عود هؤلاء!!وبنوا من جراء ذلك الحضارة الكبرى،وكذلك ذكرعالم صيني ان شعبه انشأ مدنية فريدة هي الاقوى احتمالا امام الشدائد في عهود التاريخ،بما انجبه من رجال دولة وعباقرة في مختلف العلوم والاداب،منذ الفين سنة قبل الميلاد حتى عصرنا الحالي.كما اشار عالم مكسيكي الى بروز البنية الثقافية في شعوب المايا والازتيك والانكا التي سبقت تاريخ اهتداء كولومبوس الى القارة الامريكية.وأقر عالم هندي بالتسرب الآري الى شمال الهند منذ الف وستمائة عام قبل الميلاد،وذكرنا بان الشعوب شبه السوداء القاطنة جنوب الهند انجبت معماريين بارعين وشعراء لامعين.
لاينكر ان هزال النظريات العرقية بات امرا معروفا،وبذلك لم تصمد النظريات العنصرية في اثبات وجودها في ارض الواقع خاصة في ظل النهضة الجديدة للشرق،وقد ذكرا المؤلفان بعض من حضارات الشرق التي لايمكن نكرانها ابدا،فالساميون ابتدعوا حضارات بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وقرطاجة والاسلام وقد اليهود التوراة ثم بشر المسيحيون بالانجيل وانتشر القرآن التي اتى بها الرسول محمد(ص) فتسنى للمسلمين ان يعدوا الاحكام والفنانين والشعراء والعلماء والفلاسفة وغيرهم واتحفوا عالم العرق الابيض بصورة خاصة قدرا كبيرا من الروائع من غرب الصين حتى اسبانيا،بينما كانت شعوب اوروبا تغط في سبات العصور الوسطى. ومن المعلوم ان ثقافات قدماء المصريين والاغريق والرومان جاءت نتيجة فرص النمو الجغرافي والاقتصادي والسياسي اكثر من صدورها عن البنية العرقية بحد ذاتها،وان معظم حضاراتهم مستقاة من ينابيع شرقية.
وقد حاول البعض ان يربط الحضارة بالعرق،على اساس حجم الدماغ البشري ووزنه فألقى هذا الافتراض بعض الضوء على المسألة على اعتبار توصل زنوج افريقيا الى أنشاء حضارة مدنية قليلة الازدهار،فلربما السبب هو الاحوال المناخية والجغرافية المجحفة بحقهم،ويتسائلان هل كان عرق ابيض توصل الى احسن مما حققوه في مثل تلك البيئة القاسية؟ويذكران ما وصل اليه زنوج امريكا،مستويات عالية من المهن والفنون والاداب رغم كثرة العقبات القائمة في طريقهم.
ويمكن الاستنتاج ان دور العرق في التاريخ هو على الارجح غريزي اكثر منه خلاق،ومثال على امتزاج الاعراق في تكوين شعب ونموذج جديد،فهكذا امتزج السلتيون والرومان السكسون والقوط والنورمان الدانماركيون ليؤلفوا الشعب الانكليزي،وعندما تكونت هذه الفئة الجديدة،توحدت تعابيرها الثقافية ونشأت حضارة جديدة،وهنا يسعنا القول ان العرق لا ينشئ الحضارة،انما الامة هي التي تبنيها،فالاحوال الجغرافية والاقتصادية والسياسية تبتدع الثقافة،والتي بدورها تكون النموذج البشري،اذا ليس الشعب الانكليزي هو الذي صنع المدنية بقدر ما هي كونته،والتي نقلها بدوره الى بقاع اخرى.
اما الكراهية العنصرية فيعزى سببها الى اختلاف المصدر والعرق والمشرب،لكن باعادة تكوين الشخصية،يرجح تغلب المواطنين على هذه الكراهية بفضل التبدلات المكتسبة من الثقافة،على السواء في اللغات والالبسة والعادات والاخلاق والديانات،ولا علاج لهذه الكراهية الا بالسهر على التربية المثلى وتوسيع آفاق المعرفة،فالمعلومات التاريخية تؤكد ان الحضارة ثمرة تعاون ساهمت فيه كل الشعوب تقريبا،مع العلم ان تهذيب النفس يظهر دوما في حسن المعاملة بحق كل رجل وامراة مهما تواضع شأنهما،لان كلا منهما يمثل روح البناء والتعاون في البيئة التي ينتمي اليها.
في الحلقة الخامسة:وتحت اسم الاخلاق والتاريخ،يقول المؤلفان ان المثل العليا لاتبني المجتمعات،بل تنشئها طبيعة الانسان،وفي تصنيف بارع وضع في جدول،صنفت طبيعة البشر بموجب جدول العناصر الخلقية،ومن تحليلهما يتبين لنا ان الكائن البشري مزود بطبيعة وراثية تشتمل على ست غرائز ايجابية وست سلبية،وظيفتها صيانة الفرد والاسرة والبيئة والنوع. ففي الشخصيات الايجابية تغلب الميول الايجابية،لان معظم الافراد مزودون بكلتا الفصيلتين من الغرائز التي تساعد الانسان،حسب مزاجه وظرفه،على مواجهة ما يعترض سبيله من المصاعب،وعلى اغتنامه فرص النجاح والتقدم،مع العلم ان كل غريزة تفرز عادات وترافقها احاسيس يؤلف مجموعها طبيعة الانسان.ومن خلال مراجعة الجدول الموجود في الكتاب يقسم المؤلفان العناصر الاخلاقية الى ثلاث اقسام هي:الغرائز والعادات والاحاسيس.والاقسام الثلاثة بدورها تقسم الى عناصر ايجابية وعناصر سلبية،وتتكون كلتا العناصر من فروع متعددة نذكر بعضا منها على سبيل الاختصار،فالغرائزالايجابية،تتكون من العمل،ويقابلها في السلبية النوم،ومن النضال ويقابلها التخاذل،ومن الربح وياقبلها الخسارة،ومن المشاركة ويقابلها الاستئثار،ومن التجمع ويقابلها الانزواء ومن عناية الاهل ويقابلها تهاون الاولاد.
ومن العادات الايجابية نذكر بعضا منها على سبيل المثال،الكد والحزم والتفكيروالنظام والانفتاح والسخاء والحشمة وغيرها ويقابلها حسب الترتيب،الكسل والتردد والوجوم والفوضى والانطواء والبخل والتهتك.
اما الاحاسيس الايجابية فنذكر بعضا منها،مثل الحماس والحركة والاعجاب والصداقة والرفق والتواضع والقناعة والحياء والتودد والفضيلة وغيرها ويقابلها من السلبيات حسب الترتيب،الخمول والجمود والازدراء والعداوة والقساوة والعجرفة والطمع والوقاحة والنفور والرذيلة.
وهنا برزت المبادرة الفردية وتجلت قدرة الانسان وبطولته ونبوغه،واحتل مكانته كقوة فاعلة في التاريخ،وتندرج افكاره وقراراته واعماله بحيوية على صفحات التاريخ.وفي مقارنة رائعة لبعض الشخصيات التاريخية،يذكر ديورانت،احيانا بلاغة الانسان مثل تشرشل تساوي الف فيلق من الجند،ونابليون في بعد نظره وبراعته في التخطيط والتنظيم الحربي،ونبيا مثل محمد(ص) حكيما في ارشاد الناس وهدايتهم،استطاعت كلماته الحماسية ان تنهض شعبا فقيرا محروما وان تثبت فيه روح عزيمة خارقة عجيبة،وهكذا كان باستور واديسون وفورد ورايت وغيرهم.
وعلى هذا الاساس،برزت الثقافة في التاريخ كقوة حيوية،وربما كانت عامل فساد وهدم،فمن اصل كل مئة فكرة جديدة،هنالك تسع وتسعون هي اضعف من الحلول التقليدية في رأيه.
ليس هنالك من رجل مهما كان ذكيا لامعا واسع الاطلاع،ان يغير في مدى عمره،عادات مجتمعه ودور مؤسساته التي تمثل حكمة ماسبقه من الاجيال السابقة،وهكذا يكتسب من لايقاوم التغيير،فضيلة المجدد الذي يقترح التحسين لان الجذور هي دوما اكثر حيوية من كل مطعوم.
والتجربة وشجاعتها هي التي تقضي على لامبالاة الجنس البشري.
في الحلقة السادسة:وتحت عنوان الادبيات والتاريخ،يذكر المؤلفان،ان الادبيات هي قواعد،كالقوانين المفروضة يرشد بها المجتمع اتباعه،فعلى سبيل المثال تسنى لليهود طوال ستة عشر قرنا ان يصونوا كيان جماعاتهم ضمن مواطن المسيحيين والمسلمين بسلام وامان،بفضل ما ساد من انظمة ادبية حكيمة،طبقت غالبا بدون تدخل الدولة وقوانينها.
الانظمة الادبية متباينة لانها تطورت حسب احوال البيئات في التاريخ،فأذا قسمنا التاريخ الاقتصادي الى ثلاث مراحل:الصيد والزراعة والصناعة،تيسر لنا ان نتوقع ان نظام ادبيات احدى المراحل تغير في المرحلة الثانية،ففي عصر الصيد يأكل الانسان اكثر من حاجته لعدم اطلاعه على انه سوف يحصل على فريسة اخرى،وفي غياب الاكتفاء يتولد الجشع،وهذا يذكرنا بوحشية اراقة الدماء،كما هو الحاصل بين الدول الان،ولهذا كانت نسبة الموت لدى الرجال اكبر من النساء،ولذا ترتب على الرجل ان يقترن بعدة زوجات وان يؤمل الحمل للنساء.وكانت الكراهية والشراسة والطمع والتأهب الدائم للجماع،من حسنات تنازع البقاء،وربما كانت كل رذيلة في يوم من الايام فضيلة،اي صفة حميدة ضرورية لضمان بقاء الفرد والاسرة والبيئة.
لم يحددلنا التاريخ بالضبط تاريخ انتقال البشر بين المراحل الثلاث،وتبين من المرحلة الاولى ان العمل الجاد افضل من الشجاعة وان السلم اضمن انتصارا من الحرب،وبدا الاولاد كأنهم حوافز اقتصادية،فبات تحديد النسل غير اخلاقي،واصبحت السلطة الابوية ركنا اقتصاديا متينا.
ودامت ادبيات نظام الزراعة القائم على العفة سارية المفعول مدة خمسة عشر قرنا،وبالتدريج ثم بسرعة وعلى نطاق واسع،غيرت الثورة الصناعية،شكل الاقتصاد وهيكلية الادبيات في الحياة،وغادر الجميع بيوتهم واسرهم وسلطتهم ليعملوا كأفراد يتقاضى كل واحد اجره،وسرعان ما حان وقت النضوج الاقتصادي الذي امن المقدرة على اعالة الاسرة فلم يعد الاولاد يشكلون ادوات اقتصادية،وتأخرت مواعيد الزواج،واصبح الامتناع عن العلاقات الجنسية قبل الزواج اصعب مما كان،واتاحت المدنية فرصا للتمتع بالجنس باستخدام وسائل المنع المعروفة مما سهل الرذيلة،ولم يعد الشباب خاضعا لسلطة الاب والام المرتكزة على العوامل الاقتصادية واصبح التمرد صفة الشباب في العصر الحديث.
كما ادت مكننة الانتاج الاقتصادي الى مكننة الانتاج الاقتصادي والى مكننة الوجهات المادية من خلال تسامح الفلسفة.
ومنذ القدم افضت الحروب الى تراخي الاخلاق وتفسخها ،وهنا يذكر امثلة من العهود السحيقة،وكيف ادت الى تفسخ المجتمعات.
في الحلقة السابعة:وتحت عنوان الديانة والتاريخ،يذكر المؤلفان ان اكثر المؤرخين شكا ورفضا هم يكنوا للدين بعض الاحترام،ما داموا يعتبرونه سياجا واقيا ويبدو لهم ضروريا في كل البلاد وفي جميع الاجيال.فالدين يمنح التعساء والمتألمين والمحرومين والمسنين صبرا وقوة فائقة على احتمال الشدائد يقدرها هؤلاء،وهي اثمن ماتتلقاه من عون وتعزية روحية في هذه الدنيا،التي يدعوها البعض وادي الدموع،وقد اعطى معنى وكرامة لاحقر المخلوقات البشرية،من خلال تحويله العلاقات الانسانية الى روابط وثيقة مع الله.وحسب قول نابليون:ردع الفقير عن قتل الغني.ولابد من امل فائق الطبيعة للحيلولة دون تسرب القنوط الى اعماقنا،فمتى ما تحطم الرجاء ازدادت احتمالات نشوب الحروب.
ثم يذكر الديانات السماوية الثلاث،اليهودية والمسيحية والاسلام،بمختصر مفيد.
ثم يذكر محاكم التفتيش التي ادت الى تدني هيبة رجال الدين في اوروبا،وفي اعتقادهما ان استبدال المبادئ المسيحية بالمؤسسات المدنية اضر كثيرا بنتائج الثورة الصناعية،واصبح عمل الجميع الاعتماد على المنطق والاقناع في تربية نشء متمرد لايخاف سوى الشرطي!..كما نجح دعاة الوطتية والراسمالية والشيوعية في بث معتقدات غريزية وناموس اخلاقي مائع.ومن ابرز عبر التاريخ في رأيهما هو ان للديانة اكثر من حياة لانها نهضت دائما بين الانقاض،ولذلك نلاحظ الصحوة الاسلامية في اواخر القرن العشرين بعد خمود طويل.
في الحلقة الثامنة: والمتعلقة حول الاقتصاد والتاريخ،وبعد استعراض لاقوال ماركس حول الاقتصاد وعلاقته بالتاريخ، يذكر كيفية بزوغ الثورة الصناعية وآثارها السلبية.والاقتصاد والثروة الناتجه منه هو من العوامل الرئيسية في التغيير الحاصل في التاريخ وبخاصة قيام الثورات والدول،ولكن هناك عوامل اخرى اعطت نتيجة هامة وهي ان الفقراء اثبتوا انهم اشد ساعدا من الاغنياء وخاصة في الجانب العسكري وفتوحات البلدان،الا ان المهارات تختلف من شخص لاخر،واغلب المهارات تقريبا تمتلكها اقلية من الاغنياء،وتكديس الثروات يتأتى بصورة طبيعية من استغلال تلك البراعة المتجددة بأنتظام في التاريخ.كما ان التكديس هو امر طبيعي وان تخفيف وطأته تتم مرحليا باعادة توزيع الثروات جزئيا او كليا،اما باعتماد الوسائل السلمية او العنف،ويعطيان امثلة من التاريخ على الاضطرابات الناشئة من العوامل الاقتصادية .
في الحلقة التاسعة:المعنونة الاشتراكية والتاريخ،يذكران ان الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية هو جزء من الايقاع التاريخي في معزوفة تكديس الثروات وتبديدها،وطبعا قامت الرأسمالية بدور خلاق في التاريخ اذ جمعت المدخرات في رساميل منتجة،وقدمت العائدات والفوائد،ومولت مكننة الزراعة والصناعة،ووازنت منطقية توزيع الثروات والارباح،فأدى الى ازدهار اقتصادي كبير.وفي السوق الحرة ضاعفت حوافز المزاحمة في ميادين العمل،وقد ضبطت قواعد الديمقراطية الاساسية حتى الان طريقة الانتاج،فجاءت الخدمات المقدمة لارضاء المستهلك افضل مما قدمته قرارات الحكومات،كما ادى الى تلبية حاجات العمال ورفع مستوى الانتاج وجودته،ثم تذكر امثلة تاريخية قديمة وخاصة من حضارة بلاد مابين النهرين. اما الاشتراكية فبرزت طلائعها في الرومان بحدود 301م في محاربة الاحتكارات وتنظيم النشاط الاقتصادي،ولكن في حضارة الصين كانت اقدم من ذلك بكثير.اما اطول نظام اشتراكي عرفه التاريخ حتى الان فقد نشأ خلال القرن الثالث عشر الميلادي في بيرو الان عن طريق قبائل الانكا الذي دام حتى الفتح الاسباني عام 1533م.
وبعد مجيء الثورة الصناعية،نشأت معها ظاهرة القسوة والجشع والتعامل الوحشي مع العمال،فجاءت حركة ماركس وانجلز للدعوة للتغيير الى مرحلة الاشتراكية التي كانا يأملان من ان تطبق في انكلترا نظرا لنمو الصناعة بها،الا ان الشيوعية نشأت في روسيا بدلا منها وهي دولة متخلفة حينها.
والاسباب في ذلك معروفة يذكران بعضا منها،من خلال فقدان الدولة الروسية الحرب وسوء الاحوال الاقتصادية،ورجوع الفلاحين الناقمين مع اسلحتهم من الجبهات،وتحالفهم مع المثقفين،فقامت الثورة التي واجهت الحرب والمعارضة الداخلية والخارجية،وكانت ردة فعل الشيوعيين في غاية الوحشية والقسوة الغير مبررة خاصة في تطبيق الاشتراكية،والتي ادت الى كوارث ومجاعات وقمع وحشي خلال الحقبة الستالينية. استفادت الرأسمالية من افكار الاشتراكية وطبقتها خوفا من انهيارها كليا،مما ادى الى استمرارها بينما لم تستفاد الاشتراكية كثيرا من الرأسمالية ومزاياها مما ادى الى انهيارها بعد ان ساءت الاحوال الاقتصادية وكذلك بقيت في موقفها الرافض للتغيير السياسي فبقيت المهيمنة على السلطة المطلقة.
في الحلقة العاشرة:وتحت عنوان الحكومة والتاريخ،يقول المؤلفان ان للتاريخ كلام كثير في شكل ونوع الحكومات. وبما ان الانسان يعشق الحرية،وحرية الافراد في المجتمع تتطلب شيئا من آداب السلوك،فأول شروط الحرية هو وضع حدود لها،لانها عندما تكون مطلقة،لابد ان تتجمع وتتردى في فوضى ليس لها حدود،ولذلك كان فرض النظام من اهم واجبات الحكومة،وانشاء قوة مركزية رادعة هو الوسيلة الوحيدة لكبح جماح من يريد ان يعبث بالامن على هواه.
والقوة بطبيعتها تتجه نحو نقطة مركزية،ولكن مفعولها يبطل متى ما انقسمت او توزعت كما هو الحال في البلدان التي تخضع لمبدأ الاقتصاد الحر.
وفي توقع لما يمكن ان تكون عليه الحكومات الدولية في المستقبل،توقعا ان تنمو بأزدهار الاقتصاد والتجارة والمال،وكلها تتعدى حدود البلاد وتتخذ اشكالا عالمية.
وحسب رأيهما ومن خلال قراءاتهما التاريخية،يبدو لهما ان الملكية افضل اشكال الحكومات بأعتبار ان افضل الحكومات استقرارا وعدلا،ومن خلال سجلها المعتدل،مع ان حروب وراثة العروش جرت على البشرية ويلات كثيرة،كذلك لا تخلو في الغالب من السخافة والمحاباة وعدم المسؤولية.والحكومات خضعت لتأثير الاقليات فتم قبولها بموجب حق الوراثة،كما هو الحال في الارستقراطيات او بموجب التنظيم الديني كما هو الحال في المجتمعات الطائفية،او بضغط المال كما هو الحال في الديمقراطيات.
ومن خلال تحليل رائع حول طبيعة النخب الارستقراطية في الحكم،يذكران طبيعة تكوين الاسر الارستقراطية التي تهيئ ابنائها للحكم،وتقوم بتدريبهم لتحمل المسؤولية،وهي في رأيهما دعامة وينبوع ثقافة وحسن تصرف ومستوى لائق وذوق سليم وعامل استقرار. ورغم ذلك فأن الارستقراطية رغم مساندتها للفنون الجميلة الا انها لاتنتجها الا نادرا لانه ينظرون للفنان كأنه عامل يدوي!ويفضل العيش الرغيد على عيش الفن المتواضع ولايفكر بتاتا بالتنازل الى العمل الشاق الذي يكون في الغالب ضريبة النبوغ.ولذلك لم ينتج الارستقراطي كثيرا من روائع الادب،والكثير من العلوم الاخرى،وقد ادى ذلك الى قلة اكتراث والاسترسال في الملذات وتذوق نعومة العيش قد تدوم مدى العمر بفضل اموالها الطائلة،وامتيازاتها،لذلك عم الفساد في الارستقراطيات.
لم ينقذ الارستقراطيين سخاء خدماتهم،بعدما احتكروا الامتيازات والسلطات بشكل فاضح،فضيقوا على عامة الشعب بأنانية عمياء اضرت بنمو الامة،فما كان لتصحيح تلك الاوضاع الا الثورات العنيفة والتي ادت الى قتل اعداد كبيرة منهم.
السؤال الذي يطرحانه،هو هل برر التاريخ قيام الثورات؟وهو سبب جدلا واسعا.
الاراء كانت متباينة،فالبعض يؤيدها بشدة والبعض الاخر يفضل الاصلاح التدريجي وترميم الحكم بالتعديلات الممكنة،لكن في بعض الحالات بدت المؤسسات البدائية الجامدة بحاجة الى طرح عنيف،كما جرى ذلك في روسيا عام 1917،ولربما برزت امريكا بدون ثورة هدامة كعامل مثالي في العالم الغربي.
اما الذي قاموا بالثورة الفرنسية،فقد احتلوا مكان الطبقة الارستقراطية بالعنف كسلطة مطلقة،ولكن هذه النتيجة عينها حصلت في انكلترا خلال القرن التاسع عشر بدون اراقة نقطة دم واحدة.
وفي النهاية،يرى المؤلفان ان الثورة الحقيقية الوحيدة هي تنوير الاذهان وتقويم الاخلاق وتحرير الفرد من نقائصه وبصورة فعلية،وليس هنالك من ثوار حقيقين غير الفلاسفة والقديسين.وبعد ان يتم ذكر مجموعة من الامثلة التاريخية،يذكران ان الديمقراطية هي من اصعب اشكال الحكم،لانها تتطلب استخدام اكبر قدر من البراعة والذكاء،ومن خلال العرض التاريخي يتبين ان الديمقراطية قد اضرت اقل ونفعت اكثر من كل ما عرفه البشر من اشكال الحكم،لانها اعطت الوجود الانساني نكهة فاخرة عوضت عن كل عيوبه ونقائصه،ومنحت الفكر والعلم والعمل حرية اساسية لاغنى عنها للتحرك والنمو والازدهار،وحطمت حواجز الامتيازات والطبقات واعلت شأن المهارات وفي كل المستويات.
والتاريخ يعطي لنا ما مدى الازدهار الذي وصلت اليه اثينا وروما في التاريخ القديم،وافسحت المجال لامريكا في سياق قرنين من الزمان فقط كي تؤمن لنسبة كبيرة من البشر بحبوحة عيش لم يسبق لاحد ان عرفها قبلا.وقد اعطت الديمقراطية الجميع حق اكتساب العلم والثقافة والصحة،وهو جوهر حقيقة الحياة بأصدق معانيها وابهاها،لان الناس وان لم يكونوا في الواقع متساوين،فحصولهم على الثقافة والعلم وامكانية النجاح جعلهم اقرب للتساوي،وحق الانسان هو ميزة خيرة في صالح المجموع.وفي البلاد التي اختارتها كوسيلة للحكم اثبتت شجاعة وتصميم وقوة حيال هجمات الديكتاتورية المتربصة في داخلها،ووقفت ضد كل من لديه شهوة الحكم.
وفي الحلقة الحادية عشر:والمعنونة التاريخ والحرب،يذكر المؤلفان ان الحروب هي من ثوابت التاريخ ولم تخف وطأتها تحت تأثير الحضارة والديمقراطية.
وفي مثال رائع يذكران انه على مدى 4321 عاما اشتملت عليه صفحات التاريخ،هنالك فقط 268 سنة لم تشهد قتالا،ونعمت بسلم اهلي نسبي!.
لقد اقررنا بحتمية الحرب،كما اعترفنا بشرعية نشاط المنافسة وبتفوق النخب الطبيعية بين مستويات البشر.
اما اسباب الحرب فهي بواعث المنافسة عينها بين الافراد،اي الملكية والحسد والمفاخرة،وكذلك الحاجة المادية.فالدولة لها مثل غرائزنا!بدون ان تعتريها معضلاتنا،والدولة تضمن للجميع الحماية اللازمة لحفظ حياتهم واملاكهم وحقوقهم الشرعية،ولكن بحد ذاتها لاتحل الكوارث المادية،وكما يمنح الاعتزاز كل فرد عنفوانا اضافيا اثناء كفاحه في الحياة،كذلك تضفي الوطنية على الدولة مزيدا من القوة في الدبلوماسية والحرب.والدولة هي المسؤولة عن شحن الحقد والبغضاء بين مواطنيها تجاه الدول الاخرى،بينما تعلن ظاهرا شجبها كل عداء وتعلقها بأهداب السلام والوئام.والتضحية بمئات الالاف من الجند ضرورية لحفظ الامم من الخضوع للتهديدات الخارجية وخاصة الشيوعية التي كانت في حينها الخطر الابرز على العالم الغربي.
وفي الحلقة الثانية عشر:والتي تحت عنوان عظمة وانحطاط،يحلل المؤلفان طبيعة الحضارة والتي يعرفانها انها نظام اجتماعي ينمي الثقافة الخلاق،وانها نظام سياسي تؤمنه شهامة التقاليد وعدالة القوانين.هي ثقافة خلاقة تغذيها الحرية الحقة وتشجعها الابتكارات وصراحة التعبير وخبرة التجربة ويدعمها تفتح الاذهان والافكار،وازدهار الاداب والفنون،وائتلاف العادات الرصينة.السؤال المطروح هو لماذا يعج التاريخ بأنقاض المدنيات؟الجواب لان الموت مصير محتم على كل البشر كما قال شلي الشاعر المشهور،ولذلك فأن التاريخ يعيد نفسه جملة وتفصيلا،وهي عبارة قالها مؤرخان امضيان جل عمرهما في البحث التاريخي الانساني.
كما نتوقع في المستقبل كما جرى في الماضي،قيام دول فتية،وزوال دول هرمة،وستبدأ الدول الحديثة العهد بالاعتناء بالاقتصاد ثم الثقافة.الطبيعة البشرية تتكيف حسب التطورات الارضية المتواصلة وان ببطء،ولان الانسان دائم التأهب بتواتر ورتابة.وتدهور الحياة المشتركة للمجموعة البشرية يتم في الغالب عبر فشل زعمائها السياسيين في مواجهة تهديدات التغيير والتي تنجم من عدة اسباب،وبما ان حدة عدم المساواة تزداد بتقهقر الاحوال الاقتصادية،يجد المجتمع نفسه منقسما الى اقلية مثقفة منورة واكثرية من الناس ظلمتهم الطبيعة وقست عليهم الظروف،وحين تتضخم الاكثرية،تشكل عبئا ثقيلا على مثالية الاقلية،وهنا ينشا الصراع المدمر.تدهور الاخلاق والايمان الالهي ونشوء الافكار الفوضوية الالحادية من اسباب تدهور الحياة الاجتماعية والتي تجعل الدولة فريسة للبلدان المجاورة التي تختلف عنها في التركيبة الاجتماعية والنظام السياسي،مما يؤدي الى نهاية الدولة عن طريق ضمها الى الممالك الناشئة. اما السؤال الهام فهو هل تموت الحضارات؟وجوابهما انه ليس تماما،وهاهي الحضارة الاغريقية لم تمت حقا بل فني اطارها وتغير مقرها ثم ذاعت وعمت ارجاء المعمورة. الامم تضمحل والمناطق القديمة يدركها الفناء والارض الخصبة يجتاحها الجفاف ولكن الانسان الفطن يحمل عدته وفنه ويرحل مصطحبا ذكرياته،فأذا تأصلت في اعماقه جذور العلم والثقافة وتوسعت آفاق معارفه ومداركه،هاجرت الحضارة معه واتخذت لها موطنا في اي مكان يحل فيه.وهكذا نجد ان روما اقتبست ثقافة الاغريق ثم نقلتها الى اوروبا الغربية،واستنارت امريكا بالحضارة الاوروبية وسعت لتجاوزها وايصالها بتقنية نادرة الى الاجيال القادمة. فالمدنية هي مواكب متعاقبة على دروب الرقي البشري،وكما ان الحياة تخطت الموت بالتناسل،هكذا نقلت الثقافة المثقلة بثمارها الطيبة تراثها الى الابناء والاحفاد عبر السنين والمسافات.
وفي الحلقة الثالثة عشر والاخيرة:وتحت عنوان هل التقدم حقيقي؟يجيب المؤلفان بشيء من التفصيل على ذلك السؤال. وجدت فكرة التقدم ذاتها في موقف لفه الالتباس والشك،وبما ان التاريخ لم يشهد تبدلا ذا اهمية في طبيعة الانسان،لابد لنا اعتبار اي تقدم تقني كوسيلة جديدة لبلوغ هدف قديم مثل الحصول على البضائع والائتلاف القائم بين البشر وتحدي المنافسة.ان احد الاكتشافات الغير المشجعة خلال العصر الحديث المليء بالخيبات هو حياد العلم الذي قتل نيابة عنا،كما شفى الجراح،وهدم في سبيلنا اكثر مما بنى،ولهذا خيل الينا ان قول المعرفة قوة،هو في غير محله.ورغم التقدم الهائل الذي حصل في جميع المجالات،الا اننا اغفلنا الكثير من الامور المروعة،من قبيل نشر الفساد تحت جنح الظلام بين الاحياء المعدمة والاكواخ الحقيرة. بعد ذلك تبع التحرر من ربقة الواجبات الدينية بدون ان ننمي في اعماقنا مثالية طبيعية كأفضل بديل عنها بمثابة ناموس اخلاقي مستقل عن الدين،وقوته كافية لردع غرائزنا الانانية وكراهيتنا الغادرة وميولنا الجنسية المستهترة،والتي وصلت عن طريقها مدنيتنا الى الحضيض سولء بالجشع او الفوضى المدمرة والجرائم المروعة.ولم نقوي في اعماقنا فضيلة روح التسامح والتغلب على الشهوات الدنيئة. كما نقلنا شعورنا وحماسنا من حضيرة الدين الى دهاليز النزاعات الوطنية والعقائدية والعنصرية،فباتت تصرفاتنا وعاداتنا اليوم افضع مما كانت عليه بالامس.وفي وصف رائع لمكان العادات،فهي تميل الى الاسوأ كلما ابتعدت عن الشرق بأتجاه الغرب،فهي مبتذلة في آسيا،وبذيئة في اوروبا،ولكنها قبيحة منحطة في امريكا،والان جاء دور الشرق ليحذو حذو الغرب!.
وفي اعتراف مرعب،يصفا تقدم الفلسفة منذ ديكارت حتى الان،الا ضلال من خلال فشله في الاعتراف بدور الميثولوجيا في تعزية الانسان وضبط اهوائه المنحرفة!.
وقد قيل ان من زادت معلوماته طغت عليه احزانه،وفي فيض الحكمة غمرة الاسى.
والتاريخ حيادي غني بحد ذاته لايميل الى اي اتجاه او فريق،وللاطلاع على اي حال من احواله يكفينا ان نختار الفترة الزمنية المرغوبة،واذا وقعنا على مقطع منحاز يسعنا ان نعلق عليه بصورة مقنعة.واذا القينا نظرة بعيدة المدى على حياتنا،وقابلنا وجودنا العصري الهش المشوش الحافل بالجهل والتشاؤم والعنف والمرض،وكلها اتسمت بها الشعوب البدائية،لارتسمت على وجوهنا حتما دلائل الحسرة والاسف.
اذا ان ادنى طور من اطوار حضارة الدول حاليا،قد لا تختلف الا قليلا عن البربرية والهمجية،لكن فوق هذه المستويات هنالك ملايين البشر قد بلغوا اصعدة ادبية ومعنوية نادرة الوجود في محيط الانسان البدائي،وتحت وطأة حياة المدن المجهدة المعقدة،نستنبط احيانا أعذارا واهية لنستر بها تقصيرنا.
كل حضارة عظيمة لا تزول كليا،لان الانجازات الرائعة ظلت حية رغم المحن التي عرتها من جراء ازدهار دول اخرى وسقوطها.والاكتشافات المستمرة منذ اكتشاف النار واختراع الدولاب وسواه الى يومنا الحاضر،هي كلها من عناصر الحضارة التي اجادت صيانة هذه الانجازات بمثابرة وعناد عبر التدرج الخطير من حضارة الى التالية،في مسيرة الانسانية. واذا كان التعليم هو نقل المدنية من الخلف الى السلف،فأننا نسير حتما على دروب النمو والازدهار،وبما ان الحضارة لا تنتقل بالوراثة،فلابد ان نتعلمها ونتقنها في كل جيل.واذا تجمد مجراها لفترة قرن مثلا من الزمن،فلامناص لها من الزوال،فنعود حينها الى الحياة الهمجية الوحشية مرة اخرى.ولذلك افضل انجاز لنا هو ان نقوم بتوفير زاد العلم للجميع.والتراث الذي ننقله اليوم الى الخلف هو اغنى مما كان عليه في اي وقت مضى،واذا كان التقدم حقيقيا رغم تذمرنا،فليس لاننا ولدنا مزودين بصحة اكمل او مواهب اغزر او بعقل ارجح من مواليد الماضي،بل لاننا خلقنا في احضان تراث اغنى واغزر،ومستوى ارقى وارفع من القاعدة التي تكدس فوقها العلم والفن في ارض هي مهد كياننا ومرتع شبابنا،فكلما ازداد التراث جودة ووفرة،ازداد الانسان معرفة بنسبة ما اغترفه من المعلومات القيمة.
والتاريخ هو سجل مخزونات تراثنا،والنبيه بيننا من يدرس التاريخ،لا بصفته كمرشد ينصح البشر لتجنب الاخطاء والحماقات،بل بصفته خبير محنك يحض النفوس المبدعة على عدم اعتبار الماضي غرفة اهوال رهيبة،وقد اضحى الان فردوسا!. ففي الماضي هنالك مبدعون في كافة المجالات وفي زمننا الحالي كذلك،فأذا كان المرء سعيدا عليه ان يعمد قبل رحيله عن هذه الدنيا الى جمع اوفر قسط من تراث التاريخ ونقله الى اولاده،وكذلك يقضي الواجب ان يعترف بفضل هذا المعين الذي لا ينضب،وهو ينبوع استمرار حياتنا..اي التاريخ.
علينا قراءة التاريخ بصورة موضوعية،لا بقدسية وان نتحرى ايضا الصحيح من الخطأ،فكم من الجرائم تقع نتيجة الاعتقاد الخاطئ بأن حدثا تاريخيا هو صحيحا ويتبين لنا بعد فوات الاوان انه كان خطأ!...فكلما علينا هو التعايش السلمي مع الاخر ونقل الصراع والعنف الى صراع سلمي حضاري يضمن العيش المشترك للجميع ويجعل الجهد البشري محصورا في بناء الحضارة التي لا زالنا في بدايتها،وليس كما يتصور الجميع انها النهاية...او نهاية الزمن!.






ليست هناك تعليقات: