إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2009/07/16

اسطورة التغيير الفوقي - القسم الاربعون

يعتقد الكثيرين بما فيهم غالبية الفلسطينيون ان النظام البعثي العراقي هو مساند قوي لهم وقد تحمل الكثير من العداء من جراء ذلك!...وفي الحقيقة ان ذلك هراء لا قيمة له امام نتائج اعمال هذا النظام المرتزق الذي لايفهم معاني الاخوة والانسانية،فكيف لنا ان نضعه في خانة الدول المناضلة لتحريرها من الاحتلال او الاستعباد!...لا يوجد نظام عربي واحد دمر القضية الفلسطينية مثل نظام بعث العراق السابق،دعك من الهراء الاعلامي الذي لاقيمة له امام العقل والمنطق!لقد قام النظام بتصفية الكثير من القيادات الفلسطينية المناوئة له وخاصة خلال فترة السبعينيات ثم استخدم المتطرفين منهم لاغراضه الاجرامية الخاصة ومنها القمع الداخلي في العراق ثم اعماله الاخرى والتي صبت في الجانب الاسرائيلي ومنها ترحيله لبقايا اليهود في العراق اوائل السبعينيات ثم تواطئه المخزي في قصف المفاعل النووي العراقي!ثم تعويضاته لاسرائيل جراء قصفها بعشوائية ببضع عشرات من الصواريخ والتي حصلت من جرائها على التأييد الدولي ثم خلافه الحاد مع الدول والمنظمات المعادية لاسرائيل ويكفي ان اجهزته الامنية بقيت خارج الصراع وهي تجهل كل شيء عن اسرائيل الا ما يخص امن النظام بينما هي متأسدة على العراقيين والدول المجاورة،ثم مجرد قمع الشعب العراقي بتلك الوحشية النادرة وتمزيق وحدته الوطنية واقتصاده وحضارته هو بالتالي تدمير للقوة العراقية الضخمة سواء العسكرية او الاقتصادية وبالتالي فقدان الفلسطينيون والعرب جميعا ما يعتبر قوة بروسيا العرب وهو اللقب الذي يطلق على العراق عادة،فقد كان يمتلك من القدرات الكافية لردع اسرائيل ولكنه مع الاسف دمرت برعونة طاغية وحزب مخابراتي فاشي،فالقمع والحروب الداخلية ثم تلاها الحروب الخارجية ضد ايران والكويت ثم تدخله ضد سوريا في لبنان ودعمه الانظمة العربية اليمينية هو لا يصب في مصلحة الفلسطينيين مهما كانت الشعارات المرفوعة التي لاتسمن ولا تغني من جوع،والاموال الضخمة التي صرفت على الحروب والقمع والاعداد الهائلة من الضحايا هي قوة العراق الحقيقية التي فقدت والتي لن تعود الا بعد مرور عقود طويلة من الزمن والتي سوف تبقى بعيدة عن عسكرة الدولة بفضل الكره الغير طبيعي للحروب التي سيطرت على العقل العراقي الباطني بفضل المآسي الناشئة منها،ويكفي ان دولة بحجم ايران تتحول من المعسكر الموالي للغرب الى دولة مؤيدة للقضية الفلسطينية وهو نصر كبير للعرب بدون ان يطلقوا رصاصة واحدة!، كان من المفروض من الانظمة العربية ان تحذو سوريا في تمتين التحالف معها لا ان تحاربها عسكريا بغية تدمير قوتها التي هي سند العرب الجديد من خلال تشجيع صدام في حربه عليها!،ان تلك الحرب كشفت للجميع مدى هشاشة الفكر السياسي العربي الحاكم الذي يعيش في مستنقع الاستبداد والجهل والتخلف والطائفية والعنصرية والعداء للصديق وصداقة العدو بل وكل مشكلات الانسان المعاصرة الاخرى!.
مرتزق يطالب بالثمن...ومستخدميه يمتنعون عن الدفع!:
الارتزاق الدولي هو التنازل عن كل استقلالية في سبيل المال والمصالح الذاتية بمختلف انوعها،وبما ان نظام بعث العراق كان مرتزقا دوليا يرفع السلاح عاليا في سبيل تحقيق غاياته،فأن هنالك انظمة تمارس الارتزاق الدولي منذ عقود طويلة ولم ترفع السلاح الا نادرا مثل الانظمة الحاكمة في مصر والاردن واثيوبيا واريتيريا ،وفي كلا الحالتين اي الارتزاق العسكري والارتزاق السياسي،لابد من دفع الثمن وفي الحالة الاولى يكون الثمن اعلى لان العمل يتطلب التضحية بأرواح ابرياء كثيرون،وبما ان النظام البعثي لا يكترث اساسا بعدد الضحايا او نوعيتهم!! فأنه كان الاجدر بالقيام بتلك المهمة القذرة لصالح دول كثيرة وبعضها دول ديمقراطية! فالمصالح الدولية لاتعرف الرحمة ولا الاخلاق ابدا!.
كان العمل الاكثر كلفة ودموية في النيابة عن حروب الاخرين هو حرب ايران(1980-1988) والتي كلفت البلدين خسائر هائلة(فقط العراق قدر عدد الضحايا 400 الف قتيل و500 مليار دولار!)ورغم الدعم السياسي والاقتصادي العربي والغربي والشرقي! الا انه كان يشكل جزءا بسيطا من خسائر العراق الكبيرة،وبالتالي كان من الواجب وحسب القواعد المعروفة لتلك الاعمال ان يكون الدفع موازيا لحجم العمل! ومهما كانت مطالب النظام فأنها لم تشكل سوى جزء بسيط من حرب دمرت العراق وايران والمنطقة باكملها،ولهذا كان يتوقع ان يكون هنالك دعما كبيرا له لاعادة بناء العراق ومساعدته في الخروج من المشاكل الكارثية الناتجة من الحرب المجنونة كنتيجة حاصلة لعمله المدفوع له وهو الحرب بالنيابة،ومنذ عام 1986 وعندما انخفضت اسعار النفط بشدة الى مستوى 9 دولار للبرميل،فان الدعم الخليجي انخفض بشدة معها رغم دعوات النظام المستمرة له بالاستمرار بنفس المستوى السابق،ولم تعوضه المساعدات الامريكية البديلة التي بدأت تنهال عليه حتى وصلت الى حد التدخل العسكري المباشر والذي اجبر ايران على وقف القتال!.
بعد نهاية الحرب عام 1988 انخفضت اسعار النفط مرة اخرى الى حدود 12 دولار واعتبرها النظام موجهة ضده رغم انها لفترة محدودة وهي ناتجة من هواجسه الامنية،ثم انخفضت مرة اخرى في النصف الاول لعام 1990 الى نفس المستويات تقريبا،واعتبرها مرة اخرى مؤامرة خليجية ضده بالتحالف مع الغرب لغرض تدمير القدرة العسكرية العراقية التي تضخمت بشدة بسبب الحرب واعتبرت خطرا يجب التخلص منها!،وزاد في الطين بلة ان دول الخليج وبغباء كبير لم تلغي ديونها التي مولت حربه القذرة وهي تعلم جيدا انه ليس فقط ثمنا لحرب بالنيابة عنها،بل تعلم انه ليس بمقدور النظام البعثي ردها بسبب الحاجة الماسة للتعمير وليس لرد ديون ثمن حرب مشتركة منه الدماء ومنهم الاموال !،وكانت اول الدول المطالبة بديونها هي الكويت ! وهي ليست اساسا محتاجة لها بسبب الوفرة المالية التي لديها مع احساس النظام بأنها تمارس الاستفزاز من خلال زيادة انتاج النفط واتهامها بسرقة النفط من الحدود المشتركة،وبذلك يتحمل النظامان المسؤولية الكاملة لبدء حربا جديدة دمرت البلدين والتي اصبحت من مسؤولية صدام ونظامه فقط نتيجة غزوه الكامل للكويت في 2 آب 1990 وتم بذلك التجاهل وبغباء في سياسة البقاء بعيدا عن مجرم محترف مثل صدام او اثارته بقضايا كان من الممكن عدم اثارتها حتى يمكن تجنب حربا غادرة من قبله وهو الذي لايحترم الوعود نظرا لتاريخه السيء.
من السذاجة القول والذي مازال البعض يدعيه ان صدام كان مخطط لغزو الكويت منذ فترة طويلة،والحقيقة ان ذلك القول هو للتغطية على تحمل النظام الكويتي للمسؤولية ايضا،فصدام ونظامه من الرعونة والاستعجال مالايخفى على احد وهو ناتج من جهل معرفي كامل بكل المعطيات الاستيراتيجية وممارس للسياسة بطريقة القاتل الجاهل المحترف،ولذلك فان معظم اعماله السياسية والعسكرية هي ناتجة من رعونة كاملة في استعجال اصدار القرارات الفردية الكارثية،ولذلك فان حربي ايران والكويت لو كان مخططا لهما بعقلانية لما نشبت الحربين اساسا! ولكن التفرد بأصدار القرارات وبتشجيع من بطانة من قاع المجتمع وجاهلة لاتفهم هو خلاصة القول في سياسة العراق خلال حكم صدام،ولذلك فأن الهجوم لم يكن سوى مفاجأة للقادة العسكريين العراقيين والذين لم يسمع غالبيتهم به كوزير الدفاع الا من خلال الاذاعات التي اذاعت خبر بدء الهجوم! وعموما الاصرار على الحرب والدمار الناتج منه للبلدين هو يكفي لاصدار الحكم بمدى حجم جهل وعنجهية النظام البعثي في العراق!.
ثورة كبرى للتغيير الجذري:
بدأت في اواخر شباط 1991 ثورة شعبية عارمة قام بها الشيعة في وسط وجنوب العراق،ثم تبعها بأيام ثورة في الشمال قام بها الاكراد،وكانت بحق اعظم ثورة عراقية منذ عام 1920 وهي شعبية عفوية بأمتياز استغلت ضعف القبضة الامنية للنظام فحررت 14 محافظة من مجموع 18 محافظة،ورغم آثار الحصار فقد حققت نتائج ايجابية وبوسائل بسيطة،وكان من جملة اعمالها الكبيرة اطلاق سراح عشرات الالاف من المعتقلين في سجون النظام الرهيبة ومن ضمنهم بضعة الاف من الاسرى الكويتيين!،الا ان الرعب الذي دب في صفوف الانظمة العربية الطائفية الفاسدة،جعلها تتناسى وبسرعة كبيرة آثار غزو الكويت فوقفت بحزم ضد عملية التغيير الجذري في العراق،والحت على القوى الغربية وخاصة امريكا،أيقاف الزحف الى داخل العراق لا بل ومساعدة النظام الذي اخذ ينهار وبسرعة كبيرة من خلال السماح لقواته العسكرية وطائراته الحربية في قمع الثوار والمدنيين العزل،وكان على رأس الانظمة قادة ثلاث بلدان وهم السعودية ومصر والاردن، يتحملون النتائج الكارثية لفشل الثورة وسقوط الضحايا وهم بمئات الالاف فيها،من خلال اصرارهم على دعم النظام ضد الثورة التي اعتبروها شيعية وتميل الى ايران وتهدد كراسيهم الدموية ثم استمرار الحصار الهمجي لمدة 12 عاما بعد ذلك وما سببه من سقوط اعداد مضاعفة وخسائر اقتصادية لاحصر لها وبمشاركة عربية ودولية مع اصرار النظام على البقاء في الحكم والذي لم يتأثر بها بالمقارنة مع ابناء الشعب،على كوارث لاتحصى للعراق وسببت آلام لاحدود لها،وكان من المفترض التخلص منها في وقتها،فتفضيل بقاء طاغية افضل من تغييره في السياسة الدولية آنذاك حتى لو سبب بقاءه سقوط ملايين الضحايا!.
فشلت الثورة بعد عدة اسابيع من الحرية المفقودة،من خلال انعدام القيادة والتنسيق وضعف الامكانيات والقدرات والدعم الخارجي والخوف لدى العرب السنة من الانتقام والذي لا اساس له من الصحة كما تبين ذلك بعد اثني عشر عاما.
سبب الفشل خروج ملايين اللاجئين الى البلدان المجاورة للعراق،والتي كان الجزء الاكبر منهم في الشمال بسبب الخبرة الكردية في التمرد لفترة طويلة،مما ادى الى حصولهم على دعم غربي مؤقت لدعم مكان آمن لهم في الشمال الذي اصبح بحكم المنفصل من الناحية العملية،وبذلك فشل حزب البعث ومؤيده العرب وزعيمه صدام ليس فقط في بناء الوحدة العربية التي يزعمون الدعوة اليها بل فشلوا حتى في بناء الوحدة الداخلية العراقية التي تمزقت ارضا وشعبا!.
كانت الفترة بين عامي 1991 ولغاية سقوط بغداد في 9 نيسان ابريل 2003 هي من اصعب الفترات في تاريخ العراق الحديث والتي كان الاستبداد في اقصى درجات الوحشية مع حصار جائر دولي وعربي ومحلي على شعب لايملك ناقة ولاجمل في حروب عبثية داخلية وخارجية دمرته ولم تنفع خدمات النظام الارتزاقية في عودته الى الحضيرة الدولية والتي استغلها البعض في الحلول مكانه!.
لو قدر للعراق تحت حكم صدام ان يعود للوضع السابق لعام 1990 لما تغير شيئا في العراق ولبقي الحكم طائفيا عنصريا وبمنتهى الوحشية ولبقي الرعب يسكن ابناء هذا البلد في داخله وخارجه.
التغيير الجذري بعد عام 2003:
مهما قيل عن عن الوضع العراقي بعد عام 2003 فهو في النهاية كان تغييرا جذريا للمجتمع برغم الظروف السيئة التي مرت بالبلد وخاصة في الحرب الاهلية التي اشعلتها الجماعات التكفيرية الداخلية والخارجية وبالتحالف مع البعثيين الهاربين من العدالة،التغيير الجذري هنا كان بمعونة خارجية وقد تسبب بدمار كبير اشترك فيه بصورة اساسية الارهابيون والفوضويون من شتى الاتجاهات.
اعتبر البعض ان قرار الغاء الجيش والاجهزة الامنية وحزب البعث والجهاز الاعلامي للنظام كارثة سببت الكثير من المآسي للبلد،والحقيقة ان تلك خرافة سخيفة لا يهضمها العقل ولا المنطق ولاحتى الوعي الناشيء من دراسة عميقة للعراق، فأزالة تلك الاجهزة الارهابية وبمختلف مسمياتها هو اعظم نصر للعراق من خلال ازالة اسس الاستبداد من جذوره ثم آثاره في بقية الجسد العراقي،واذا تضرر بعض ابناء الاقلية السنية العربية فيه بأكثر من غيرهم،فذلك يعود الى استئثارهم بالحكم لفترة طويلة،وبالتالي حان الوقت لكي يسمحوا لبقية المكونات الاخرى بأخذ حصتها كاملة من الحكم الجديد والذي لم يكن استبداديا حتى يمنع العرب السنة من المشاركة في الحكم وان كانت المآسي الكبرى تسمح به!،بل سمح لهم بالمشاركة وحتى بأكثر من حجمهم الطبيعي،ولكن ذلك لم يرق للبعض منهم والذي تعود على التفرد بالحكم من خلال شعور نفسي داخلي اصاب الشخصية الحاكمة وجعل النظرة للاخرين دونية وهو ناتج من الطبيعة الانسانية التي اذا كانت في القمة فأن نظرتها للاخرين بدونية وحقارة سوف تبقى حتى بعد فقدان الجاه والسلطة!،ولذلك تحالف العرب السنة مع الحكومات العربية في محاولة فاشلة لارجاع عقارب الساعة الى الوراء وجعل العراق يعيش من جديد في وضعه الشاذ! بدلا من اعادة بنائه ومساعدته للخروج من المحنة،ولذلك نرى العداء الرسمي العربي واضحا وغريبا وخاليا من اية اخوة او انسانية لحكومات العراق الجديدة المتعددة وديمقراطيته الوليدة بل والمطالبة بديون قذرة استخدمت لتدمير العراق بدلا من بنائه كما فعلت بقية دول العالم الاخرى التي تنازلت عنها!.
الاصرار الشعبي من قبل بقية المكونات مع الاصرار الغربي في بناء تجربة ديمقراطية هو الذي احبط تلك المخططات الشريرة والتي ارتدت على اصحابها بسرعة من خلال تعرض ابناء السنة العرب الى قمع كبير من جانب التكفيريين القادمين من خارج الحدود،مما سبب ثورة عارمة اطلق عليها اسم الصحوة عامي 2006-2007والتي ارجعت المناطق السنية الى السيطرة الحكومية وجعلت المصالحة امرا واقعيا مع استبعاد ايتام البعث والارهابيون منه.
تقييم نهائي وسريع:
الدولة العراقية الحديثة عاشت خلال 83 عاما وضعا شاذا من خلال سيطرة الاقلية العربية السنية على مقدرات البلد وبمعونة خارجية واستبعاد كامل للاغلبية الشيعية والاقليات الاخرى مثل الاكراد والتركمان والمسيحيون وغيرهم ما عدا فترة قصيرة دامت اقل من 5 اعوام ضمن حكم الزعيم عبد الكريم قاسم والتي اجهضت بسرعة.
التغييرات التي حدثت خلال تلك الفترة هي ليست فقط تغييرات فوقية خرافية في قمة المجتمع العراقي ارمز لها بالافقية اي بخط مستقيم من اعلى الطبقات الفوقية الى اسفل قاع المجتمع،بل هي تغييرات عمودية وبخط مستقيم ولكن ضمن طائفة واحد في المجتمع وتشكل الاقلية!،بمعنى ان كل التغييرات التي حدثت هي خرافية وغير حقيقية وضمن اقلية متحكمة،وبالتالي فأن نتائج التغييرات الفوقية هي من الندرة التي تفوق بلدان اخرى كثيرة يضعف فيها عامل سيطرة الاقليات المدعومة خارجيا على الحكم.
حاول الغرب وبمعونة بعض الدول العربية خلال فترة الحصار على خيار التغيير الفوقي من خلال تغيير رأس النظام فقط! وهو ناتج من العداء والخوف من سيطرة الشيعة على الحكم،ولكن المحاولات فشلت بفضل قوة النظام الامنية الارهابية ولو نجحت لبقي العراق ضمن خانة الدول الشاذة في العالم ويبقى وضعه دون تغيير حقيقي يعود بالنفع للجميع.
التغيير الراديكالي (الجذري) الذي حصل بعد 2003 وبتدخل خارجي كان ضروريا لغرض اخراج العراق نهائيا من الوضع الشاذ الذي يعيشه منذ بداية تاسيس الدولة على يد حكومة التاج البريطاني التي وعت حجم الكوارث من خلال تركيز السلطات لدى اقلية حاولت استخدامها بغية السيطرة الدائمة على العراق،الا ان نجاح التمرد على تلك السيطرة ثم تحوله الى الاستبداد الكامل الذي يحاول الخروج من القمقم للسيطرة على البلاد المجاورة سبب تهديدا مباشرا للمصالح الغربية التي لايقف امامها رادع الا واطيح به!.
الاستبداد الوحشي والذي وصل الى حد الاستهانة الكاملة بالكرامة الانسانية والابادة الجماعية هو الذي جعل الغالبية الساحقة من الشعب معارضين وسهل سقوط النظام المحتوم في ظاهرة طبيعية يمكن اختصارها بعبارة: كلما ازداد الاستبداد كلما سهلت سقوطه المحتوم!.
الامل كبيرا في ان يعود العراق الى سيرته الاولى ومن خلال ازالة الفوارق والتمايز بين المكونات المختلفة ومن خلال بناء الديمقراطية الحقيقية المرتكزة على الحرية والعدالة والتي هي الرادع الرئيسي لتكرار اساطير التغيير الفوقي الافقية والعمودية!.................


اسطورة التغيير الفوقي - القسم التاسع والثلاثون

عبيد يحسنون العبودية!
سئل احد المعتوهين من البعثيين في بداية السبعينات:ماذا تريدون من الناس؟! اذا كانوا قد خضعوا لحكمكم ولم يسلموا من انتقامكم واذلالكم المستمر لهم!.
فكان جواب ذلك الممسوخ الذي هو نموذج للبعثي المثالي في عرف دولة الارهاب البعثية:نحن لانريد فقط ان يكون الناس عبيدا لنا...بل نريدهم ان يحسنوا العبودية! بمعنى ان يكون عبيدا حتى في داخلهم،سواء في مشاعرهم واحاسيسهم وان يكون ذلك للمستقبل كما هو للحاضر،بل حتى للماضي والذي لم يسلم منهم ايضا!.
لقد وصل اذلال الناس حدا جعل الكثيرين يتمنون الموت على العيش في حياة تعيسة كتلك التي احياها العراقي في ظل حكم البعث الفاشي،بل في تقرير يكشف عن سن الفرد العراقي المتوقع فكان المتوسط في بداية حكم البعثيين في حدود 64 سنة،اما بعد ازاحته من السلطة فقد وصل السن المتوقع الى حدود 57 سنة!في وقت ازدادت معظم بلاد العالم الى حدود السبعين عاما!...وصل تدخلهم حتى في منع اختيار الاسماء الدالة على طائفة معينة او تتعارض مع معتقداتهم الفكرية الهزيلة ،ووصلوا حد التدخل في الاختيار الشخصي في الزواج اذا كان يتعارض مع امنهم المزعوم بل حتى فئة الاطفال الابرياء الذين هم بعيدين عن كل متاعب الحياة وقسوتها لم يسلموا من اجرامه واصبحوا عيونا امنية على عوائلهم هذا غير الذين فقدوا وهم بمئات الالاف في سجون النظام ومقابره الجماعية وتحت الحصار الذي يتحمل مسؤوليته الاولى،وفي النهاية كان الاذلال والرعب والقسوة ومسخ العقول وغيرها من الاساليب الاجرامية التي تعجز الاقلام عن كتابتها بل وتعجز العقول السليمة عن استيعابها الا والدموع تسيل بغزارة عند تذكر ملايين الضحايا وعشرات الملايين من المسجونين في بلد اسمه:العراق خلال محنة الاربعون عاما!!...
تعززت التفرقة بين المكونات المختلفة واصبح العداء واضحا بين مختلف الطوائف والمناطق وظهرت نتائج ذلك بعد عام 2003 عندما كشف الغطاء عن واقع العراق الحقيقي،وتحولت قوة الدولة الى سلاح اجرامي في ثراء وفقر المكونات المختلفة من خلال دعم الموالين ومعاقبة المخالفين حتى لو بالانتساب الى طوائف معينة واصبحت بعض الاماكن ثرية بفضل انتساب ابنائها الى اجهزة السلطة الغاشمة والتي كانت في السابق مهملة بينما تحولت الاغلبية الى فقر مدقع،ونشأت سياسة عجيبة هدفها السيطرة على الشعب واحكام السيطرة عليه من خلال اشغاله بمتاعب الحياة المعيشية وذلك من خلال حرمان من ابسط مستلزمات الحياة الغذائية وبعض ما يوصف بالكماليات! بالرغم من وجود القدرة الشرائية الكبيرة وهذه السياسة اتبعت في بداية السبعينات وعندما كانت واردات النفط تتضخم بفعل ازمة الطاقة وتبين انه اضافة الى اشغال الشعب حتى لا يراقب الدولة ويطالب بالتغيير والمشاركة،تبين ان جزءا كبيرا يذهب الى ميزانية التسلح والامن اللذان يفوقان حاجة البلاد الفعلية،كما اظهرت الدراسات الاقتصادية مدى الاستهتار بقدرات الشعب من خلال الصرف المالي على حزب البعث واتباع النظام وبناء امبراطورية اعلامية في الداخل والخارج تبين اثرها في التأييد الحاصل لدى الكثير من المغرر بهم بواسطة الاعلام!.
الهجرة الجماعية:
قبل عام 1963 كان يعيش خارج العراق بضعة الاف،اما بعد عام 2003 فقد وصل العدد الى بضعة ملايين!وبعد ان كان العراق مكانا للاستيطان البشري ولشتى الاسباب فقد تحول الى بلد طارد لابنائه،بحيث شمل تهجير مئات الالاف بشتى الحجج الواهية حتى وصلوا الى نتيجة اذاعوها بوقاحة لاحدود لها،انهم يقبلون بخمسة ملايين طائعين مخلصين والباقين وهم 20 مليون فهم مستعدون لابادتهم!!.
هذه الهجرة والحروب والابادة الجماعية ادت الى خلل سكاني واضح سواء بين الجنسين(ذكر وأنثى)او بين المكونات التركيبية للشعب العراقي،فأكثر المكونات تأثرا سلبيا كما ونوعا هم الشيعة ثم بعد ذلك الاكراد،اما الاقليات المسيحية فقد انخفض عددها كثيرا بفضل الهجرة الى خارج البلاد بل نفيت الى خارج البلاد مكونات كاملة برغم ضخامة عددها وتعيش في العراق منذ قرون طويلة مثل الاكراد الفيلية،كما ادى الى حدوث مشاكل اجتماعية لاحصر لها وخاصة مشكلة الارامل والايتام، كما ادى وجود ملايين العمال العرب والاجانب وهم في اغلبيتهم شبان عزاب اثناء فترة الحرب مع ايران الى حدوث مشاكل متعددة للدولة والمجتمع.
ولم يكن العالم العربي بأكثر من رافض لاستقبال هؤلاء اللاجئون بدلا من مساعدتهم على الرجوع الى بلدهم والاطاحة بطاغية مجنون وبشتى الوسائل المتاحة !،بينما استقبلتهم دول الغرب بطريقة تدل على مدى هزلية وتفاهة الوشائج العربية اذا وضعت على المحك،وتبين اثر الامراض الاجتماعية العربية لدى العامة بعد ان كان متوقعا توقفها عند حدود الانظمة العربية،وادى ذلك الى كره متبادل ورفض بين الطرفين لايعلم مداه الا من عاش تلك الحقب المظلمة من ابناء العالم العربي وهذه صفة عامة في التعامل الشعبي والرسمي بين العرب الاخرين ايضا!.
الهجرة الجماعية بهذا الحجم والناتجة من هكذا حكم يبين لنا نتائج التغيير السلبي في تداول الحكم وبخاصة بطريقة غير شرعية وقانونية بين الطبقات الفوقية من المجتمعات والتي تحكم الغالبية لمجرد التمتع بملذات الحكم التي تنسي الانسان آدميته!.
ارتزاق دولي وليس تخادم!
وصف حسن العلوي وهو بعثي سابق في كتبه سياسة النظام البعثي العراقي مع الدول الكبرى بسياسة التخادم،بمعنى ان الخدمة بين العراق وغيره يجب ان تكون متبادلة من خلال تبادل المنافع المختلفة عن طريق مراعاة مصالح العراق والدول الاخرى في طريقة تعامل العراق مع اعداء الاخرين واعداءه بمعنى ان العراق يخدم مصالح الاخرين وهم الغرب على الاكثر ومن ضمنها حروبه بالنيابة وفي المقابل يحصل النظام على قيمة اتعابه من خلال حصوله على مايريده!...وهذا تفسير ساذج لا يصمد امام العقل والمنطق! بل هو محاولة للالتفاف على الحقائق من خلال تهذيب كلمة الارتزاق الدولي بكلمة التخادم المتبادل،وهو يعرف من خلال عمله السابق في صفوف حزب البعث مقدار حجم الخدمات التي حققها نظام مستبد على شكل عصابة مافيا دولية الى المصالح الغربية في المنطقة العربية،والتخادم الدولي اذا صحت تسمية العلوي لا يصح الا بين بلاد متكافئة سواء بحجمها او بالاعمال المتبادلة والتي يقوم بها كل طرف لصالح الاخر،اما تلك الشروط فهي معدومة في حالة العراق بحجمه مع الدول الكبرى وبحجم الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن مع الدول الموالية لها،فالخلل واضح بلا شك والكفة في المصالح الغربية وحجم الدهاء وتوزيع السلطات يتنافى مع واقع العراق بحجمه الطبيعي وسيطرة طاغية متخلف مثل صدام! وهو في الحقيقة ابعاد لصورة الحق الواضح وبطريقة مكشوفة لا لبس فيها تدل على مقدار التزييف الذي يحصل في تحليل الوقائع التاريخية والسياسية.
منذ البداية كان حزب البعث مشكوكا في طريقة تأسيسه والغايات الناشئة من اهدافه والسرية المطلقة في عمله التنظيمي،وطريقة تسلقه المريبة في العراق وسوريا على الحكم وتغلغل المتعصبين من ابناء الاقليات وتحويل الحكم الى استبدادي أسري هو في الحقيقة دال على هشاشة في التركيبة الفكرية والنوعية للحزب والحزبيين،حتى اصبح مثالا واضحا للسخرية والاستهجان من قبل اصحاب الثقافة والفكر الذين يخالفون البعث قلبا وقالبا.
لم يكن التوقف عند طبيعة ذلك الحزب ناتج عن ظروف نشئته المريبة وضعف بنيته الفكرية والتنظيمية فحسب،بل هو نجاح تسلطه على بلدين عربيين كبيرين ثم استعباده لشعبي البلدين من خلال الوسائل البوليسية السرية في الحكم.
عمالة البعث العراقي اصبحت مكشوفة الى درجة تبرء جناح البعث السوري منه واصبح معاديا له،فتعامله مع المخابرات الغربية وخاصة في تسلمه لقوائم الشيوعيين بغرض ابادتهم قبل انقلاب 1963 ثم تعامله مع الحكومات الغربية وشركاتها النفطية لغرض اسقاط حكومة عبد الكريم قاسم التي سببت المتاعب للغرب وحلفاءه،هي دلالة واضحة وقوية على مدى عمالته المكشوفة،وفي انقلابه الثاني عام 1968 الذي وصف بأنه جاء بقطار بريطاني للتمييز عن الانقلاب الاول والذي وصف بالقطار الامريكي،هو ليس بالضرورة ان يكون التعامل مع الدولتين في تأسيس نظام موال للغرب،بل هو ناتج من طبيعة النظام الذي خدم المصالح الغربية بطريقة او بأخرى حتى وهو في قمه صراخه الاعلامي المعادي!.
بدأ النظام حكمه في القضاء على الاسلاميين وفي اغلبيتهم غير مسيسين اساسا!ووصل الامر الى قتل وسجن وتعذيب ونفي بطرق وحشية خالية من اي احترام للمبادئ والقيم الانسانية لرجال الدين وخاصة المفكرون منهم بينما تتباهى الامم الحرة بابنائها وبالعباقرة منهم!وهي خدمة للمصالح الغربية المعادية للاسلام السياسي والذي تجاوزه حزب البعث الى محاربة الاسلام التقليدي المتمثل بالعبادات البسيطة!ثم تطور الامر الى ابادة اليساريين وخاصة الشيوعيين منهم والذين يكنون العداء الى الغرب الرأسمالي الذي يخاف منهم في حالة استلامهم للحكم في بلدانهم اصة وانه كان يصارع الكتلة الشيوعية اثناء الحرب الباردة بينهما،وبالتالي فأن الخطر كبير عليه اذا تحولت بلدان العالم العربي ومن ضمنها العراق الى دول معادية ومتحالفة مع اعداءه.
وطريقة محاربة الخصوم خالية من كل صفات الرجولة والفروسية،ويمكن الاشارة الى قتل وتعذيب ومحاصرة اسر الخصوم وكل من يقرب لهم بدرجة قرابة معينة!.
اما العداء المزيف للغرب وخاصة للذين يطبلون لخرافة تاميم النفط عام 1972 فنقول ان تأميم النفط الحقيقي هو كان في اصدار قانون 80 لعام 1961 والذي انتزع معظم اراضي العراق(99,5%) من سيطرة شركات النفط،اما تأميمات حزب البعث وحجمها فقط 0.5% من ارض العراق فهي ناتجة في الرغبة على السيطرة على انتاج وتسويق النفط بدون ان يعلم احد بذلك لان شركات النفط كانت تحدد الانتاج والعائدات الناتجة منه والتي يحصل العراق عليها بفارق ضئيل عما حصل عليه بعد عام 1972 والتي كان تأميم جزئي لشركة نفط العراق العاملة في حقول كركوك اما الشركات الاخرى فقد جرى تعويضها كي تتنازل عن حصصها بين عامي 1973-1975 هذا بالاضافة الى شراء النظام لذمم الدول المالكة لشركات النفط من خلال منحها التعويضات الكاملة ثم الاستمرار في التصدير اليها بنفس الكميات السابقة،ثم ظهرت اعمال النظام الخسيسة اثناء حرب اكتوبر 1973 عندما استغل فرصة تخفيض الانتاج وارتفاع الاسعار في زيادة صادراته النفطية مع شاه ايران بغية الحصول على واردات اكثر في خرق واضح للقرارات العربية في خفض الانتاج لدعم دول المواجهة!.
واستمر استخدام سلاح النفط لخدمة المصالح الغربية من خلال زيادة الانتاج اثناء حدوث الثورة الايرانية مع السعودية الحليف الرئيسي في المجال النفطي للغرب! فقد ارتفع انتاج العراق النفطي عام 1979 بنسبة 36% وهي اعلى نسبة زيادة انتاجية في العالم خلال تلك الفترة لتعويض الحصة الانتاجية لايران وحرمانها من واردات النفط بعد انتصار ثورتها على الشاه! كما استغل النظام انتاجه وبدون رقيب خلال عقد الثمانينات وبعد عام 1996 في تصدير كميات كبيرة وبأسعار مخفضة ثم التستر على حجم الواردات المالية بأعتبارها من اسرار الدولة الكبرى! بل تحول الامر الى منع التصريح بالنفقات العامة وايرادات الخزينة ومرافق الصرف المالي منذ عام 1976 حيث اخذت التقارير الاقتصادية تعطي ارقاما تقديرية للواقع العراقي في الجداول الاحصائية حتى لا يمكن لاحد ان يقدر حجم قوة العراق الحقيقية في مختلف الفروع وكذلك للتغطية على فضائح الصرف المالي في امنه ومغامراته العسكرية والنفقات التي تخدم النظام واعوانه حتى لا تكشف سرقاتهم المفضوحة للرأي العام المحلي والدولي والتي تكشف الحقيقة الزائفة له، ولا ادري هل بقية دول العالم الاخرى تستهين بأمنها الداخلي اذا اعلنت عن الارقام الاحصائية والتي تبين حجم اقتصادها!.
وصلت عمالة النظام الى اعلى مراتبها واكثرها في العمل الخارجي عندما هاجم ايران عام 1980 مستغلا بداية نشوء نظامه الاسلامي والذي ارعبه فلم يكفيه حالة القمع الوحشي في داخل العراق،فقرر وبدعم وتشجيع غربي وعربي فريد من نوعه للاطاحة بالنظام الايراني الجديد،وزود النظام بمايحتاجه من سلاح وخبرات وعمالة اجنبية وسمح للنظام بأستخدام مختلف انواع الاسلحة بما في ذلك المحرمة دوليا حتى لم يستثني منها مواطنوه ايضا ولاول مرة في التاريخ دولة تستخدم اسلحة الدمار الشامل لابادة مجموعات دينية وعرقية مخالفة لها من مواطنيها!وكل تلك الجرائم جرت بتستر وتشجيع عربي ودولي لاحدود لها واصبح النظام الطفل المدلل للغرب وحلفاءه العرب دون ان يعوا الآثار الجانبية المدمرة لذلك التحالف الشيطاني الذي دمر بلادا وشعوبا باكملها،ثم كان الدعم المستمر منه لبعض الفصائل اللبنانية المتناحرة وقد تسبب ذلك في اطالة امد الحرب،ثم تدخله المستمر بين الفصائل الفلسطينية وتصفياته الشهيرة لكل من لايقف مع خطه السياسي منهم معروفة للجميع.

اسطورة التغيير الفوقي - القسم الثامن والثلاثون

بقي انقلابي شباط وتشرين الثاني 1963 بعيدان عن الواقع الشعبي،وكانا يمثلان صراعان من اجل السلطة بين حفنة من الضباط والمدنيين من حزب البعث وكلاهما طائفيين وعنصريين حد النخاع! ولم يصل من خلال الحكم اي تحسن ملموس في واقع الشعب ولا في ثباته على المبادئ الوطنية،بل حولوا قطاعات كبيرة من المجتمع الى غوغائيين يركضون وراء مناصب هزيلة في الاجهزة القمعية والحزبية،وانعدمت الحريات بمختلف انواعها،فقد فقدت السلطة التشريعية وجودها بشكل كامل واصبحت القرارات ارتجالية تعتمد في الغالب على تقديرات المسؤولين الكبار وبعضهم وصل الى المنصب دون ادنى معرفة بالواقع القانوني او الشؤون المتعلقة بحياة المواطن والبلاد،كذلك انعدمت استقلالية الجهاز القضائي واصبح القضاء لايستطيع العمل في القضايا الهامة ومنها السياسية،واصبحت المحاكم الاستثنائية هي الدائمة والتي تخرج قراراتها الجهنمية على المعارضين دون ادنى شفقة هذا اذا نجى المعذبون من التعذيب واتيحت لهم المحاكمة الغير عادلة والتي كانت سريعة الى درجة بضع دقائق في اصدار احكام على العشرات!،ولا يستطيع كل شخص معارضة ذلك فنهايته محتومة وبأبشع الوسائل الاجرامية،اما حال السلطة الرابعة(وسائل الاعلام)فقد اصبحت خاضعة للحكومة بشكل كلي وبالتالي انعدمت الصدقية فيها اذا كان يتعلق الامر بالحكومة واجراءاتها المختلفة! وبالتالي فقد اصبحت السلطات الثلاث مع السلطة الرابعة الغير رسمية في بوتقة واحدة خاضعة للسلطة التنفيذية والتي يمثلها الرئيس وزمرته!.
تولى رئاسة العراق منذ 1963 ولغاية 1966 العقيد عبد السلام عارف،وهو شخصية ضعيفة تمتاز برعونة وضحالة في التفكير استطاع السيطرة عليها عبد الناصر بحيث اصبح تابعا صغيرا له رغم اختلافهما بعد ذلك!...ثم بعد ذلك تولى اخيه الاكبرالفريق عبد الرحمن عارف الحكم لمدة عامين ولغاية انقلاب 1968 الذي ارجع حزب البعث الى السلطة،وكان الاخير يمتاز عن الاول بالهدوء والمسالمة وكره الاستئثار بالسلطة المطلقة،مع منح الكثير من رجالات الدولة المدنيين الكثير من الصلاحيات لممارسة عملهم وفق الاصول القانونية،الا ان سيطرته لم تكن مطلقة حتى يمكن له التحكم بالامور بل كان خاضعا لقادة المؤسسة العسكرية وبقية رجالات الدولة الاخرين دون ان يقدم على الاستقالة!.
حاول بعض رجالات الدولة المدنيين ارجاع الحكم الى الشعب من خلال سن دستور دائم للبلاد واقرار الحريات بغية عودة الامور الى طبيعتها الاولية،وكان على رأس ذلك رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز(ت1973) وقد خاض رجالات الدولة التكنوقراط صراعا مع المؤسسة العسكرية لتحويل البلاد نحو اعادة الحكم المدني،الا ان محاولاتهم فشلت مع اصرار غالبية اطراف المؤسسة العسكرية في التشبث بمواقعها السيادية وامتيازاتها الممنوحة لها مما جعل البلاد تستمر في العيش بدوامة الارهاب والاستبداد والطائفية.
خلال تلك الفترة من الحكم العارفي(1963-1968)اصبح الحكم مناطقيا،بمعنى ان الحكم لم يقف عند حدود الطائفية السنية الضيقة،بل تحول الى اكثر ضيقا ومحصورية في مناطق تعتبر غير مؤثرة في السياسة سابقا،كما تمتاز بالفقر الشديد وبصفات البداوة البعيدة عن التحضر خاصة في قربها الى الصحراء.
كان الحكم الملكي السابق وقبله الدولة العثمانية،يتركز الحكم بيد سنة بغداد والى حد ما الموصل،اما بعد انقلاب 1963 فقد تحول الى الحكم الى مناطق محافظة الانبار وعاصمتها الرمادي،والى تكريت وسامراء وما جاورهما من مناطق سنية وكل منطقة تضم قبائل مترابطة الوشائج فيما بينها .
تمتاز تلك المناطق بالفقر والجهل والتخلف والتعصب الاعمى مع تأخر في قبول التحضر بالمقارنة مع المناطق الاخرى،ولذلك جاء انتسابهم الى القوات المسلحة بكثافة بسبب الميول نحو مهنة العسكرية التي يبتعد عنها معظم العراقيين والتي لاتحتاج الى كفاءات عالية في القبول،وقد بدأ ابناء تلك المناطق في الدخول بكثافة في الكليات العسكرية في فترة الثلاثينيات بواسطة بعض اقربائهم في الدولة! ،ولكنهم حولوها بمرور الزمن الى سلطة غاشمة عمياء،وتحول الجيش الى اقطاعيات اقرب الى صورة الجيش الانكشاري في الدولة العثمانية،وبذلك جاء سلوكهم متوقعا عندما سيطروا على مؤسسات الدولة تباعا والتي تحولت مراكزها العليا الى من ينتسب الى مناطقهم وعشائرهم رغم انعدام المؤهلات المهنية والتعليمية والاخلاقية،كما امتاز سلوك هؤلاء بالخشونة المفرطة الخالية من الدبلوماسية واللياقة والادب!.
لم يستمرالتوحد طويلا بين تلك التجمعات حتى انتصر في انقلاب تشرين الثاني1963 الانقلابيون الذين ينتسبون الى المناطق الغربية اي محافظة الانبار،رغم بقاء تواجد الاخرين في بعض مراكزهم الا ان الغلبة المناطقية كانت واضحة لهؤلاء المتسلطون الجدد!،واخذت القابهم العشائرية بالانتشار في المجتمع بشكل غريب حتى اصبح مدار للتندر الفكاهي على سوء الاوضاع في العراق وخاصة سلوكهم الهمجي المشين.
لم يبتعد ابناء الطوائف الاخرى فحسب،بل اصبحت الابادة والاستهانة بكل حقوقهم ومقدساتهم وكرامتهم وخاصة الانسانية منها الى ادنى مستوى وضيع في التاريخ الانساني!وخلالها دخل العراق مرحلة سوداء لم يعرف مدى خسائرها الا الله تعالى والراسخون في العلم.
وبأنقلاب حزب البعث الثاني عام 1968 والذي قاده مجموعة انقلابية اخرى تنتسب في الغالب الى مناطق تكريت وما جاورها وهي اكثر تخلفا وفقرا وسوءا في السلوك من رفاقهم الاخرين!،تحول الحكم الى مناطق سنية اخرى وابتعد الحكم عن المناطق الغربية وعن سنة بغداد والموصل وان كانوا باقون في امتيازاتهم التي تجعلهم مختلفين ايضا عن الغالبية العظمى المستبعدة!ولذك اصبح سلم الامتيازات والتحكم بمصير العراق خاضعا لطريقة بدائية في التصنيف تبدأ بالاسر العشائرية ثم المناطقية ثم صعودا الى منتسبي الطائفة السنية العربية،وهي تقف عند هذا الحد اما البقية من الموالين من الطوائف الاخرى فهو من صفة المرتزقة المؤقتة الذين تمنح لهم الامتيازات الهزيلة بمقدار خدماتهم وفق احتقار الجميع،سواء سلطة او بقية ابناء الشعب الذين بقوا في معارضتهم الدائمة للحكم وهي بين السلمية الى الكفاح المسلح بغية تغيير الواقع المظلم المدعوم خارجيا بفضل الامتيازات التي يمنحها الحكم الطائفي العراقي لهم حتى يحصولوا على تأييد خارجي يجعلهم مستمرين في حكم ذلك البلد المهم في خارطة الشرق الاوسط العتيقة!.
انقلاب 1968:
حاول بعض الضباط الانقلاب على حكم الفريق عبد الرحمن عارف بعد ان وجدوه مسالما او ضعيفا حسب تعبيرهم!فقرروا القيام بتلك الحركة بالتحالف مع الاحزاب السياسية بغية منح الانقلاب صفة شرعية ولو صورية وكذلك الحصول على دعم بعض المدنيين في تلك الاحزاب وبالمقابل يتم منحهم بعض المناصب في الدولة،هكذا كانت تدار الاوضاع في العراق في تلك المرحلة!.
رفضت كل الاحزاب والشخصيات مشاركة الضباط المغامرين والذين يقودهم النايف والداود،ماعدا حزب البعث الذي وجدها فرصة مناسبة للقفز على الحكم مرة اخرى بعد ان ابعد نتيجة لجرائمه البشعة التي حصلت عام 1963 ولكن من المؤسف ان من قام بتلك الاعمال الاجرامية لم يلاقي جزائه العادل! وكان في تخطيط حزب البعث وكعادته في الغدر بأصدقائه ومنتسبيه،ان قرر قبل الانقلاب ان يبعد الضابطين واعوانهما من الحكم،وبالفعل قام الجميع بالانقلاب الاسود في 17 تموز 1968 وقد استسلم بسهولة عارف،وقد ابتهج الانقلابيون بذلك ومنحوا انقلابهم صفة الثورة البيضاء لعدم اهراق نقطة دم واحدة ولكن بعد ذلك سالت انهار من الدماء والتي لم تترك اسرة بدون ضحية!،بعد الانقلاب بأقل من اسبوعين وبالتحديد يوم 30تموز جرى الغدر بالحلفاء العسكريين وتمت عملية طردهم ثم تصفية اغلبهم في المستقبل!،وعندها اكتملت السيطرة لحزب البعث الفاشي على حكم العراق في غفلة من ابنائه المخلصين،وبذلك تحول البلد الى سيطرة رجالات المافيا الذين يمتازون بالقسوة والهمجية وبمحدودية تفكيرهم ومستوياتهم المعرفية وقد اثر ذلك في ادارة الحكم والتي حولت البلاد الى مزرعة تختص بالتكارتة ومن والاهم من القرى المجاورة لها!.
تولى العقيد احمد حسن البكر(1912-1982)رئاسة الجمهورية ومنح اقربائه المناصب الاخرى ومنهم صدام الذي تولى شؤون الامن والحزب في نفس طريقة ستالين الديكتاتور السوفييتي السابق في توليه الحكم وابعاد منافسيه من وراء ستار حديدي،وقد تطابق عمل الطاغيتين في طريقة الحكم فيما بعد بصورة تدعو الى الدهشة،وهي دلالة بالغة على ان الطغاة يتعلمون من بعضهم طرق الحكم ولايتعلمون عاقبة ذلك الطريق المرعب المنافي للانسانية وعدالتها.
تعاون البكر وصدام في ادارة الدولة في المراحل الاولى،وقد كانا ثنائي مثالي يحتاج احدهما لخبرات الاخر خاصة وان صدام لم يكن يحمل اي مؤهلات دراسية او ثقافية تساعده في حكم البلاد بطريقة عقلانية،ولكن كان يحمل مؤهلات مثالية للقتل والارهاب خاصة وانه كان سجين سابق ومتهم بجرائم كغيره من البغاة الذين رافقوه في حكمه الاسود، واصبح الابرز بأمتياز في تثبيت الدولة وتصفية الخصوم بطريقة بعيدة عن كل المثل والاخلاق ومبادئ الفروسية ،بل لم يتوانى الحكم البعثي من تطبيق اخس وأنذل الاعمال بغية الاستمرار في الحكم اطول فترة ممكنة،لانه كان اجراميا منذ البداية ومستعدا لابادة الجميع! وبذلك صعب عليهم التراجع حتى لو تم الضغط عليهم منذ بداية استيلائهم الغادر على السلطة ولذلك ظهرت نتائج حكمهم الوحشية للناظر وبأبشع صورة ممكن ان يتصورها انسان عاقل.
اول اعمال الحكم البعثي كان محاربة الاسلام وابنائه بكل مايمثله من دين وتراث،فتعرض كبار رجال الدين للقتل والتعذيب والنفي والاتهام بالعمالة! منذ عام 1969 وشمل ذلك رجال الدين السنة ايضا مع المنتسبين للتيارات الاسلامية المختلفة،وبدأت حربا ارهابية ضد كل من يمثل المبادئ الاسلامية حتى ولو كانت بصورة بسيطة مثل الصلاة! وقد فقد عدد كبير من الابرياء ارواحهم نتيجة لممارساتهم العبادية تلك والتي هي بعيدة عن السياسة والتدخل بأمورها المحرمة! ولم تجري تلك الاجراءات الارهابية دفعة واحدة بل كانت متسلسلة ووفق منهاج دقيق يدل على ابداعات عقول اجرامية لاحدود لقدراتها امام التصورات الطبيعية التي من الممكن معرفتها بأعمال الاشخاص الذين يمارسون الاجرام المنظم!.
بدأت التصفيات الجسدية تصل الى رفاقهم(والقوائم طويلة لاحصر لها) وبطريقة خالية من كل مايمثله ذلك من احترام لمبادئ حزبهم المزعومة او حتى لمبادئ الانسانية بل اصبحت الرحمة كلمة مفقودة من قاموس البعثيين الذين فقدوا احترام الجميع منذ عام 1963 وقد وصلت الاستهانة بكرامة حزبهم الذي تحول الى مجرد جهاز امني بحت يفرض على البسطاء وحتى الاطفال الانتماء اليه بالاجبار!.
تميز حكم البكر لغاية عام 1979 بسيطرة الاثنان على السلطة رغم ان صدام ازدادت سلطاته عليه منذ عام 1974 حتى اجبره على التنازل عن رئاسة الجمهورية والقبول في العيش وحيدا تحت مراقبته لغاية وفاته بطريقة مريبة.
كان الحكم في سلوكه السياسي فوضويا ،فالبنسبة للسياسة الخارجية كانت لغاية منتصف السبعينات غير واقعية تماما وخاصة في الاستهانة بقدرات بلدهم المحدودة تجاه قوى كبرى قادرة على سحق العالم العربي برمته!كذلك كانت سياستهم الاقتصادية فاشلة ولا توجد في ادبيات حزبهم سوى استعارة للفكر الاشتراكي رغم اختلاف الظروف مع دول اوروبا الشرقية،ولكن بعد حرب 1973 مع اسرائيل والتي اشترك العراق فيها،فقد تغيرت الامور بعد تصحيح اسعار النفط واصبحت الواردات النفطية العراقية من الضخامة بحيث تستطيع التغطية على فشل الدولة وتحويله الى نجاح بفضل الماكنة الاعلامية العملاقة التي امتلكها في محاولة للحلول محل عدوهم عبد الناصر في زعامة العالم العربي والتي كانت صعبة عليهم نظرا لخلافهم الكبير والمزمن مع الجناح الاخر لحزب البعث في سوريا!والذي كلف البلدان الكثير من الخسائر المروعة،بينما بقيت دول الخليج في حالة قلق من حكم حزب البعث في العراق لكونه لايعترف اساسا بشرعيتها لانه كان يدعو الى الوحدة العربية الفورية وتحت قيادته! ولكن الظروف بعد نجاح الثورة الايرانية تغيرت وتحول العداء الى تحالف قوي،عندما اجتمع الجميع للوقوف بوجه المارد الايراني خوفا من انتشار الثورة ومنعا لوصول الشيعة لحكم العراق!.

اسطورة التغيير الفوقي - القسم السابع والثلاثون

وصل التغيير الى قاع المجتمع العراقي حتى ان عبد الكريم قاسم اختار وبأصرار دال على استهانة كاملة بالفروقات الدينية والمذهبية والعنصرية في المناصب العلمية الرفيعة اكاديميا عبقريا ينتمي الى طائفة الصابئة (د. عبد الجبار عبد الله) كرئيس لجامعة بغداد في نادرة حقيقية مازال العالم العربي محروما منها لحد الان،ولكن في همجية لاحدود لها قام البعثيون الانقلابيون بطرده ثم اعتقاله وتعذيبه!، ورغم ان التغيير لم يكن بمستوى العدالة المطلقة من قبيل وصول نسبة التوظيف وخاصة في القوات المسلحة والحكومة الى نسبة الطوائف في التكوين العراقي،الا انه اسس لعقيدة سياسية جديدة تدعو الى المساواة والعدالة بين الجميع في بوتقة الوطنية الخالصة،وقد وصل قمة تطبيق هذا المنهاج الوطني السليم من خلال ازالة الاكواخ وتجمعات المستوطنين الفقراء في محيط العاصمة بغداد والذي يقدر عددهم آنذاك بمئات الالاف وغالبيتهم الساحقة من الشيعة وبناء مدينة حديثة وعصرية تستوعبهم وتحقق كل رغباتهم المكبوتة بحيث اصبح سكان ذلك الحي والذي سمي بمدينة الثورة(حاليا مدينة الصدر)اكبر احياء العاصمة بل اصبح يشكل نسبة تقارب 40% من تعداد سكانها!وهي تقع في الجانب الشرقي للعاصمة بينما بنى حي آخر كبير في الجانب الغربي على نفس المنوال مع تمليكهم الارض والبناء مجانا! بينما الان يعيش في العالم العربي على سبيل المثال ملايين الفقراء الذين لايجدون مأوى للسكن وسط تفرج حكوماتهم المنشغلة بتثبيت الحكم وبناء اجهزته القمعية! وهي ظاهرة تستحق المتابعة في انعدام رؤية زعيم من دول العالم الثالث يتابع حياة الفقراء بشكل مكثف او حتى الظواهر السلبية البسيطة في المجتمع من قبيل انعدام الخدمات والنظافة وغيرها خلال النصف قرن الماضية!.
ومع تأسيس الاحياء الشعبية والمهنية المختلطة،ازدهر التزاوج بين المكونات المختلفة واصبح شائعا جدا بينما كان في السابق على نطاق ضيق،واكثر الاسباب التي تجعله منتشرا هو شيوع الافكار العلمانية وسياسة الدولة في التسامح والمساواة بين الجميع مما جعل التعايش الذي كان هشا وغير دقيقا في الماضي،اصبح يمثل قيما اجتماعية جديدة يصعب على من يحاول ارجاع عقارب الساعة الى الوراء القضاء عليها ،ولذلك فأنه رغم حكم الطائفيون العنصريون للعراق بعد تلك المرحلة القصيرة ورغم اشاعتهم لكل مظاهر التفرقة بين المواطنين،فأن التعايش والتزاوج بقي منتشرا بين جميع المكونات ماعدا المناطق التي يقيم فيها مكون واحد مطلق وبدون تواجد للمكونات الاخرى،وهذا التعايش السلمي والناتج من العلاقات الاجتماعية الجديدة في المجتمع العراقي،قد جعل النظرة الى الحكومات العراقية المستبدة موحدة من خلال معارضتها او النظر اليها كجسم غريب في البلد لايعنيهم في شيء مادامت خاضعة لاجندة تتعارض والمصلحة العراقية العليا.
حقق الانقلاب(1958) الكثير من الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لايمكن نكرانها،وبرغم الاخطاء التي حدثت في مسيرتها الا انها ليست بالشكل الذي يجعلها مكروهة من قبل الشعب او ما صوره الاعلام المعادي،وكانت مظاهر تواجد الاحزاب وعملها بحرية مع الصحافة وانتشار التعليم المجاني،قد اسس لمرحلة انتجت جيلا كبيرا من المتعلمين والمثقفين وعلى رأسهم مفكرين كانوا مع الاسف الشديد هدفا للحكام المستبدين الذين لايوجد لديهم وازع ديني واخلاقي ووطني في الحرص على تلك الطاقات الهائلة التي تبني الامم وتجعلها في الصدارة .
المعارضة الدينية لحكم قاسم كانت بالاساس ناتجة من انتشار الافكار الالحادية والعلمانية في المجتمع وهي ظاهرة بارزة آنذاك في العالم العربي وليس العراق وحيدا فيها،واعتبروه مسؤولا عن التساهل مع تلك الظواهر وهي في الحقيقة ليس تغافلا وتسامحا منه بل يعود الى ضعف التأثير الديني الذي اخذ يضعف في المجتمع بسبب ابتعاد رجال الدين عن السياسة والتوجيه،مما سبب ضعف نفوذهم الديني مع انتشار مظاهر التحضر الناتجة من التواجد الغربي في العالم العربي،وهي مظاهر ارتكزت على السلبيات دون الايجابيات وبشكل جاء مشوها مما سبب صدمة كبيرة للمتزمتين دينيا والذين حاربتهم الانظمة بمختلف اتجاهاتها،حتى حصول نكبة 1967 والتي هي هزيمة لكل الانظمة العربية بما فيها الخطوط الفكرية السائرة عليها،وبما ان الخط السياسي الاسلامي كان بعيدا عن ذلك،فقد انتعش من جديد في ردة فعل قاسية على تلك الهزيمة،واستمر في ذلك المستوى من ردة الفعل حتى انتصار الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 وعندها ظهرت الصحوة الاسلامية الجديدة كظاهرة عامة في العالم الاسلامي بمختلف دوله وشعوبها.
نكبة الاربعون عاما:
بدأت النكبة العراقية في يوم 9\شباط (فبراير)\1963وهو تاريخ مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم بعد يوم من انقلاب 8 شباط 1963 على يد زمرة حزب البعث الفاشي والعسكريين القوميين الطائفيين،وانتهت في 9\نيسان(ابريل)2003 وجاء مقتله بعد ان نكلوا بوعدهم اليه في الحفاظ على حياته فأضطر الى الاستسلام،وهذه صفة مذمومة ودموية اصبحت شائعة لديهم خلال الاربعون عاما اللاحقة!.
استعجل الانقلابيون تحركهم وبدعم خارجي لاحدود له ضد قاسم مستغلين تسامحه مع معارضيه!،خاصة بعد ان شاهدوا ان الاوضاع بدأت في التغير في العراق وخاصة في حصول الاغلبية المبعدة على معظم حقوقهم،وخوفهم من هدف قاسم التالي في البدء بأجراء انتخابات عامة نتائجها معروفة لديهم في حصول الاغلبية على حصتها كاملة مع توقع اكتساح الحزب الشيوعي لمعظم الاصوات لكونه القوة السياسية الاولى في البلاد،بينما كان التيار القومي بما فيه حزب البعث يعيش في مناطق محدودة وفي مجال طائفي واحد مع قلة مؤيديه وانعدام وجود رموزه الفكرية،لكنه في المقابل كان يملك الكثير من العناصر العسكرية والتي هي من بقايا النظام الطائفي السابق،مع تأييد عربي ودولي واضحين،ومع الرغبة الشعبية في سحق المتمردين عند قيام الانقلاب في 8 شباط في فرصة نادرة،وقع قاسم في خطأ تقدير قوتهم ومحاولة ابعاد المؤيدين له من الطبقات الشعبية التي تحبه بشكل قلما يحدث لزعيم في العالم العربي عن الاشتراك في القتال ليحفظ للدولة حقها الوحيد في المقاومة،وهذا التأييد كان قادرا على سحق التمرد بسهولة لكن الخوف من خروج السيطرة عليهم وجعل المقاومة محصورة في القوات المسلحة،جعلت المتمردين في موقف اقوى حتى انتصارهم عليه بوعدهم الغادر بالامان،ولكن رعبهم من شخصيته ومن مؤيديه جعلهم ينتقمون منه بعد القبض عليه في طريقة اعدام وحشية،تبعها انتقام رهيب من قبره وجثمانه في خوف نادر منه رغم مماته بسبب تحول قبره الى مزار من قبل بعض محبيه!....
وبعد نجاح الانقلابيون بدأت اقسى مرحلة دموية في تاريخ العراق الحديث،فبدأت عمليات ابادة لاحدود لجنونها وبطريقة بدائية ووحشية انتهكت حتى الاعراض فيها،وكان اولى عمليات الابادة قد خصت اليساريون بمختلف اتجاهاتهم،ثم تبع ذلك الاكراد بعد ان غدروا بوعودهم لهم،ثم بقية التيارات الاخرى،وقد وصلت الجرائم حد الابادة الجماعية حتى استنكرت الدول المؤيدة للنظام الطائفي الجديد تلك الجرائم التي فاقت التصورات،وخلال فترة تسعة اشهر حتى انقلاب 18\11\1963 قدر عدد القتلى بحوالي 20 الف ضحية على اقل تقدير من 6 ملايين هو عدد السكان آنذاك،وقد لعب حزب البعث وجناحه المسلح المسمى بالحرس القومي دورا خطيرا بحيث جعله منبوذا منذ ذلك الحين،وحتى ان شريكه الطائفي عبد السلام عارف استطاع بسهولة ان يقضي عليهم بعد ان بدأت رحلة التصفيات الدموية فيما بينهم تأخذ منحى خطير في دوامة رهيبة . وصادف بعد انقلاب العراق بشهر ان قام انقلاب اخر بعثي في سوريا وبتأييد من عبد الناصر ايضا!،ولكن الخلاف بين الاطراف الثلاثة والتي تبين مدى ضئالة تفكيرهم الجمعي وحبهم الاعمى للسلطة وانعدام الوازع الاخلاقي والوطني في طريقة الحكم،كل ذلك اثر بشكل كبير في سلوكهم مما جعلهم يختلفون حتى في الاتحاد المزعوم فيما بينهم والذي كان شماعة الانتقام من انقلاب 1958!.
بعد انقلاب شباط 1963 الاسود،ارتد العراق الى الوراء نصف قرن تقريبا،وشاعت المظاهر الطائفية وبشكل علني في كل مكان واصبح الزعماء الجديد يمارسونه بصورة تثير الاشمئزاز تجاه من يفترض انهم مواطنوهم ومن نفس دينهم ولغتهم! حتى اشتهروا بسياسة فرق تسد مع ابناء وطنهم في محاولة ضرب الشيعة بالاكراد والتي تنبه القادة الدينيين لها فأصدروا فتاوى بتحريم القتال ،ثم جرت عمليات ابعاد من المناصب المهمة لكل من لا ينتسب الى طائفة العرب السنة بصورة عامة ، والتيار القومي بصورة خاصة الذي هو تيار هزيل بعمقه الفكري وعنصري بشكله وطائفي مقيت بسلوكه تحول بسرعة الى تلك الصفات في ظاهرة جديدة وهي ان التيارات المحددة بفئة معين من البشر يتحول بسرعة الى تيارات طائفية وعنصرية وعرقية تمارس بسهولة الدعارة الدموية فلذلك لايمكن بل ولاتقارن ابدا بالتيارات الاسلامية صاحبة التراث الفكري الضخم بما يمثله من عقيدة ومبدأ وسلوك وحياة وعالمية لاحدود لها،والتيارات اليسارية وخاصة الشيوعية بما تمثله من فكر وثقافة عالميان قويان بدرجة كبيرة ومستندة الى تراث اوروبي وعالمي ناشيء من مقاومة سلبيات الحضارة الانسانية رغم تحولها الى الاستبداد المقيت في النهاية،وكذلك لاتقارن بالليبرالية التي هي في جوهرها تقدس حياة الانسان وحريته وخاصة معتقداته الدينية والفكرية وتحارب كل مايقيد فكر الانسان او يحوله الى وحش آدمي للسلطة.
ان المتابع للتيارات القومية والتي حكمت بلاد كثيرة سواء في اوروبا او في العالم العربي،انها اوصلت شعوبها الى دمار مهلك واستهانة ليس بحقوق الشعوب الاخرى،بل حتى في حياة الانسان والحط من كرامته وحريته في البلاد التي تحكمها من خلال نماذج بشرية غاية في الانحطاط والتفاهة الثقافية والاخلاقية،وكل من يكابر بتلك الحقائق الماثلة للعيان،هو معاند لوقائع كاملة لاتحتاج الى تحريف،والى سيرة سلوك غير سوي لقطيع من البشر لا يمتلكون من الانسانية الا اسمها،ومن البهيمية الا طبائعها والنتائج المدمرة الناتجة من جراء ذلك التوحش.
رغم عدم شعبية رجالات انقلابات حقبة الاربعون عاما الا انهم بالقوة والحديد والنار استطاعوا ابادة كل من يقف ضدهم دون ان يراعوا كم ونوع المقاوم لهم!،ورغم امتلاكهم لقدرات الدولة وخاصة التضليل الاعلامي،الا ان الغالبية العظمى من الشعب بقوا على مسافة بعيدة عنهم حتى لا يتلوثوا بقذارتهم رغم نجاح حضورهم العربي والدولي الذي كسب هؤلاء المرتزقة والذين تحولوا الى مجرد عصابات مافية قاتلة لكل من يدفع الثمن ومهما كان ذلك الثمن قليلا!.وهذا يفسر لنا حجم الرفض الواسع لهم في داخل العراق وحجم التأييد الواسع لهم من جانب الانظمة والشعوب العربية الاخرى التي تجهل الحقائق او تتغاضى عنها لصالح ماهو اهم في رأيها من قبيل المحافظة على سيطرة العرب السنة على حكم العراق وابقاء العراق قاعدة لانطلاقتهم لتحرير فلسطين بزعمهم!.
امتاز الانقلابيون بضحالة تفكيرهم ومستواهم الفكري والتعليمي بشكل يفوق التصور،حتى اصبح سمة خاصة بأتباع حزب البعث وهو الذي استطاع السيطرة على الساحة السياسية بعد ان اباد حتى مجموعات القوميين الاخرى مثل الناصريين وغيرهم،فقد كانوا مثال للتندر على همجيتهم لدى الطبقات المثقفة الى ان انتهوا في نهاية مخزية معروفة ولكن متأخرة كثيرا في عام 2003.

اسطورة التغيير الفوقي - القسم السادس والثلاثون

وقد شاعت الكثير من الخرافات عن فترة حكم الجنرال قاسم في العراق بحيث مازال الكثير من العرب خاضعين الى دعايات اعدائه الكاذبة وخاصة الذين ناصبوه العداء في مصر ودول الخليج،فقد وجده عبد الناصر منافسا قويا له فلم يدخر وسعا في محاولات الاطاحة به والتسبب في وصول عصابات اجرامية الى حكم العراق تسببت في دماره ولفترة طويلة(1963-2003) فهو اي عبد الكريم قاسم بالاضافة الى نزاهته فقد كان شخصية قوية تمتلك من الثقافة العالية واخلاق الفروسية ما ينقص الاخرين وكان يميل وبشدة الى الوطنية العراقية وبصورة عقلانية بعيدة عن الشعارات البارقة والتهور اللذان كانا عبد الناصر وحزب البعث يحملهما،فقد كان الدعم العراقي في فترة حكمه لبقية البلاد العربية يجري على قدم وساق وبدون ادنى استغلال ذلك لبناء نفوذ شخصي رخيص يقوض تلك البلدان ويخطط لزعامة استبدادية كبرى! وهو درس كبير لمن يريد ان يساعد الاخرين بعيدا عن الاستغلال الغير اخلاقي والمصلحي النفعي ،فالدعم العراقي على سبيل المثال لثورة الجزائر كان الابرز وبدون ضجيج اعلامي بسبب ان نظام قاسم لم يكن نظاما حزبيا او شموليا يملك امبراطورية اعلامية (الاعلام كان غير خاضع للدولة) تسوقه الى الزعامة العربية بل جعل بناء الجمهورية الوليدة هدفه الرئيسي لانه يعرف حجم العراق وامكانياته وتنوعه الثقافي والبشري والتي يتجاهلها التيار القومي بغباء ظاهر للعيان لايحتاج الى ادلة موثقة ناتجة عن ضحالة في الفكر القومي وتعصبه الشوفيني!،بالاضافة الى دعمه الى الثورة الفلسطينية وثورة اليمن وظفار وغيرها من حركات التحرر العربي والعالمي مع دعم استقلال البلاد العربية الحديثة مثل المغرب الذي لم يتخلص من التواجد العسكري الفرنسي الا بالدعم العسكري من العراق من خلال تزويده بالاسلحة مجانا، ولذلك فأن العراق في ذلك العهد قد حاربته بالاضافة الى الدول الغربية الكبرى بسبب انهاء النظام الجديد على احد اهم دعائم نفوذها في الشرق الاوسط،وهو النظام الملكي وايضا على حلف بغداد الذي اعد لكي يقف بوجه التمدد الشيوعي والقومي،كذلك وجه ضربة مالية قوية لبريطانيا من خلال انسحاب العراق من منطقة الاسترليني،ثم حقق النصر الكبير في انتزاع 99.5%من ارض العراق الممنوحة للشركات الاجنبية الاحتكارية والتي كانت تمنح العراق نصيبا ضئيلا من عائدات النفط ثم في تلكؤها استثمارالمزيد في النفط وصناعته،وكان ذلك في اصدار القانون 80 الشهير عام 1961 والذي تلى تأسيس منظمة الاقطار المصدرة للنفط(اوبك)عام 1960 في بغداد بمبادرة رئيسية من العراق مع وزيري النفط الفنزويلي والسعودي(الوزير الطريقي)،ثم جاء عامل اقامة العلاقات مع المعسكر الشيوعي في وقت كان الغرب يحاول تطويق ذلك المعسكر من كل الجهات،فكانت تلك الضربات القوية هي سبب رئيسي في اشتراك العامل الخارجي في معاداة العراق واسقاط حكومة الجنرال قاسم فشركات النفط الكبرى ساهمت في المؤامرات والتي كانت سطوتها قوية جدا في ذلك الوقت بحيث تخضع الحكومات لها بعكس الحالة الان ومنذ تحجيمها بداية السبعينات،مع الحكومات الغربية وخاصة جهاز CIA الذي زود انقلابيو شباط 1963 بأسماء وعناوين مئات المعارضين وخاصة اصحاب الكفاءات العالية! والذين تمت ابادتهم بمجازر مروعة،حتى اشتهر عن ذلك الانقلاب انه جاء بقطار امريكي!،كذلك ساهمت ايران وتركيا في معاداة الحكومة العراقية بسبب العلاقات القوية مع الغرب،والعامل العربي كان المساهم الثاني الخارجي في اسقاط حكومة العراق الوطنية،بحيث اجتمعت بعض الحكومات اليسارية مع المحافظة في ظاهرة غريبة قلما تحصل في العالم العربي والتي تكررت مرة اخرى عندما شن صدام حربه المجنونة ضد ايران!،فكانت مصر الناصرية الاكثر تأثيرا في دعمها للمتمردين والانقلابيين بعد ان وجد عبد الناصر في قاسم معارضا ومنافسا قويا لزعامته خاصة بعد سقوط تجربة الوحدة في مستنقع الاستبداد،ثم السعودية بسبب الخوف من التأثير الثوري على حكمها المحافظ ثم ماتعتبره ميلا منه نحو المعسكر الشيوعي آنذاك وكأن المعسكر الرأسمالي ملتزم بالاسلام او بقضايا العرب!! ثم الكويت التي دعمت الانقلابيون لانه طالب بها قاسم مما جعل استقلالها غير كامل ولم توافق الامم المتحدة على قبولها كعضو الا بعد مقتله بثلاث اشهر في صفقة متبادلة بين امريكا والاتحاد السوفييتي كشرط في قبول منغوليا العضو الشيوعي ،ورغم ان المفاوضات بينها وبين قاسم كانت قد وصلت الى صيغة الحكم الذاتي الا انها انتهت بمقتله وبمشاركة من حزب البعث الذي قبل بالكويت كدولة في صفقة معروفة بينهما ثم نقض ذلك ايضا عام 1990! دون ان يأخذوا رأي الشعب او الفعاليات السياسية الهامة في الحالتين في لعبة عبثية دموية.
اما في الداخل العراقي فقد كان بالاضافة الى الضباط المتآمرين والاقطاعيين الذين فقدوا املاكهم الضخمة،هناك الاحزاب المتطرفة من كل الاتجاهات ورغم ان الحزب الشيوعي العراقي كان الاكثر شعبية وشهرة الا ان صراعه مع احزاب صغيرة جلبت لها شهرة لاتستحقها مثل حزب البعث الذي كان صغيرا جدا،والصراعات سببت مآسي كثيرة مما ولد احقاد بين فئات شعبية كثيرة لا يد للزعيم قاسم بها ولكنها اساءت لحكمه من خلال اتهامه بعدم السيطرة على الاحزاب التي منحها الحرية في العمل والتي اساءت استخدامها،مما ادى الى معارضة تلك الاحزاب له بسبب دعم الشيوعيين لقاسم،ثم هناك احزاب الاكراد التي بدأت تمردا قبليا مسلحا في الشمال ضده في نهاية عام 1961،وبالتالي فقد تأييد الكثيرين بسبب عدم نضج الجميع للمتغيرات التي حصلت في المجتمع ومما زاد في الطين بله هو انتشار الافكار الالحادية والعلمانية التي تحارب الدين الاسلامي علانية مما ادى الى معارضة رجال الدين لحكمه واعتباره مسؤولا عن شيوع ذلك الفساد الفكري والاخلاقي!وفي الحقيقة كانت تلك موجة علمانية تتخللها في بعض جوانبها تطرف في الالحاد ليس فقط في العراق وانما في العالم الاسلامي ككل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ولاسباب عدة ومن بينها شيوع الافكار الشيوعية والليبرالية ثم في ابتعاد الاسلاميين عن العمل السياسي او التدخل فيه وبخاصة من جانب العلماء،مما سبب فراغ هائل انتبه له بعض المفكرين الشباب بعد فوات الاوان فبدأوا العمل السياسي سواء في العراق من خلال الامام الشهيد محمد باقر الصدر وتأسيسه لحزب الدعوة الاسلامية او الامام موسى الصدر في لبنان والعلامة الشهيد المطهري في ايران وسيد قطب في مصر،ولكن مع الاسف الشديد سقط في تلك الصراعات عدد هائل من الابرياء وبطريقة دموية وهمجية لم تستثني حتى المفكرين الذين وصلوا بالفكر الاسلامي الى القمة! ومن المخازي ان تلك الصراعات الدموية لم تكن مع الاحزاب والحركات العلمانية او الالحادية وانما مع الحكومات المستبدة في ظاهرة تستدعي الانتباه!.
لقد وصل عدد المؤامرات ضد حكم عبد الكريم قاسم القصير حوالي 40 مؤامرة! كانت الاخيرة هي الناجحة وفي نفس الوقت كان يعلم بها وبمقدوره سحقها الان انه استهان بقوتها لمعرفته بمحدودية التأييد الشعبي لها ثم بقادتها الذين لم يلتزموا حتى بكلمتهم في الحفاظ على حياته بسبب خوفهم منه وهو الذي كان شعاره الشهير(عفا الله عما سلف) والذي اصبح مثال في التألم من وصول طاغية بحجم صدام الذي لم يدخر وسعا في ابادة معارضيه بينما يعفو قاسم عنهم بطريقة لا يتصف بها اطيب الحكام العرب وسهلت القضاء عليه بسهولة،ولذلك انتهى حكمه في انقلاب دموي اسود اشترك كل الحاقدين والمجرمين مع تحالف عربي ودولي تسبب في دمار للعراق لمدة اربعين عاما!!.
تقييم تلك المرحلة:
لتقييم تلك الفترة(1958-1963) ينبغي الاشارة الى ان تلك الفترة كانت تعتبر العصر الذهبي في انعدام التعصب القومي والديني والمذهبي في العراق،بسبب السياسة الصائبة التي اتبعها الزعيم قاسم والتي هي مثالا للوطنية الخالية من التعصب لأي ملة او حزب،فخلال فترة حكمه القصيرة جرى مساواة المواطنين بشكل لم يشهد له العراق مثيلا مما جعل الغالبية العظمى من البسطاء يحبونه بدرجة قلما تحصل الى زعيم عربي ولحد الان ورغم رحيله فأن شعبيته مازالت ظاهرة للعيان بشكل غريب،فقد تحررت الغالبية الشيعية من القيود المفروضة في التوظيف الحكومي وخاصة في القوات المسلحة مما سبب اثارة المتعصبين السنة لذلك حتى اتهموا قاسم بأنه شعوبي وهي تهمة السفهاء لا يلفظها الا الحمقى لان الشعوبية كانت حركة فكرية قديمة في العصر الاموي والعباسي ضد طغيان العرب في الدولة الاسلامية،مما جعل الشعوب الاخرى تقف ضدهم كرد فعل طبيعي من جانب المضطهدين،وهي تنقسم الى قسمين الاول تدعو الى المساواة مع العرب كتطبيق صحيح للاسلام،والاخر تطرف في عدائه للعرب فأخذ يعمل على الحط من قدرهم،وبذلك يكون من الخطأ الفاحش الصاق تلك التهمة فقط بالفرس والذين كانوا حينها يتبعون المذاهب السنية! لانهم جزء بسيط من الشعوب التي حكمها العرب،ثم الخطأ الاكبر الاخر هو الصاق تلك التهمة بالشيعة كون ان جزء كبير منهم يعيشون الان في ايران ،ولكن المتطرفين السنة في العراق وخارجه وبغباء فكري ظاهر وجدوا في تلك التهم الجاهزة وسيلة للحط من قدر ومكانة الشيعة بعد ان سمح الزعيم قاسم لهم ولغيرهم من الطوائف الاخرى بالعمل والعيش بكرامة كغيرهم مما جعل هؤلاء المتعصبون الحمقى يثورون في كل اتجاه وهم يشاهدون اخوة لهم في المواطنة يحصلون على نفس حقوقهم التي تدعوا اليها كل الاديان والمبادئ الحرة،في شعور همجي غريب بأن الامتيازات للاقلية قد فقدت وهو ناتج من انعدام شعور وطني وانساني متراكم لدى كل من يعتقد به،وهذا من اهم الاسباب التي جعلت الضباط وغالبيتهم طبعا من العرب السنة يعملون كل ما في وسعهم لارجاع العراق الى حضيرة الطائفية المقيتة وفق الصيغة المشؤومة التي عرفت بصيغة النقيب- كوكس الطائفية في بداية تأسيس الدولة، ولو بالغدر وقوة السلاح ومدعومين من المحيط العربي الذي يتفق معهم في اللغة والمذهب،ومع الاسف الشديد نجحوا في ذلك في الانقلاب الذي استمر 40 عاما جعل العراق دولة شاذة يسودها الاستبداد،تقتل ابنائها ببرود ومشاركة دولية وتنتج الدمار في كل مكان.
لقد كان التغيير جذريا وان لم يكن بصيغته المطلقة في انقلاب 1958 وهو من الحالات الشاذة في التغيير الفوقي ولكن مع الاسف الشديد لم يستمر طويلا،وهي فقرة هامة تستدعي التوقف عندها والتأمل والبحث للخروج بنتائج تفيد العمل المستقبلي خاصة من ناحية الطموح لتأسيس مشروع تغييري شامل ينقذ المجتمعات الراكدة والتي تعيش في سبات عميق وتحتاج الى هزة حضارية تقارب حصار الاسطول الامريكي للسواحل اليابانية في منتصف القرن التاسع عشر بغية فتح اسواقها بالقوة،مما جعل الفتح يتجاوز الاسواق ليشمل كل مناحي الحياة والتي خلق لليابان نهضته المعروفة.

اسطورة التغيير الفوقي - القسم الخامس والثلاثون

في تلك المرحلة والتي امتدت من عام 1946 ولغاية سقوط الحكم الملكي عام 1958،تميزت بأنفتاح كبير على جميع مكونات الشعب العراقي وان كان دون مستوى الطموح في انهاء مشكلة الطائفية والعنصرية فيه،فحصل تغيير كبير في المجتمع من خلال ازدياد عدد افراد الطبقات المثقفة بسبب ازدياد عدد المراكز التعليمية بجميع مستوياتها،مع الانفتاح على العالم الخارجي،وقد ادى ذلك الى ظهور طبقة سياسية تنتمي لجميع المكونات وان كانت الغلبة في المراكز العليا بقيت لطائفة السنة العرب،الا ان النسبة المطلقة لهم اخذت بالانخفاض تدريجيا وفي العديد من مؤسسات الدولة والمجتمع،بالرغم من بقاء الاجهزة العسكرية والامنية خاضعة بشكل كبير للعرب السنة وبدون ادنى منافسة من قبل الاخرين وهو سبب رئيسي في بقاء الانقلابات العسكرية بعيدة عن واقع الشعب وتأييده لها لانها تختلف عنه بصورة شبه كلية في التفكير والانتماء واسلوب العمل!،وفي المناصب السياسية قدر خلال تلك الفترة ان حوالي ثلث المناصب الوزارية منحت للشيعة وهي نسبة عالية في بلاد خضعت لحكم طائفي طويل،ثم حصل انقلاب كبير عندما تولى اول شيعي رئاسة الوزارة عام 1947 وهو السياسي صالح جبر وهو احد اربع رؤساء من الشيعة تولوا ذلك المنصب بين عامي 1947-1958 الا ان فتراتهم الزمنية كانت قصيرة جدا!،فالاول وهو صالح جبر اراد تغيير المعاهدة مع بريطانيا وتخفيف شروطها لصالح العراق،الا ان المعارضة الشعبية التي تثار احيانا بطريقة عفوية وغير مدروسة اسقطت المعاهدة التي كان من الاولى اعتمادها وتأييدها حتى يتسنى تغييرها ايضا ثم الغاءها وبهدوء بدلا من معارضتها بصورة عنيفة بحيث سقط بعض الشهداء من المتظاهرين مما ادى الى سقوط الوزارة بعد ثلاث اشهر فقط،ثم تولى العلامة السيد محمد الصدر(1883-1956)وهو احد ابرز قادة الثورة العراقية الكبرى عام 1920 والذي حكم فترة خمسة اشهر الغى خلالها معاهدة بورتسموث ومعاهدة 1930 وكانت له شعبية كبيرة لم تحميه من سقوط وزارته بفعل الضغط من بريطانيا وحلفاءها،وكان من السهل على السياسيين آنذاك الاستقالة بدلا من الاصرار الغير مجدي في المنصب ومواجهة المعارضة بأسلوب قمعي همجي متخلف كما يحدث الان في العالم العربي!،وقد كان من ثمار تلك المرحلة هي ظهور طبقات سياسية للطوائف المحرومة من المشاركة السياسية بعد ان كانت فترة ماقبل الحرب مقتصرة على فئات قليلة العدد وتنتمي في الغالب الى الاقلية الحاكمة،وكانت احزاب المعارضة هي الاكثر تحررا من تلك النزعة الطائفية والعنصرية وعلى رأسها الحزب الشيوعي الذي يركز على المشاكل الطبقية وصراعاتها مع الطبقات البرجوازية،ورغم انه استفاد من تلك المرحلة الا انه بقي ممنوعا من العمل بفعل تحالف النظام مع الغرب الذي يصارع الكتلة الشيوعية في كل بلاد العالم!،ولذلك وجه النظام اقصى ضربة الى الحزب عام 1949 عندما اعدم زعيمه فهد وثلاث من قادته الاخرين،والجميع ينتمون الى اربع طوائف مختلفة (مسيحي ويهودي وشيعي وسني!)ورغم ذلك احتفظ بشعبية كبيرة ناتجة من سوء الاوضاع الاقتصادية وتركز السلطة بأيدي قلة متنفذة تحكم الى حد ما بأسلوب ليبرالي منفتح!،الا انه لم يحاول مع بقية الاحزاب الاخرى العمل على قلب النظام لاسباب عديدة قد يكون من اهمها الدعم الخارجي له،وضعف الجرأة لدى قادته في التحرك واعتمادهم على التغيير السلمي مع بناء قاعدة فكرية شعبية لدعم تواجهاتها السياسية،ورغم ذلك لم تخلو الفترة من اضطربات سياسية محدودة مع فترات من التأزم السياسي خاصة بعد انضمام العراق الى حلف بغداد عام 1955 والمعادي للشيوعية،الا ان القمع الداخلي لم يكن ابدا بمستوى الفترة التي تلت عام 1958 في العراق او في العالم العربي الان بعد مرور نصف قرن،بل كانت للتجمعات السياسية وحرية الصحافة والعمل النقابي من ابرز مشاهد المسرح السياسي العراقي في تلك الفترة،وكانت للملك الشاب فيصل الثاني صلاحيات دستورية محدودة للغاية مع عدم تواجد اقاربه في المناصب الحكومية ماعدا خاله الامير عبد الاله،وبالتالي فأن التطور السياسي في العراق في تلك المرحلة برغم سلبياتها فأنها متطورة وقد انتجت جيلا مثقفا واعيا كثيف العدد بحيث يتفوق على الكثير من البلدان التي يزيد تعداد سكانها عن العراق،وكان النمو الاقتصادي يسير بشكل ثابت وكانت العائدات النفطية تزداد بصورة تدريجية رغم الفائض النفطي العالمي المستمر لغرض جعل الاسعار منخفضة لخلق نمو اقتصادي عال في دول الغرب،وتصرف في تنمية نموذجية الى حد كبير مع استخدام الخبرات الاجنبية،ولو اتيح للنظام الملكي الذي قلل من اخطائه في تلك المرحلة،الاستمرارية فأن الوضع العراقي بالتأكيد سوف يتفوق على معظم بلاد الشرق الاوسط التي مازالت لحد الان تعيش في ظلال الديكتاتورية والاستبداد،وهذا القول ايضا ينطبق على بلاد عربية اخرى كانت تعيش في ظلال الملكية الدستورية والتي فقدتها من جراء الانقلابات العسكرية التي انتهت الى وراثة سياسية وفساد وقمع لا حدود له جعل الحنين الى الانظمة الملكية شائعا لدى غالبية الناس!وهذا دليل قوي على ان التغيير الجذري اذا لم يصل الى قاع المجتمع سواء بصيغة سلمية تحتاج الى فترة زمنية اطول او بصيغة عنيفة تحتاج الى فترة زمنية اقصر مع تحولها الى مرحلة السلم الاهلي فأنه سوف يبقي الاوضاع متأزمة بشكل دائم.
انقلاب 1958:
في يوم 14تموز 1958 قام الجيش العراقي بقيادة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم وبمشاركة مئات الضباط والاف الجنود بأسقاط الحكم الملكي وبأسلوب عنيف لم يخلو من دموية قبيحة،وكان هذا الانقلاب الاقرب الى اسم الثورة منه الى الانقلاب في العالم العربي بسبب التأييد الشعبي الكاسح له وبمشاركة قطاعات شعبية للجنود في الانقلاب بالاضافة الى عملية التغيير الجذري التي احدثها في المجتمع العراقي وان انتهت بأنقلاب ديكتاتوري آخر اعاد البلاد الى الوراء،ورغم وجود الصراعات السياسية الداخلية والخارجية العنيفة في تلك الفترة الحرجة.
لم يكن بناء التنظيمات السرية للضباط وليد فترة قصيرة قبل ذلك الانقلاب،بل جاء ذلك من خلال فترة زمنية طويلة تعود الى مابعد انتهاء حرب فلسطين 1948 وما رافقها من انهيار في الجيوش العربية نتيجة لتخاذل الحكومات العربية،مما ادى الى نشوء حركات سرية لدى بعض الجيوش اطاحت بأنظمتها الملكية في وقت لاحق،ومن بينها العراق بالطبع،والذي تأثر كثيرا كغيره بالاحداث الجارية في الشرق الاوسط وخاصة اثناء الازمات المستمرة بدون انقطاع في تلك البقعة الهامة من العالم،وصفة التأثر هامة جدا هنا ولا يخلو مجتمع ما منها،فكيف في بلاد الشرق الاوسط المتقاربة في تكويناتها البشرية وبنيتها العقائدية والاجتماعية والتاريخية ولا يفصل بينها سوى خطوط واهية تسمى بالحدود المفروضة من خارج منظومتها والتي اصبحت مقدسة الان لدى قطاع عريض من شعوبها ناتج من اسباب شتى من بينها الخضوع للتضليل الاعلامي للنظم الحاكمة ونزوع الشعوب الى عصبيتها القبلية ونزعات الجاهلية المقيتة والتي تصورنا ان الاسلام ازالها خلال حقبه الزمنية الطويلة ولكن تبين لنا الان مقدار رسوخ تلك العادات المقيتة والتي اصبحت بأطر حضارية مزيفة.
كانت عملية ابادة الاسرة الحاكمة مرفوضة جملة وتفصيلا بسبب تسرع بعض الضباط في تصفيتها خوفا من اعادة الامور الى نصابها من خلال التدخل الخارجي كما حصل بعد انقلاب 1941،وقد ازدادت عمليات الانتقام الناتجة من ضغط كبير متراكم عبر فترات زمنية طويلة بحيث طغت على الشارع،وقد جرى خلالها قتل الملك والوصي ورئيس الوزراء نوري السعيد،بالاضافة الى محاكمة العديد من السياسيين واعدام البعض منهم مع مصادرة لاموال الطبقة الحاكمة واعوانها.
بدأت بعد ذلك هجرة واسعة نحو الخارج هربا من عمليات الانتقام والمحاكمة،وكان الطبقات العليا من المجتمع هي الاكثر تضررا من هذا الانقلاب وبالتالي اضطرت للهجرة الى خارج البلاد،الا ان ذلك لم يشمل ابناء الطبقات الفقيرة والمثقفة الا بعد بدء الصراعات السياسية الدموية بين كافة الكتل والجماعات المختلفة.
حاولت الدول الغربية الموالية للحكم الملكي اسقاط الانقلاب منذ الايام الاولى له والذي اعلن الجمهورية،الا ان نتيجة التدخل الغربي فشلت بسبب الدعم العربي والسوفييتي له في بداية الانقلاب مع فقدان العناصر الهامة الموالية في ارجاع الامور الى طبيعتها الاولى مع زخم شعبي موالي لها .
حقق ذلك الانقلاب الثوري الكثير من المنجزات خلال فترة حكمه القصيرة والتي استمرت اربعة اعوام ونصف،برغم حالة العداء الهائلة التي واجهته من قبل المحيط العربي والغربي!بالاضافة الى الفئات المتضررة منه في الداخل العراقي،وبالتالي خلق له شعبية كبيرة وسط الفئات المحرومة من المجتمع،وهو درس قاسي لكل الانظمة التي لا تراعي جميع طبقات الشعب وخاصة الفئات المحرومة التي تعيش في الهامش ولاتمنح فرص التكافئ العادل بينه وتبقي من حالة الارهاب الداخلي الذي لن يستمر الى الابد مهما طال الزمن،بل العكس كلما ازداد القمع كلما توسعت دائرة المعارضين له وبالتالي تصعب السيطرة وينشق المواليين الذين لايجمعهم مع الحكم سوى المصلحة الشخصية دون مصلحة الوطن التي تتطلب اقامة العدل والحرية والمساواة بين الجميع وبدون استثناء وينتهي الترابط المصلحي مع ابسط هزة معادية،الا ان ذلك الكلام وقراءة التاريخ ودروسه والعبر المستخلصة منه لا يشمل الفئات الحاكمة بل ايضا الذين يعيشون في قاع المجتمع التي تخلق لهم الظروف المثالية لكي يستولوا على الحكم وبالتالي يعودوا الى السيرة الاولية وبدون ادنى مراجعة سواء لواقعهم السابق المزري او لحالة المتغيرات التي حدثت في التاريخ وفق منهج ثابت ناتج من الطبيعة الانسانية التي ترفض الاستبداد والذل الناتج عنه وبمختلف الصيغ المبتكرة،وتتوق الى الحرية التي هي مطمح كل انسان واع وشريف.
وقع الانقلاب في مستنقع التصفيات الداخلية بين قادته الذين يتنافسون فيما بينهم لقيادة الدولة والمجتمع،وهي صفة ملازمة لكل الانقلابات والثورات حتى اشتهر بمثل غريب ولكنه واقعي وهو ان الثورات تأكل ابنائها!...وكان ابرز المنشقين على قيادة الجنرال قاسم،هو العقيد عبد السلام عارف الذي كان احد ابرز قادة الانقلاب ولكنه الابرز في تهوره وضحالة تفكيره وطائفيته المقيتة ثم دعوته الساذجة مع اخرين الى الانضمام الفوري الى الاتحاد مع مصر وسوريا وبدون دراسة وتقييم وضع العراق الذي يختلف في تركيبته البشرية والسياسية عن واقع بلدي الاتحاد مما يجعل التفكير في هكذا وحدة يحتاج الى زمن طويل وبخطوات هادئة ومدروسة ووفق آلية بعيدة عن الاستبداد ورموزه،والا فان الفشل هو مصير كل وحدة ارتجالية غير مخطط لها بعناية وهذا ماحصل بين مصر وسوريا،ولذلك كان من السهل الاطاحة بعارف ثم ببقية المغامرين الطامحين الى السلطة ولو بوسيلة العنف والغدر ومن ابرزهم حركة الشواف في شمال البلاد عام 1959،ثم بقية محاولات الضباط الاخرين السرية للاطاحة برئيس الوزراء الفريق عبد الكريم قاسم الذي تفوق عليهم بشعبيته الطاغية الناتجة من بساطته في العيش وبرتبته العسكرية العالية وثقافته الرفيعة بالاضافة الى نزاهته التي وصلت الى حدود تضرب الامثال بها وبوطنيته الغير مشكوك بها حتى بالنسبة لاعدائه والتي كانت بعيدة عن التحزب والطائفية المقيتة مع شعاره الخالد(عفا الله عما سلف)و(الرحمة فوق القانون) ،وهو نشأ من خلال اسرة ناتجة من التعايش السني والشيعي(والده سني ووالدته شيعية) الذي اخذ ينتشر في المجتمع بعد الحرب الثانية وكان من ابرز نتائج التحول العلماني في المجتمع بسبب شيوع الافكار السياسية الغير طائفية،وهذا النوع من التزاوج بين المكونات المختلفة قد شاع ووصل الى اعلى الدرجات في فترة حكمه القصيرة،وبرز مكانه التزاوج العائلي وفق التمييز الطبقي والثقافي الذي اصبح مختلفا نتيجة للمتغيرات الكبيرة التي حدثت في المجتمع آنذاك.

2009/07/06

لوحة


اسطورة التغيير الفوقي - القسم الرابع والثلاثون

انقلاب بكر صدقي عام 1936:
يعتبر انقلاب رئيس الاركان الفريق بكر صدقي عام 1936،اول انقلاب عسكري يحدث في العالم العربي في العصر الحديث،وهو ضابط كردي من بقايا الجيش العثماني وكان قد برز في اخماد ثورات وتمردات الاشوريون والاكراد والشيعة،واشتهر بصرامته اثناء القضاء على تلك الحركات، وكان قد شاهد الصراع على السلطة والفساد المرافق له فجاء تدخله في العمل السياسي بعد ان تحالف مع بعض السياسيين المتنفذين الذين وجدوا في الجيش ضالتهم لتحقيق مآربهم السياسية الانية ومنها ابعاد بعض خصومهم الاخرين،دون ان يعوا خطورة لعبة ادخال الجيش في المعترك السياسي بما يمثله من سطوة واستبداد ناتجين من نظام ضبطه العسكري وتسلسل التراتبية بين افراده بما لايدع مجال للعمل بينهم وفق اساليب دبلوماسية وديمقراطية مهما بلغت محدوديتها،ولذلك جاءت مشاركة بعض الاحزاب السياسية مخيبة ليست فقط لها بل لبقية افراد الشعب وخاصة من ناحية خضوعها للعسكر بسهولة دالة على هشاشة بنيتها الفكرية وضعف سريرة افرادها،كذلك فأن الانقلاب لم يخلو من دموية ظهرت في قتل الجيش لمؤسسه ووزير دفاعه جعفر العسكري!وهي جريمة جعلت الكثيرين يخافون على مصيرهم من سطوة الجيش والمواليين له،ولكن الانقلاب حافظ على النظام الملكي وعلى سيطرة المدنيين على مراكز السلطة رغم خضوع الجميع لنفوذ الجيش وأوامره.
هذا الانقلاب والفترة التي سبقته منذ تأسيس الدولة كان يجري في صفوف ابناء الطائفة السنية ولم يكن للاغلبية الشيعية وبقية الطوائف الاخرى اي مشاركة مهما بلغت رمزية،ولذلك فأن هذه الصراعات السياسية هي فوقية في السلم الاجتماعي وليست نابعة من القاعدة الشعبية،كما ان شعبية السياسيين بقيت محدودة في الاوساط الاجتماعية التي كانت مشغولة في تدبير واقعها المعاشي الصعب في ظروف لم يبدأ العراق سوى في تصدير كميات قليلة من النفط بعد اكتشافه وانتاجه من قبل شركات النفط الاجنبية التي حصلت على امتيازات احتكرت البحث عنه وانتاجه وتصديره في كل مناطق العراق بشروط مجحفة لا يقبلها العقل ولا المنطق ولا الشرف الوطني بحيث لم يبدأ العراق بتقاسم الارباح الا بعد عام 1951 وكان قبلها يحصل على حصة ضئيلة للغاية!،ولذلك تختزن الذاكرة العراقية التاريخية وبعض شعوب العالم الثالث الاخرى،خزين هائل من الغبن تجاه عقود النفط بقيت لحد الان مستمرة في الممانعة رغم تغير الظروف حتى في صالح العراق!.
لم يؤثر الانقلاب كما هو معروف في تغيير فكرة خرافة التغيير الفوقي من خلال حصول تغيير جذري لصالح الاغلبية المبعدة من العمل السياسي وغنائمه،وبقي محصورا ضمن فئات طائفية رغم ان الفريق بكر صدقي كان بعيدا عنها الى حد ما بسبب كرديته الى انه كان مهتما في تقليد المانيا النازية لبناء القوة العسكرية للعراق وتخليصه من النفوذ البريطاني الذي بقي داعما لطبقة سياسية متنفذة بقيت معزولة عن طبقات الشعب الفقيرة التي لم تدعم او تقف مؤيدة للانقلاب،فالجميع كانوا من صنف واحد والفروقات فيما بينهم هي طفيفة لاتجعل المقابل يفرق بينها.
وخلال تلك الفترة ازدهرت الحركات القومية وافكارها سواء في مؤسسات الدولة او في الجيش،وبرز العقداء الاربعة كقادة قوميين ضمن الجيش ولكن وجدوا ان الفريق بكر صدقي وهو رئيس اركان الجيش وصاحب النفوذ الاقوى هو عقبة في طريقهم كونه كان عراقي النزعة ويميل الى منح الاكراد بعض حقوقهم وكانت الحكومة تأتمر بأمره،بالاضافة الى عداء الانكليز له وفئات سياسية اخرى،كل ذلك انتهى في اغتيال الفريق بكر صدقي عام 1937 مع قائد القوة الجوية في شمال البلاد وايضا برصاص منتسب للجيش في مؤامرة حيكت ضده اتهم القوميون بتدبيرها! كون الفريق صدقي معارض لهم مع شيوع نزعته العسكرية التي لاترغب في مشاركة الاخرين الذين يختلفون معه، وسقطت على اثرها الحكومة الموالية له،وتأسست حكومة جديدة معارضة للتوجه السابق ولكن برز خلالها صعود نجم العقداء الاربعة وهم ضباط عرب سنة قوميين يميلون الى التحرر من بريطانيا والعمل على تحرير البلاد العربية بغية توحيدها ومن خلال منظار طائفي ضيق وتفكير عسكري يستند على تاريخ العرب القديم دون الاخذ بالاعتبار قدرات البلاد العربية المحدودة في وقتهم آنذاك بل كانوا شبابا متسرعين في تحقيق غاياتهم راغبين في كسر القواعد التقليدية في الخضوع للتدرج في العمل السياسي وتحقيق الاهداف من خلاله وفق منظومة سياسية معقدة تستغل الاوقات المناسبة في تحقيق الغايات المرجوة بدون ادخال البلاد في صراع غير متكافئ مع امبراطوريات اوروبية استعمارية عملاقة،وبالتالي فأن هكذا قيم وتقاليد ضعيفة الاسس الثقافية وذات بنية فكرية فوقية هشة وتنحصر في محيط ضيق يكون مصيرها بالتأكيد الفشل والاندحار حتى لو كانت الاهداف سليمة السريرة وفي ايدي ينظر البعض على انها مخلصة وشجاعة لاوطانها.
وايضا كان هذا التوجه غير مدعوما من قبل الفئات الشعبية رغم شعبية هؤلاء الضباط وتأييد الكثير لهم،لكن يبقى الواقع هو بنفس ركوده السابق: تغيير فوقي بين طبقات عليا متصارعة على النفوذ،تستخدم كل الوسائل المتاحة لفرض ارادتها،مع بقاء التغييرات الناتجة عنه ضمن اطار ضيق لايصل الى قاع المجتمع المغرق في تخلفه وجهله مع ضعف الوعي الناتج من الضربات الاستباقية السابقة لكوادره الوطنية قبل وبعد ثورة 1920.
بدأ خلال تلك الفترة الحرجة وقبيل بدء الحرب العالمية الثانية،صراعا شديدا بين مؤيدي بريطانيا وهم قلة وبين الغالبية المؤيدة لالمانيا النازية وايطاليا الفاشية واللذان دعمتا نفوذهما في العراق وبقية البلاد العربية الاخرى بغية منافسة بريطانيا ومحاولة لتحجيم امبراطوريتها من خلال خلق المشاكل لها في المستعمرات الخاضعة لها،هذا بالاضافة الى وجود الكثيرين من السياسيين والعسكريين المؤيدين للافكار النازية والفاشية وخاصة المتعلقة ببناء نظام عسكري صارم بغية تأسيس امبراطوريات قوية ترفض الهيمنة الغربية.
ومع بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939 وما رافقها من انتصارات باهرة لجيوش المحور في مختلف الجبهات،بدأت الامال في ضرورة طرد بريطانيا والتي كانت في وضع عسكري ضعيف خاصة بعد سقوط فرنسا عام 1940 وبتحرير البلاد العربية وتوحيدها،ولذلك بدأ الضباط الاربعة مع الموالين لهم من السياسيين في تشكيل حكومة مدعومة من قبل المانيا وايطاليا برئاسة رشيد عالي الكيلاني في بداية مايو(آيار)1941 وكان حينها الوصي على العرش الامير عبدالاله هو المسؤول عن الاسرة المالكة لان الملك فيصل الثاني (1935-1958)كان صغير السن حين قتل والده عام 1939وهو كان مع رئيس الوزراء نوري السعيد مواليا لبريطانيا،قد قررا الهرب مع دعوة بريطانيا للتدخل العسكري وفق المعاهدة العسكرية المبرمة بين البلدين،فقامت القوات البريطانية من جديد بغزو العراق والذي لم تكن لديه حينها القدرة الكافية على المقاومة بالاضافة الى ضعف الاستعداد العسكري رغم المشاركة الشعبية في المقاومة التي لم تصمد سوى بضعة اسابيع فأنهارت حكومة الكيلاني الذي هرب مع بقية القادة العسكريين الى خارج العراق،وبعد ذلك تأسست حكومة موالية لبريطانيا سارعت بالقبض على الفارين واعدمتهم بوحشية بقيت في الاذهان وخاصة اعدام العقيد صلاح الدين الصباغ وتعليق جثته على باب وزارة الدفاع بغية ردع بقية العسكر،وبقي رشيد عالي الكيلاني في المنفى حتى رجوعه الى العراق بعد انقلاب عام 1958.
كانت تأثير تلك الحركة كبيرا على الوضع السياسي في العراق،فقد ابعد الجيش عن العمل السياسي وقلص حجمه والنفقات العسكرية رغم اشتراكه في حرب فلسطين عام 1948 والتي ابلى فيها بلاءا حسنا،ورغم اشتراك العراق في حلف بغداد المعادي للاتحاد السوفييتي الا ان تأثير الجيش بقي ضعيفا وبقيت بنيته شاذه تتألف من ضباط اغلبيتهم من السنة ومن ضباط صف وجنود ينتمون الى بقية الطوائف الاخرى ويسود بينهم الشيعة،مما جعل الكره الشعبي مستمرا للحكومة وقادة جيشها،وهو قد ترسب في العقل الباطني للفرد العراقي والذي يكره الحروب والنزاعات المتكررة والتي لا ناقة له فيها ولاجمل منذ ايام الدولة العثمانية وحتى سقوط بغداد عام 2003.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 وبغية فتح العمل السياسي امام الجميع،فتحت مرحلة جديدة لاخراج البلاد من حالة الحكم العرفي الذي كان يستند الى ضرورات امنية فرضها الواقع المحلي وظروف العالم اثناء الحرب،وكانت بوادر ذلك الانفراج السياسي،السماح بتشكيل الاحزاب والنقابات وتوسيع حرية الصحافة وهي بقيت تمتلك سابقا هامشا منه،وبذلك اسست عدة احزاب ومن مختلف الاتجاهات وكانت خطوة كبيرة بمقاييس تلك الايام لا بل ومقاييس زماننا الحالي في بداية القرن الحادي والعشرون!...وعلى أثر ذلك تأسست احزاب كبيرة مثل الحزب الوطني الديمقراطي وهو يمثل الاتجاه الليبرالي،وحزب الاستقلال ذو الصفة القومية ولكن بفكر منفتح،مع احزاب السلطة اليمينية التي ضمت الراسماليين والاقطاعيين ومتنفذي السلطة الحاكمة،ولكن بقيت معزولة عن بقية طبقات المجتمع ماعدا الانتهازيين وهم قلة،ولكن تزييف الارادة الشعبية هو الذي يجعل هذه الاحزاب باقية او نافذة في سدة السلطة.
لكن الاحزاب الاكثر شعبية بقيت ممنوعة من العمل السياسي!ويقف بالطبع على رأسها الحزب الشيوعي العراقي الذي تأسس عام 1934 واصبح اشهر الاحزاب الماركسية في العالم العربي لفترة تزيد عن نصف قرن والذي امتلك نفوذ شعبي هائل لم يستغله في الانقلاب على السلطة وبقي محصور عمله في التنظيم السري والعمل الفكري الذي يستند الى تراث ضخم من الفكر الماركسي الذي كان قد خضع له نصف البشر آنذاك واصبح هو المقارع الاول للعالم الرأسمالي الغربي الذي تزعمته امريكا بعد انتهاء الحرب الكونية عام 1945 ،هذا بالاضافة الى الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يحارب السلطة في الشمال بصورة شبه دائمه لاجل حقوق الاقلية الكردية سواء في وطن منفصل او حكم ذاتي شبه مستقل.
اما الاحزاب الاسلامية فلم يكن لها وجود بسبب ابتعاد رجال الدين من كل الطوائف الاسلامية عن العمل السياسي بسبب الضربات التي وجهتها بريطانيا والنظام الملكي له،وكانت خلال تلك الفترة يسود العراق كغيره من بلدان العالم العربي،النزعات العلمانية اليسارية مثل الماركسية او القومية،او اليمينية المحافظة والتي تمثل البرجوازية بمختلف طبقاتها،ولكلا التوجهين حلفاء من الخارج يدعمونه بمختلف الصيغ المتعارف عليها بغية التحكم في المسيرة السياسية والتي نخضع للتناقض المتكون من هيمنة يمينية موالية للغرب ولكن ضعيفة القاعدة الشعبية ومن معارضة يسارية ذات شعبية كاسحة ولكن ليس لها امكانات الحكم ولاتصل اليها المساعدات من العالم الشيوعي لاسباب عديدة يقف على رأسها اختلاف التوجهات بين الطرفين في التفاصيل الفكرية وضعف امكانات الاتحاد السوفييتي الخارج من دمار هائل بعد الحرب،وهذا الحديث ينطبق بصورة اجمالية على بلدان العالم العربي التي كانت شعوبها تغلي بسبب القضية الفلسطينية والاستبداد والفقر والجهل والتخلف.

اسطورة التغيير الفوقي - القسم الثالث والثلاثون

كان تغيير الوزارات يجري بصورة سلمية ولكن ليست خالية من المؤامرات والدسائس بين السياسيين،وكان هنالك مجلس نيابي ومجلس للاعيان واعضائهما بالطبع اما يتم اختيارهم او يجري تزوير نتائج الانتخابات لاجل تعيينهم وغالبيتهم من الاثرياء سواء الرأسماليين او الاقطاعيين وحصة الاسد هي لابناء الطائفة السنية مع نسب اقل لبقية الطوائف،اما حال مؤسسات الدولة فكانت غريبة على السكان بحيث يتم تعيين مسؤولي الالوية(المحافظات)والاقضية جميعهم من خارج مناطقهم!وجلهم من العرب السنة بحيث لم يوجد مسؤول واحد من الاغلبية المبعدة واصبح التمييز ضدهم سمة الحكومات العراقية المتتالية بحيث ضج الناس بالشكوى والامتعاض من الوضع القائم الذي وصل الى حد حرمان مناطقهم من بناء المدارس الضرورية لتعليم ابنائهم،حتى لايؤثروا على تعيينات ابناء العرب السنة!بالاضافة الى حرمانهم من كل مستلزمات واسس البنية التحتية وساهم منظر الفكر القومي الاول ساطع الحصري(1888-1968) وهو من اصول مجهولة!ولد في سوريا وكان عثماني الهوى والنزعة وبعد سقوط الدولة العثمانية تحول الى الفكر القومي العربي! مع العلم انه لغاية وفاته كانت لكنته غير عربية،جاء الى العراق مع الملك فيصل وعين مدير لوزارة المعارف التي هي الوحيدة من حصة الشيعة في البداية ولكن كانت له الكلمة الاولى!ولعب من خلالها اقذر الادوار في منع اقامة المراكز التعليمية في مناطق الشيعية العربية وحارب تعينهم في الوزارة حتى اصبح رمزا فريدا للطائفي المتعصب ومعركته الشهيرة مع الجواهري ماثلة للعيان في كتب التاريخ،والغريب في الامر ان غالبية معتنقي الفكر القومي العربي الذي يراد له جمع كلمة العرب ! اصبحوا على شاكلته ولو بنسب متغيرة!وهذا نموذجا فاضحا لتلك المرحلة المخزية،واخذت وسائل الاعلام المحلية والعربية تبرز تلك المظاهر وتنتقد الاوضاع المزرية وكانت حصة الاسد من نصيب الصحف والمجلات اللبنانية وخاصة مجلة العرفان الشهيرة والمراجع لاعدادها خلال عقدي العشرينات والثلاثينات،يمكن الاستدلال على فداحة الظلم الواقع على الاغلبية التي لم يزد عدد العاملين من ابنائها في اجهزة الدولة على نسبة 6%!.
اما الاجهزة العسكرية والامنية فكان الامر اكثر فداحة بسبب كون تلك الاجهزة هي الوحيدة التي لديها القدرة على الدفاع عن النظام وحفظ الامن بوجه اعداء الداخل والخارج،وهذه الاجهزة تشكلت اساسا بقرار بريطاني صرف عام 1921 بعد مؤتمر المستعمرات في القاهرة في آذار(مارس)من ذلك العام من وزير المستعمرات وينستون تشرشل،لغرض حماية النظام والاجانب والحلول محل القوات البريطانية،وتشكل الجيش والشرطة من بقايا الجيش والشرطة العثمانية،وجميع الضباط هم من ابناء السنة العرب مع اقلية من الاكراد لعدم وجود ضباط آخرين من بقية الطوائف الاخرى في الدولة العثمانية،وحتى يمكن الخروج من هذا المأزق الطائفي العلني،جرى تأسيس اول فوج بأسم الامام موسى الكاظم(ع)وهو الامام السابع لدى الشيعة!مع قبول بعض الشيعة للعمل كجنود وافراد شرطة! وهو تغيير شكلي لايرقى الى حل المشكلة من جذورها،وهذا الجيش قام بأخطر الادوار منذ ذلك الحين في تاريخ العراق واصبح سلاح الدولة الاول في القضاء على المتمردين ثم توسع واصبح وسيلة لابادة الاقليات حتى تجاوز الحدود الدولية وبقي لقبه الباسل ملاصق لاسمه منذ ذلك الحين !،ولم يساعد فرض التجنيد الاجباري عام 1935 من تنوع قيادات الجيش وتخفيف نسبة العرب السنة فيه،بل بقي سياسة ثابتة لدى جميع الحكومات العراقية المتعاقبة وهي جعله جيشا ينتسب للطائفة الحاكمة بأمتياز حتى سقوط بغداد عام 2003 ! وعندها بدء العمل في بناء جيش وطني يضم جميع الطوائف بغية الغاء التمييز الطائفي فيه.
لم يساهم الملك فيصل الاول(1883-1933)في التخفيف من طائفية الدولة،وحتى ابنه الملك غازي(1912-1939)،وبقيت البطانة الحاكمة تمنع من وصول ابناء الجنوب الى المناصب الحساسة اما بقية الاقليات فأن ضألة نسبتهم لاتساعدهم على منافسة العرب السنة رغم ان بعض ابنائهم شغلوا مناصب عليا في الدولة.
لم توجد طبقة سياسية من المدنيين الشيعة بسبب احتكار رجال الدين والرؤساء المحليين من شيوخ العشائر وملاكي الاراضي،للعمل السياسي وتلك غلطة كبيرة لاتغتفر لهم لكون الساحة قد خلت تقريبا من السياسيين الشيعة بعد الضربة الموجعة التي وجهت لكبار رجال الدين بين عامي 1922-1924 والذين ابتعدوا عن الساحة مفسحين المجال لغيرهم دون ادنى رقابة منهم بسبب التعهد في الابتعاد عن الخوض في السياسة! وبما ان عمل الرؤساء المحليين يتركز بصورة رئيسية في خدمة مصالحهم الذاتية وتنمية ثرواتهم،فأن مناطقهم لم يجري لها اي تطوير شامل حتى سقوط النظام الملكي عام 1958،ولكن مع ذلك لم تخلوا الساحة من الرجال الوطنيين المخلصين والذين بقوا مجهولين لدى غالبية ابناء الشعب بعد رحيلهم امثال الزعيم جعفر ابو التمن والسيد محمد الصدر وغيرهم.
لم يكن بناء الدولة العراقية سهلا،فهنالك الاكراد في الشمال والمطالبين بالانفصال والذين قاموا بعدة ثورات سحقها الانكليز في اول الامر ثم بعد ذلك تولى المهمة الجيش العراقي!بالاضافة الى مشكلة الموصل والتي كانت فرنسا تطالب به اول الامر ثم تركيا تطالب بها حتى تمت تسويتها باعطاء الفرنسيين والاتراك نسبة كبيرة من نفط الموصل!وعندها جرى ضم اللواء الى العراق،وفي الجنوب مع السعودية شكلت الغارات الوهابية(1926-1929)خطرا كبيرا على الامن،لم ينتهي حتى تم القضاء على جيش الاخوان الوهابي المتطرف،ومن الجانب الايراني بقيت المشكلة حتى عام 1937 عندما منحت ايران اراضي حدودية تطالب بها وعندها اقيمت العلاقات معها،ولكن اول تمرد حقيقي وجدي ضد الحكومة العراقية كان من جانب الاقلية الاشورية في الشمال عام 1933 وقد استخدمت القسوة المفرطة من جانب الجيش العراقي الجديد بحيث قتل الكثير من الابرياء في مذبحة دامية! ثم تبع ذلك القضاء على التمردات المستمرة من جانب الاكراد في نفس الفترة تقريبا،تبعها تمرد القبائل العربية الشيعية في الجنوب عام 1935 وبنفس الطريقة الاجرامية قمعت تلك الثورات وبدون استئصال المشاكل المسببة لها بصورة جذرية مما يجعل رؤية ذلك الجيش وهو يكال له المجد تلو المجد ماهو الا وسيلة مضحكة وسخيفة على العقول،فجيش بني على القمع والارهاب منذ البداية ووفق المقاييس البريطانية ماهو الا جهاز قمعي ثابت بيد الانظمة العراقية المختلفة رغم وجود بعض الوطنيين الا ان ذلك لايؤثر على مسيرة جيش كبير يستمد عقيدته العسكرية وقوانينه من التقاليد العسكرية التركية بما تمثله من صرامة وقسوة شديدة مع التقاليد العسكرية البريطانية في قوانينها والتنظيم والضبط العسكري الصارم الناتج عنها،وبذلك يكون اي تفكير في اشراك الجيش في التغيير الجذري للمجتمع العراقي بمثابة خرافة ساذجة لا تصمد امام الواقع العملي في التطبيق ولا امام البحث العلمي الرصين في الدراسة والتمحيص واعطاء الاستنتاجات والحلول!.
استقل العراق عن بريطانيا عام 1932 وانضم الى عصبة الامم في نفس العام وكان اول بلد عربي مستقل ينتمي الى العصبة،وتبعته بعد ذلك مصر عام 1937،ولكن بقي البلدان تحت النفوذ البريطاني بصورة شبه مطلقة،وبقيت القواعد العسكرية في اراضيهما،مع شيوع نزعات تحررية متطرفة مقاومة.
بعد وفاة الملك فيصل الاول عام 1933 الذي كان له بعض الدور في سياسة الدولة ،فتولى نجله الملك غازي الحكم وكان صغير السن(21عاما)وقليل الخبرة مع السرعة في اتخاذ القرارات،ولكن بقي محاطا بسياسيين دهاة لاقدرة له على مجاراتهم،يتصارعون فيما بينهم في سبيل التفرد بالحكم،ويحاول كل واحد منهم ان يدعم وجوده بالاحزاب والرؤساء المحليين وضباط الجيش،ولذلك كانت فترة حكمه خاضعة للسياسيين والعسكر وليست له صلاحيات مطلقة على التحكم في الامور وتسيير شؤون الدولة،وكان قدر برز من السياسيين نوري السعيد والاخوين ياسين الهاشمي وشقيقه طه وهما من ضباط الجيش العثماني السابق،وكان الاول يطمح ان يكون بسمارك العرب،كما ازداد تدخل الجيش في السياسة،وازداد فساد السياسيين ولكن ليس بالصورة الموجودة في زمننا الحالي! وحتى الطغيان كان له حدود يقف عندها الطغاة والمستبدون،وهذا القول لانطبق على العراق فقط وانما على غالبية البلاد العربية آنذاك.

اسطورة التغيير الفوقي - القسم الثاني والثلاثون

هذه المواقف المسلحة الثورية للشيعة هي جاءت تطبيقا حرفيا لتعاليم الاسلام بضرورة مقاومة الغازي الذي يدين بغير ملة الاسلام الذي يدعو الى ان تكون الغلبة للمسلمين في بلادهم بلا شك،وبالتالي فأن خير من يمثل تلك التعاليم ويعمل جاهدا لتطبيقها هم رجال الدين وخاصة الطبقات العليا منهم اي المراجع والمجتهدون،الذين يحتفظون بسيطرتهم الروحية على رعاياهم،تلك المقاومة المسلحة العنيفة مع المعارضة السياسية الدائمة للحكم البريطاني لم تبقي اي تفاهم ولو هزيل بين الطرفين في ظل وجود قيادات شيعية متطرفة في عدائها مع اطراف بريطانية تقابل التطرف احيانا بليونة تدل على دهاء وخبرة طويلة او بسوء سلوك من بعض الاطراف الاخرى في طريقة الحكم وخاصة في اذلال الرؤساء المحليين ،فكان لابد من ايجاد وسيلة لمعاقبة الاغلبية على مواقفها العدائية المعلنة ولاتوجد سوى منعها من المشاركة في حكم البلاد وضمان عدم سيطرتها حتى من خلال الجانب الاقتصادي وبالتالي تسليم الحكم للاقلية العربية السنية وهي امتداد للحكم العثماني والتي تمتلك الكثير من الكوادر السياسية والعسكرية (وبعضها غير عربي او عراقي بل ينتسب لاعراق مختلفة استوطنت العراق مع اجهزة الدولة العثمانية ولكنه ينسب نفسه للعرب السنة باعتبار لهم القوة مع تطابق المذهب!)بفضل الخدمة طويلا في اجهزة الدولة العثمانية،هذا بالاضافة الى المرونة في التعامل مع السلطات البريطانية وتعهد البعض منهم في حماية النفوذ البريطاني او حتى خدمته! ولذلك وقع الاختيارعلى عبد الرحمن الكيلاني النقيب (1841-1927)وهو رجل دين كبير السن ولم يعرف عنه العداء لهم بالاضافة الى انه نقيب اشراف الاسرة الكيلانية السنية ولا يحمل ودا للاغلبية الشيعية! ليكون اول رئيس حكومة عراقية وفق المقاسات البريطانية المستقبلية لحكم البلاد وضمان السيطرة عليها وحتى يمهد الطريق لتأسيس مملكة يقودها احد انجال شريف مكة وملك الحجاز الحسين وهو الخيار المشترك الذي يدعو اليه زعماء الشيعة في ضرورة تأسيس حكم يقوم على رأسه ملك عربي بدون اي شرط ان يكون شيعيا او عراقيا! ولذلك لم يقبل هؤلاء الزعماء احد المرشحين وهو الشيخ خزعل امير امارة الاحواز رغم اعلانه صراحة انه شيعي عراقي وانه يمثل الاغلبية !بسبب دعمه الصريح للبريطانيين خلال الحرب العالمية الاولى وبذلك فقد العراق فرصة كبيرة ليس فقط في ان يحكمه احد ابنائه بل من خلال امارة كبيرة سلخت عنه واستولت عليها ايران لاحقا عام 1925 رغم ان اغلبية سكانها لايختلفون حتى في اصولهم الاسرية عن المناطق المجاورة لهم في الجانب الثاني من الحدود!،ثم في النهاية وقع الاختيار الخاطئ على الملك فيصل بن الحسين والمطرود من قبل القوات الفرنسية التي غزت سوريا وفق اتفاقيات سايكس بيكو بعد ان كان يحكمها! فكانت تلك بداية تأسيس الدولة العراقية بطريقة خاطئة لم تكن تمثل مكونات المجتمع العراقي بل وضع لمعاقبة الاغلبية فيه وبمشاركة منها ايضا!ومن قبل مجموعات طائفية وعنصرية تنتسب للاقلية العربية السنية التي لاتزيد عن 17%حينذاك!،ولم ينتج من ذلك الخطأ الكبير سوى توليد اخطاء متوالية كارثية انتهت بغزو غربي جديد! وبذلك يتحمل الجميع وبدون استثناء سواء حكومة التاج البريطاني او رجال الدين الشيعة الكبار في العراق مسؤولية الكوارث التي حدثت بعد ان تسلق على الحكم عتاة المجرمين والمنحرفين والفاسدين بسبب الاختيار الخاطئ وايضا بسبب تحريم المشاركة في الحكم ومناصب الدولة خاصة بعد اصدار الفتاوى في عام 1921 والتي اطاعها الناس مما جعل المدنيين يمتنعون عن المساهمة في بناء وطنهم كبقية الطوائف الاخرى وفي الحقيقة لم تكن مساهمة الطوائف الاخرى ايضا سوى ضئيلة ورمزية ايضا وبقي الحكم محصورا بيد ابناء الطائفة السنية العرب.
نصب الملك فيصل الاول في آب 1921 وكان عربيا سنيا لايختلف عن الحكام العرب الاخرين في شيء سوى في قلة مصاريفه المادية ومحدودية صلاحياته التي يخضع بعضا منها للنفوذ البريطاني والسياسيين الاخرين بالقياس للوضع الحالي الذي يمتاز بفضاعة الاستبداد وبشاعته رغم مرور قرن على ذلك الحدث!!.
رغم تأييد زعماء الاغلبية الشيعية للحكم الملكي الجديد ومعارضة الاكراد والتركمان في الشمال له،الا ان ذلك لم يشفع لهم في ضرورة اشراكهم في الحكم الجديد او تحسين وضعهم الاقتصادي والاجتماعي المزري وكان ان دشن الملك الجديد حكمه بنفي اول مبايع له منذ ان كان خارج البلاد من الوجهاء الشيعة! لكونه معارضا لتوجهاته في الحكم ثم تلى ذلك توتر العلاقة بينه وبين الزعماء الدينيين الذي وجدوا ان الملك الجديد اخل بشروط البيعة له وخاصة في تأسيس حكم وطني مستقل يتساوى الجميع فيه ففي اول وزارة شكلت كان نصيب الشيعة وزارة واحدة! وفي عقد المعاهدة مع بريطانيا والتي تقيد البلاد بحزمة شروط قاسية تجعلها تابعة،ثم انتخابات اول مجلس تأسيسي عام 1922 والمطالبة كانت ان يتم بعد حصول الاستقلال الكامل،وفي الحقيقة تبين اثر خطأ السياسة التي انتهجها الشيعة والاكراد في معارضة الانكليز وتأييدهم لحكم ملك عربي سني من خارج البلاد بصورة سريعة بحيث لم يترك لهم الحكم الطائفي الجديد اي هامش يضمن لهم حتى احترام انسانيتهم وزعامتهم الدينية والمحلية وتاريخهم العريق في محاربة الغزو والاحتلال،فكان على الملك والانكليز ان يقضوا على تلك المعارضة وبأيدي عراقية!،حيث رغم وجود المساوئ عن الاستعمار البريطاني الا انه غالبا ما يحافظ على الزعامات المحلية واحترام عادات وتقاليد الشعوب ولو في الحد الادنى لحقوق الشعوب الشرعية ولم يتصرفوا بطريقة قاسية تنم عن جهل وهمجية الا في حالات نادرة فحسب تقاليدهم العريقة يجب الابقاء على علاقات متباينة مع الشعوب المختلفة وزعاماتهم المحلية بغية فرض الامن والاستقرار لحكمهم وتجنب الاضطرابات التي تسبب الخسائر لهم،وبما ان الحكم الجديد في العراق يحتاج الى تثبيت ولو بفرض القوة على رجال الدين فلم يجد الانكليز من بد سوى ترك التعامل مع تلك القيادات الرافضة لهم مع الحكومة العراقية الطائفية والتي يقودها سياسيون يتصرفون بطريقة همجية متخلفة مع كل ابناء الشعب بما في ذلك زعمائهم الروحانيون وبدون اي رادع ديني او وطني او اخلاقي!.
فجرى تعيين وزير الداخلية عبد المحسن السعدون وهو ضابط عثماني سابق ارعن في تصرفاته فلم يتورع هذا من استخدام القسوة والاهانة في اعتقال كبار رجال الدين الذين كان لهم الفضل في بناء الدولة الجديدة! بسبب معارضتهم لسياسة الحكومة الجديدة،وبما ان ذلك كان صعبا فلم يجد الوزير الخائن من ثغرة سوى التعلق بعصا الجنسية العثمانية فبعض جنسيات هؤلاء الزعماء غير عثمانية التي هي اساس الجنسية العراقية المعتمدة!والسبب في ذلك هو لابعاد انفسهم كغيرهم من العراقيين عن التجنيد الاجباري في الجيش العثماني الذي يقاتل في اماكن بعيدة عن العراق في الغالب،وهي طريقة خبيثة سببت المآسي الكبرى وجرى العمل بها لعدة عقود حتى تطرد السلطة من تشاء من العراقيين وخاصة الذين اكثر منهم عراقة واصالة،فجرى تسفير المرجع الاعلى الشيخ مهدي الخالصي(1861-1925) الى ايران عام 1923،بتلك الحجة الواهية وهي حمله للجنسية الايرانية زمن الحكم العثماني وهو العراقي العربي الذي ينتسب الى قبيلة عربية اصيلة (بني اسد )استوطنت العراق منذ مئات السنين وليس مثل الملك ووزير داخليته! تلك هي من مهازل الدهر،بل وحتى لو كانوا غير عراقيين فالمجتمع العراقي الشيعي الذي هو جزء من المكون الشيعي العالمي لا يعترف اساسا بالحدود القومية والعرقية في اختيار زعمائهم الدينيين فالافضلية للاعلمية في العلوم الدينية والتقوى والورع عن محارم الله تعالى،ولكن تلك الصفات بعيدة عن السياسيين الطائفيين والعنصريين الذين يفضلون الحكم ومصالحهم الانية على المصلحة الوطنية العليا والالتزام الديني والاخلاقي والانساني! والذين تربوا في اروقة السياسة العثمانية البغيضة والتي اوصلت السلطنة الى درجة ان يطلقوا عليها الرجل المريض لعدة قرون ولم تكن محتاجة سوى الى ركلة رجل ترسله الى قبره الابدي المحتوم!.
كانت عملية التسفير الاولى للزعماء الدينيين والوطنيين قد بدأت عام 1922 الى خارج العراق وجميعهم شارك في مقاومة الغزو البريطاني عام 1914 ثم في ثورة العشرين!،ووصلت الذروة في حزيران 1923 بعد نفي المرجع الاعلى الامام الخالصي من الكاظمية وهو الذي دعم الحكم الملكي في بداياته! وعندما وصل الخبر الى المدن المقدسة في النجف الاشرف وكربلاء المقدسة،احتج العلماء الكبار وقرروا الخروج من العراق تضامنا معه بالاضافة الى تسفير آخرين.
وكان هذا التسفير هو الضربة القاضية ليس فقط للمعارضة الوطنية المخلصة الداعمة لتأسيس حكم وطني دستوري،بل لكل جهد وطني مستقبلي يبتعد عن المنافع الذاتية والفساد المستشري في صفوف السياسيين.
ورغم مواصلة المنفيين لجهادهم في ايران ضد النفوذ البريطاني والحكمين العراقي والايراني،الا ان الضغوط كانت اكبر من امكانياتهم فقرر البعض منهم العودة للعراق بعد عام واحد والخضوع لشروط الحكومة العراقية في الابتعاد عن السياسة او ابداء اي معارضة تجاه الحكم الملكي بينما اصر البعض على البقاء في خارج العراق،وبذلك يكون المجال قد اصبح مفتوحا للحكم الديكتاتوري لكي يحكم العراق بدون معارضة جادة ومنظمة ووفق مختلف الصيغ المعروفة من نخب عسكرية الى قومية حزبية والتي تشترك في عامل مشترك هوالتعصب المذهبي الذي يبقى هو الاساس في ركيزة اي حكومة مستقبلية في العراق،وكان مؤسس هذا الاستبداد بالاضافة الى الملك فيصل،وزير داخليته ورئيس الوزراء لاحقا عبد المحسن السعدون الذي انتحر لاحقا غير مأسوفا عليه عام 1929 بعد ان ترك رسالة باللغة التركية الى زوجته يصف اسباب انتحاره! ومازال لهذا الممسوخ تمثال ينتصب في احد اشهر شوارع بغداد دون ان يعرف الكثيرون حقيقته المزيفة!!بينما مازال الكثير من الوطنيين المخلصين وخاصة الذين فقدوا حياتهم في سبيل مبادئهم ،مجهولين لدى الشعب العراقي واذا كانت الحكومات الطائفية المستبدة محقة في منعها اي ذكر للمخلصين كونهم يعرونها من حقيقتهم المزيفة،فليس لدى من جاء بعد عام 2003 اي عذر في بقاء الوطنيين وخاصة الشهداء مجهولين لدى الشارع،وهذه صفة عامة تشترك بها معظم بلدان العالم الثالث ولكن تختلف من بلد الى آخر!.

اسطورة التغيير الفوقي - القسم الحادي والثلاثون

6 -العراق :
بلد عربي ومسلم يعيش بداخله اكثر من 30 مليون نسمة(2008) في مساحة جغرافية تقع في قلب الشرق الاوسط تشكلت وفق التقسيم البريطاني-الفرنسي لفترة مابعد الحرب العالمية الاولى للتركة العثمانية وهي تختلف عن الامبراطوريات السابقة التي حكمته خلال حقب التاريخ المختلفة،وهو بذلك لايختلف عن البلاد التي تشكلت وفق التقسيم الاستعماري الغربي من حيث استمرارية المشاكل الحدودية وسيطرة فئات حاكمة معينة وتبعية بدرجات مختلفة للنفوذ الغربي في مناطق اخرى من العالم.
يختلف في تكوينه البشري وتنوعه عن الكثير من البلاد العربية الاخرى،ولكن التنوع فيه هو مقارب للتنوع الموجود في سوريا وايران وتركيا واكثر تعقيدا مما هو موجود في لبنان.
من خلال وقوعه في قلب الشرق الاوسط،استوطنت فيه مختلف الاعراق ولكن بعد الفتح الاسلامي،غلب عليه العنصر العربي الذي هو مصدره شبه الجزيرة العربية،وبعد ان اصبح مركز الخلافة العباسية المترامية الاطراف،لم تبقى مجموعة قومية اوعرقية في بلادها المترامية الاطراف الا وكان لها وجودا في العراق لكونه الاقليم الرئيسي الحاكم ،تواجد البقايا يستمر او يضعف حسب الظروف السياسية المختلفة ولذلك فأن نسبة المكونات القومية والدينية والمذهبية تتغير بأستمرار وحسب ظروف البلاد المختلفة وخلال حقب التاريخ المختلفة نتيجة لتوفر امكانيات الاستيطان البشري فيه وخاصة توافر الارض الخصبة والمياه الغزيرة وتنوع اجوائه،والان وحسب تصنيف المتواجدين في داخل البلاد يمكن وضع احصاء نسبي دقيق لمكوناته المختلفة وبهامش ضيق من الخطأ وكالاتي:
العرب 70%...الاكراد 18%...التركمان6%...الكلدان والاشوريون والاقليات المسيحية الصغيرة الاخرى كالارمن والسريان والروم واللاتين 3%...الفرس 2%...الشبك والصابئة واليزيدية واليهود وغيرهم 1%.....
وهنالك نسب مخالفة ناتجة من انتساب بعض افراد القوميات الصغيرة او المغضوب عليهم الى قوميات اخرى وخاصة اثناء حالات عدم الاستقرار السياسي.
وقد يوجد في بعض الاحصائيات نسبة العرب فوق النسبة اعلاه وفي الحقيقة هي ناتجة بالاساس من ان كل مكونات الشعب العراقي تستطيع تكلم العربية بطلاقة لاتتوفر للكثير من العرب انفسهم في خارج العراق وهو ناتج من الامتزاج مع العنصر العربي،ولكن في الحقيقة ينتسب هؤلاء لطوائف غير عربية كما هو حاصل لعلامة اللغة العربية الاول مصطفى جواد(1904-1969)وهو تركماني والعلامة الشهير الاب انستاس ماري الكرملي(1866-1947)وهوسرياني.
اما التقسيم الديني فهو على الشكل التالي...
المسلمون 96%...المسيحيون 3%...الاقليات الاخرى 1%....
والتقسيم الديني يتغير بأستمرار لان حالات التوالد الطبيعي لدى المسلمين تفوق لدى بقية الاقليات الاخرى والتي يفضل بعض افرادها الهجرة للخارج وكانت نسبة المسلمين اقل قبل قرن على سبيل المثال.
اما التقسيم المذهبي فهو على الشكل التالي ولكن لكل القوميات الموجودة بمعنى ان كل مذهب يضم اطياف عرقية مختلفة فمثلا الشيعة يتكونون حسب اهمية النسبة العددية من عرب واكراد وتركمان وفرس وشبك واقليات صغيرة من افغانستان والخليج والقارة الهندية وبقية الاعراق وهذا ينطبق على البقية...كما هو مدرج
الشيعة 63%...السنة 33%...والمسيحيون :ارثوذوكس وكاثوليك وبروتستانت..
وهو ايضا يخضع للتغيير بفضل التقلبات السياسية من خلال التهجير والابادة او حالات التغيير المذهبي وخاصة للقبائل العربية خلال القرون الثلاثة الماضية.
وفيما عدا ذلك يوجد في خارج العراق حوالي 5 ملايين هاجروا او هجروا لاسباب سياسية ودينية ومذهبية وعرقية ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1920،وبدء التهجير باليهود العراقيين بعد قيام دولة اسرائيل عام 1948 وكانوا يشكلون حينها اقلية كبيرة متنفذة يزيد عددهم عن 150 الف او حوالي 3.5%من تعداد السكان حينذاك،ولكن جرى تسفيرهم بالقوة مثل بقية الدول العربية الاخرى في اجراءات همجية ولا انسانية تنم عن غباء سياسي واضح!...ثم تلا ذلك هجرة المسيحيون لاسباب مختلفة واغلبها من عدم الاستقرار السياسي،ثم الشيعة وبمختلف مكوناتهم العرقية ومنذ انقلاب البعث الاول عام 1963،وعلى شكل موجات صغيرة ثم تحولت الى بشرية هائلة بعد الانقلاب الثاني عام 1968بدأت صغيرة عام 1969ثم كبرى في عام 1971،ثم في موجة ثانية عامي 1974-1975 وشملت الاكراد ايضا ثم الموجة الكبرى عامي 1979-1980 وبعد عام 1991 بدأت الهجرة الكبرى لكل الاطياف ولكن اغلبيتها بقيت من الشيعة ثم الاقليات الاخرى الصغيرة بفارق كبير،ثم بعد عام 2003 والتي بدأ السنة العرب بالخروج من العراق نتيجة فقدان الحكم والخوف من الانتقام،ولكن التقسيم الديني والمذهبي والقومي،يختلف في خارج العراق عن داخله،فالنسبة الاكبر للشيعة ثم المسيحيون بعد ان كان الاكراد في الدرجة الثانية والذين انخفضت نسبتهم بعد استقرار مناطقهم منذ عام 1991....التقسيم السابق لاطياف الشعب العراقي يعطينا فكرة واضحة عن التاريخ السياسي للعراق وعن المتغيرات ونتائجها التي حصلت فيه خلال العقود الماضية،وهذا يسهل من استيعاب المعلومات الناتجة من التغييرات الفوقية التي حصلت للانظمة المتعاقبة منذ تأسيس اول سلطة في البلاد عام 1920 وهو التاريخ الذي نبدأ فيه في دراسة التغييرات الفوقية فيه بمعزل عن الحقب التاريخية السابقة لغاية عام 2003 وهو العام الذي انتهى فيه الحكم الاستبدادي بتغيير جذري ليس له علاقة بالتغيير الفوقي رغم انه من قوى خارجية غازية.
تأسيس الحكم الوطني(حكم الاقلية):
بداية تأسيس الحكم وفق الصيغة التي حكمت العراق بين عامي 1920-2003 هي ليست من نتاج محلي خالص بل من مصدرخارجي وبالتحديد من حكومة التاج البريطاني وهذه الصيغة هي المعروفة بحكم الاقلية والتي تمثل طريقة استعمارية بارعة للبقاء في البلاد التي ينتهي فيها حكمها المباشر، فحكم الاقلية دائما يكون معرضا للخطر ومحتاجا للدعم الخارجي في مواجهة الاغلبية وهذا النوع من الحكم يكون متعارضا مع الديمقراطية بجميع اشكالها لكون ان الخيار الشعبي الحر سوف يؤدي في نهايته الى اسقاط حكم الاقلية بالوسائل السلمية ولذلك نرى انعدام التلائم والتعايش بين جميع نماذج الحكم النخبوي مع الديمقراطية الليبرالية بل وفي وجود تداخل وتتطابق مع كل اشكال الحكم الاستبدادي وخطورة هذا النوع انه يبقي البلاد في حالة من عدم الاستقرار السياسي والذي ينجم عنه بالتأكيد حدوث تدهور على كافة الاصعدة بحيث تهمل التنمية بمعناها الحقيقي ويتم التركيز على الانفاق العسكري والامني نتيجة للخوف المستمر من فقدان السلطة المطلقة والخضوع لحكم الاغلبية والذي توجد له في ذاكرة الاقلية شواهد تاريخية حقيقية وبعضها زائف على فقدان كل الامتيازات او حتى انعدام فرص التكافؤ بين جميع المكونات وبذلك تبقى حالة الشذوذ قائمة الى ان يتم حدوث تغيير جذري يعيد المعادلة الطبيعية السلمية،ولكن تبقى هنالك فوارق كبيرة بين انواع ذلك النوع من الحكم فبقاء حالة التواصل مع الاغلبية ومنحها على الاقل فرص الحياة الكريمة والمحافظة على اشباع حاجاتها الغريزية وبصورة متوازنة هي الوسيلة المثلى للبقاء اطول فترة في الحكم وماعداها في حالة التطرف الاستبدادي الذي يصل حد الابادة الجماعية وامتهان الكرامة البشرية كما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق والعراق فأن النهاية الحتمية المتوقعة هي الانهيار بأسرع وقت وبدون توقع مع استغلال ادنى حالات الفلتان الامني ووجود الثغرات في النخبة الحاكمة التي لن تتراجع عن جرائمها مهما طال الزمن بل تزداد طغيانا ودموية!لكون سلوك هذا الطريق غير السوي هو مثل الدخول في مستنقع آسن يصعب الخروج منه!وفي النهاية فأن حكم الاقلية محكوم عليه بالفناء عاجلا ام آجلا مهما كانت الرعاية الخارجية له ومهما ازداد عدد المتملقون والسفهاء من قبل الاغلبية،.
لذلك فأن حكم الاقلية كان صناعة خارجية مع تهاون الاغلبية في العراق في قبول اليسير من الحكم والتعامل بمرونة اكبر مع القوة الاستعمارية العظمى في العالم آنذاك وهي الامبراطورية البريطانية بل الرفض المطلق وهو جاء بعد قيام ثورة العشرين التي قام بها الشيعة في جنوب العراق في 30\6\1920 والتي استمرت لمدة اربعة اشهر بقيادة علماء الدين الشيعة،وهي كانت صدمة ثانية للبريطانيين ليست من ناحية الخسائر المادية والبشرية فحسب،وانما جاءت من قبل اغلبية كان من المفروض ان لاتعارض الانتداب البريطاني الذي حررها من استبداد عثماني مقيت لفترة تزيد عن اربعة قرون!،تعرض خلالها الشيعة الى اضطهاد كبير خاصة فترات الصراع مع الامبراطوريات التي حكمت ايران والتي يتبع شعبها نفس مذهب الاغلبية في العراق،ووصل الاضطهاد الى حد منعهم من العمل في كل مؤسسات الدولة بحيث لم يوجد ضابط شيعي واحد عند سقوط الدولة العثمانية بينما كان هنالك الكثير من الضباط الاكراد الذين يخالفون الاتراك في النهج السياسي! وحرمانهم امتد الى منعهم من فرص التعليم وتنمية مناطقهم التي بقيت متخلفة عن باقي الولايات العثمانية الاخرى،وهذا القول لاينطبق فقط على شيعة العراق بل وعلى كل الشيعة في المناطق الاخرى من الدولة العثمانية ولكن البارز دائما في الدراسات التاريخية والسياسية الحديث عن شيعة العراق باعتبار هم الاغلبية فيه مع وجود الزعامات الدينية في المدن المقدسة والتي يتبعها بقية الشيعة في العالم اجمع،وتلك الصدمة هي الثانية بعد الاولى خلال الحرب العالمية الاولى والتي تصدى الشيعة للغزو البريطاني ووقفوا بشجاعة ونكران للذات مع الدولة العثمانية التي تمقتهم!والتي خذلها العرب السنة سواء في العراق او في الحجاز وبلاد الشام رغم ان الدولة العثمانية عاملتهم كبقية رعاياها ولكن اثر الحكم الاستبدادي والذي تميز بتفضيل العنصر التركي بعد انقلاب الاتحاد والترقي عام 1908 ضد السلطان عبد الحميد الثاني ساعد في تهييج العداء القومي والعرقي للسلطنة العثمانية وخاصة من جانب العرب الذين قاموا بثورات في الحجاز وبلاد الشام ساعد في سرعة انهيارها خلال الحرب العالمية الاولى.

النكتة العلمية

النكتة العلمية:
النكتة هي النص اللغوي الذي يعبر عن حالة معينة قد تثير المفاجأة والضحك والمرح والابتسامة والبساطة في الاختصار للتعابير المميزة للحالات المختلفة.
وهذا يعني ان النكتة هي نص مختصر وبسيط وذو معان مختلفة لا يستلزم حصرها في نطاق الفكاهة والضحك وانما قد تكون وسيلة تعبيرية عن نصوص ومشاعر واحاسيس لا تحتاج الى شروحات تفصيلية معقدة وانما الى مختصرات مفيدة تدخل في العقل بسهولة ويفهمها بيسر كبير.
لا يرتبط شكل النكتة بالفكاهة والضحك كما نتصوره بل احيانا يرتبط بالحزن والالم وقد يصل الى البكاء المر،هذا بالاضافة الى انواع اخرى عديدة اختصرها بعبارة النكتة العلمية ولايقصد بها النكتة التي تتقيد بجانب احد العلوم الطبيعية بل وحتى الانسانية ومنها بالخصوص الادب والعلوم الدينية ومنها الفقه.
وبذلك نصل الى معنى شمولي كبير للفظة النكتة ونخرج من دائرة الحصر ضمن الفكاهة والضحك والتي هي الاشهر والايسر كما هي تكون على شكل انواع عديدة منها النكتة الهزلية الخالصة بأنواعها المختلفة مثل السخرية والتهكم والضحك غيرها والنكتة السياسية والنكتة الجنسية والنكتة المرسومة مثل الكاريكتير،هذا بالاضافة الى النكتة العلمية والتي تختلف كليا عن النكتة الهزلية والتهكمية،ولكن تجتمع معها في صفات مثل الاختصار وسهولة التعابير والابتسامة احيانا في بعضا منها كما هي دلالة قوية على الذكاء والنباهة وسرعة البديهية وامتلاك الملكة المعرفية في اعطاء التفسير الكامل لحوادث او نصوص او اسئلة او حل الغاز بطريقة علمية مقنعة ومبتكرة ووفق اسلوب منطقي سلس جميل.
النكت العلمية لاتقتصر على علم معين وانما ايضا تضم اي شيء يتعلق بالمعارف الانسانية وبمختلف فروعها ولكن تشتهر في حقول معرفية وينحسر وجودها في فروع اخرى،ومن الامثلة على النكات العلمية من جانب العلوم التطبيقية هي ما يتم تداوله عن العالم الشهير آينشتاين في الكثير من الاقوال والمواقف،ومنها قوله عن الشيئان اللذان ليس لهما حدود هما الكون وغباء الانسان،ويمكن لنا الغاء كلمة غباء وابقاء فقط كلمة الانسان لما يمثله من غباء لاحدود له يقابله ذكاء لاحدود له!وهما بذلك يجتمعان عنده حيث هو فريد في نوعه!.
والنكت الادبية هي من فروع النكات العلمية باعتبار ان الادب هو احد العلوم الانسانية التي ينتشر وجودها منذ القدم،وهي موجودة ضمن جميع النصوص الادبية من رواية وقصة قصيرة ومسرح وغيره.
وقد اشتهر الاديب الايرلندي الساخر برنارد شو بهذا اللون الذي طبقه في واقعه اليومي من خلال التعبير عن الكثير من القضايا وهي المنتشرة في تراثه الهزلي الادبي،من قبيل اجابته على معنى الرأسمالية بقوله انها مثل الشعر في صلعته وفي وجهه حيث لحيته الكثيفة،غزارة في الانتاج وسوء في التوزيع!...وهو تفسير مختصر وشامل لتلك الكلمة وفي غاية البراعة والجمال في الوصف مع الابتسامة في سماعها...
اما النكات الفقهية فهي الاجابات على اسئلة او الغاز بطريقة شرعية مقنعة تستند الى شرائع الاسلام،من قبيل شيء طاهر يجوز اكله ولايجوز بيعه،والاجابة هي لحم الاضحية،وهنالك الكثير من الامثلة على تلك الاسئلة المحيرة واجوبتها المقنعة مدونة في الكتب الفقهية والادبية مثل الف ليلة وليلة وفيها قصة الجارية تودد الشهيرة ومناظراتها مع علماء عصرها والتي تحاورهم بأسلوب جميل وسلس وفي النهاية تهزمهم،ومن الاسئلة التي ذكرت هي بعد صلاة الصبح رأى رجل امة ويقصد بها جارية مملوكة،فكان حراما وبعد الظهر حلالا وبعد العصر حراما وبعد المغرب حلالا وبعد العشاء حراما وفي صباح اليوم التالي كانت حلالا!،والاجابة كانت انها جارية مملوكة لغيره رأها فكانت حراما وبعد الظهر اشتراها فكانت حلالا له وبعد العصر اعتقها فكانت حراما عليه،وبعد المغرب تزوجها فكانت حلالا له،وبعد العشاء طلقها فكانت حراما عليه،اما بعد صلاة الصبح التالية فقد ردها الى عصمته فكانت حلالا له!...وهي اجابات منطقية وشرعية في غاية الظرافة والذكاء.وفي المسائل العقائدية الكثير من تلك الانماط وخاصة التي تتعلق بالجوانب الايمانية والعبادية،وقد اشتهر بها بصورة خاصة الامام علي(ع) والذي عرف عنه اعلميته الفذة في مختلف العلوم والاداب ولذلك كان فريد عصره بل والعصور التالية في بروزه العلمي العظيم كما هي خصائصه الاخرى والتي شهد له اعدائه قبل محبيه،ولذلك كان ملجأ الصحابة والمخالفين في السؤال عن اي مسألة صعبة مستحدثة تواجههم او في معرفة الاسلام وشرائعه،ومن بين النكات العلمية المشهورة تلك الموجودة في الآثار والتي هي حسب النص المتداول: سُئل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ما أعظم جنود الله ؟؟ قال: إني نظرت إلى الحديد فوجدته أعظم جنود الله،ثم نظرت إلى النار فوجدتها تذيب الحديدفقلت النار أعظم جنود الله ، ثم نظرت إلى الماء فوجدته يطفىء النارفقلت الماء أعظم جنود الله، ثم نظرت إلى السحاب فوجدته يحمل الماء فقلت السحاب أعظم جنود الله، ثم نظرت إلى الهواء وجدته يسوق السحاب فقلت الهواء أعظم جنود الله، ثم نظرت إلى الجبال فوجدتها تعترض الهواء فقلت الجبال أعظم جنود الله، ثم نظرت إلى الإنسان فوجدته يقف على الجبال وينحتها فقلت الإنسان أعظم جنود الله، ثم نظرت إلى ما يُقعد الإنسان فوجدته النوم فقلت النوم أعظم جنود الله،ثم وجدت أن ما يُذهب النوم فوجدته الهم والغم فقلت الهم والغم أعظم جنود الله، ثم نظرت فوجدت أن الهم والغم محلهماالقلب فقلت القلب أعظم جنود الله، ووجدت هذا القلب لا يطمئن إلا بذكر الله فقلت أعظم جنود الله ذكر الله (الذين امنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)

الاحتجاج العربي على الانتخابات الايرانية

الاحتجاج العربي على الانتخابات الايرانية!
اثارت الانتخابات الايرانية ونتائجها والاضطرابات التي نتجت عنها تلك النتائج ،
اهتمام العالم وخاصة الدول الغربية بشكل واضح ومثير بحيث اصبح حديث الجميع ،سواء الحكومات او الشعوب،وهي دلالة واضحة على اهمية تلك الانتخابات وما سوف تحدثه في الداخل الايراني وخارجه من تغيير ولو طفيف،وبغض النظر عن نتائج تلك الانتخابات والخروقات التي حدثت فيها رغم انني اميل الى ضرورة اعادتها حتى يمكن قطع الشك باليقين وبالتالي توفير سقوط المزيد من الارواح البريئة وتكاليفها المادية الباهضة،فقد نشأت المواقف الغربية من عدة اسباب ومن اهمها،ان النظام في ايران هو نظام معادي للغرب وسياساته في الشرق الاوسط وبالتالي فأن اي تغيير ولو بسيط في النظام السياسي الايراني هو له تأثير على طبيعة العلاقات المتوترة منذ عقود بين الجانبين،كذلك فأن طبيعة النظام السياسي الايراني وان كان يختلف عن النظام السياسي في الغرب الا انه مقارب له في حرية الاختيار وان كانت ضمن شروط النظام الديني في ايران وكذلك حالة التغيير المستمر في الوجوه السياسية الايرانية والتي تمتلك صلاحيات محددة وفق دستور ومجالس للحفاظ عليه مع توزيع للصلاحيات بين السلطات الثلاث،هذا بالاضافة الى وجود حراك سياسي بين المحافظين والاصلاحيين وهي صيغة للتعبير عن الحكومة والمعارضة،في منطقة تخلو منها مثل الشرق الاوسط خاصة والعالم الاسلامي عامة والتي عرف عنها فقدان وجود الديمقراطيات وترسخ الاستبداد والتي من بينها الانتخابات،ولهذا تنبع اهمية تلك الانتخابات والتي يشترك فيها غالبية الشعب في اختيار الرئيس والبرلمان وبقية المناصب المهمة في الهرم السياسي الايراني،كذلك فأن الغرب عموما يحاول الضغط على ايران في مختلف الاتجاهات كي تخضع له ووفق شروطه الخاصة في تسوية الملفات العالقة بينهما وخاصة البرنامج النووي والموقف من القضية الفلسطينية.
لايران اهمية بالغة في العالم الاسلامي من خلال تحالفها مع عدد من الانظمة والحركات السياسية والتي تخالف الغرب وسياساته المعلنة،وبالتالي فأن العالم الغربي ينظر بمنظار يختلف كثيرا عن المنظار العربي كون ان دول الغرب تحكمها نظم سياسية حرة تنشأ من ارادة شعبية داخلية ولهذا فهي تعرف بدقة متناهية اهمية الانتخابات ونتائجها مع ضرورة احترام الاختيار الشعبي،هذا بالاضافة الى التاريخ العريق للشعب الايراني والذي حقق في ثوراته المستمرة ضد النظم الاستبدادية المتعاقبة على حكمه،الانتصار الشامل رغم التكلفة العالية في الارواح والممتلكات في كل رفض جماهيري للحكم.
الموقف العربي:
يلاحظ في الموقف العربي الرسمي الغموض بسبب ان تلك الانظمة لاتستطيع الاحتجاج العلني على نتائج الانتخابات الايرانية لكونها انظمة قمعية لاتعترف اساسا بالانتخابات ومدى اهميتها في تقرير مصير البلاد وتقدمها في مختلف النواحي وبالتالي فأن الموقف الرسمي العربي تستر وراء الاعلام العربي الرسمي والشعبي والذي اخذ في معظمه موقف المعارضة لنتائج الانتخابات الايرانية في موقف مثير للسخرية المرة لاسباب مختلفة وفي مقدمتها العامل المذهبي!!...
نلاحظ في وسائل الاعلام العربية المختلفة والتي تتبع انظمة معادية لايران وخاصة الدول المحافظة اليمينية،انها تبحث وتتابع وتحلل مع السخرية والتهجم الخالي من الثقافة والادب،من الانتخابات الايرانية ومانتجت عنه وبصوت عال وكأنها تعيش في دول في غاية التطور السياسي والاجتماعي! بل وتتربع على قمة التطور العالمي حتى يمكن لها ان تنتقد دول اخرى في طريقة ادارتها لنظامها السياسي والتي من بينها الانتخابات وكأنها ادنى منها!.
يكفي ان نكف عن التنديد والسخرية من ايران ونظامها السياسي حتى لو كنا مخالفين لتوجهاته،من شيء بسيط وهو عدم وجود شعب عربي واحد يملك شجاعة الشعب الايراني وكبريائه وصموده الذي اقصى نظام الشاه المستبد والمدعوم من الغرب في ثورة كبرى سقط فيها عشرات الالوف من الشهداء،او من خلال خروج المعارضة لنتائج الانتخابات الان وبكل شجاعة واصرار ثم خضوع السلطات ولو جزئيا لعملية التدقيق،فهل يوجد شعب عربي واحد قام بتغيير نظامه جذريا او حتى مجرد الاعتراض عليه في ضرورة اجراء الانتخابات وليس تغيير نتائجها في الانتخابات الصورية؟!...الجواب بكل اسف كلا!... فتاريخنا المعاصر المخجل لا توجد به اي ثورة حقيقية يمكن ان يضحي الشعب بجزء من ابناءه بغية الحصول على حريته الكاملة،بل نرى ثقافة الخوف والاستعباد والانهزام النفسي من جراء تراكم رعب وتسلط رهيبين طال امده في الذاكرة الشعبية مما جعل المناعة دائمة لدى الانظمة في مجرد طرح فكرة زوالها!.
وهذا يؤدي الى شيوع ثقافة اللامبالاة وانعدام الروح الوطنية المخلصة ذات الصبغة الانسانية ،وهو يمكن ملاحظته في عدم المشاركة في الانتخابات الصورية المزيفة ناهيك عن مقاومتها او مساندة من يعارضها!مع ان الواجب الوطني والاخلاقي يستدعي دعم كل المعارضين لعمليات التزييف السياسية،مما يجعلنا نتوصل الى نتيجة مؤلمة وهي عدم قدرة شعوبنا على التصدي والمقاومة لانعدام الشجاعة الادبية والوطنية التي تبعث فينا القدرة على الصمود والمجابهة حتى النصر الكامل!....
ولهذا نلاحظ عدم الاهتمام العالمي بكل الانتخابات العربية،فماعدا الانتخابات في العراق والتي نشأت اساسا بفضل التدخل الغربي في تغيير نظامه والمراقبة لبناء نظام سياسي يقوم على الديمقراطية بغية انجاح النموذج الغربي فيه،وايضا وبصورة جزئية في لبنان رغم انها طائفية ومحددة بنظام كوتا غيرعادل، فأن اهميتهما تنشأ من خلال وجود الارادة الشعبية الحرة والصلاحيات الواسعة للفائزين فيها،مع وجود نظام تداول السلطة رغم سلبياته فيهما،اما في البقية فلا وجود اطلاقا لاي اهتمام في العالم الخارجي وخاصة الغربي لما يحمله من ثقل كبير في ادارة دفة القيادة في العالم اليوم،وهذا ما رأيناه حتى في انتخابات شبه حرة في دولة مثل الكويت شغلت اعلامها وجزء من الاعلام العربي،حيث جاء في استعراض الصحف البريطانية والتي لها تاريخ عريق في وسائل الاعلام في كونها الاكثر موضوعية وخبرة في الشأن الدولي ،انها لم تتناول الانتخابات الكويتية ونتائجها في اليوم التالي لها حتى في عرض بسيط سوى مقطع خبري صغير في صحيفة واحدة يشير اليها!!وهو ما اثار اهتمام واستغراب مستعرضها وهو الموقع الالكتروني للبي بي سي العربي!وهي دلالة هامة على رؤية الغرب لها في انها ليست كاملة او حرة لكون المجلس المنتخب يبقى محدود الصلاحيات ولايستطيع مجرد استجواب وزراء حتى يرى نفسه منحلا بارادة عليا!ناهيك عن تطرفه الفئوي والقبلي الدال على بدائية في العمل الديمقراطي هذا بالاضافة الى ضعف تأثيره في خارج البلاد،وهي حقيقة مؤلمة لايراها العرب وخاصة اصحاب الشأن انفسهم بل يتصورون ان العالم مهتم بهم وبأي انتخابات عربية اخرى!...
هذه الرؤية المنحطة واللامبالية تجاه انتخابات شبه حرة تكون بتلك الصورة،فكيف في انتخابات الرئيس الواحد المرشح في بلاد اخرى لدورات غير معدودة،والتي هي تمثيلية لاتحتاج لمجرد الحضور لرؤية نتائجها المعروفة سلفا!،وهذه امامنا بلاد مثل مصر وسوريا واليمن والجزائر وتونس وغيرها،بل هنالك بلاد مثل ليبيا وبقية دول الخليج،لايوجد فيها اساسا اي نظام انتخابي يمكن ان يوازي الانظمة السابقة!! بل وفي بلد مثل السعودية والذي اجرى انتخابات بلدية وجزئية وذات صلاحيات محدودة وقد الغاها لاحقا!!،كانت وسائل الاعلام الموالية له تشيد بها وتتحدث عن اصلاحات كبرى وديمقراطية فريدة من نوعها وتبشر الجميع بخير ويمكن ان تكون نموذجا عالميا يقتدى به!...
اذن التجاهل الغربي لانتخابات العالم العربي له اسباب وجيهة ومقنعة نحاول تجاهلها في تصوير انفسنا وكأننا رواد العالم وقادته الحقيقيين لكوننا نطبق الديمقراطية الحقيقية وخاصة في الاختيار الحر لنواب الشعب!.
تصنيف وتحقير الاخر والسخرية منه،ثم التفلسف بطريقة سفسطائية عن انتخابه كما يحدث الان يجب ان لايكون من العالم العربي،سواء من نظمه السياسية او من وسائل اعلامه،بل الاولى ترك تلك المخازي التي لاتستر عيوبنا والانشغال بواقعنا المزري والمخجل والذي لانراه بعيون سليمة بل مازلنا نرى عيوبنا كأنها مزايا خاصة بنا وبعيوننا التي تحتاج الى عملية تصحيح ليزرية باهظة الكلفة !!...