إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2009/04/10

9 نيسان...ولادة ضحية ونهاية طاغية

9 نيسان ...ولادة ضحية ونهاية طاغية
في الذكريات الجميلة التي تخص الفرد،ينبعث احساس رائع من داخل النفس التواقة لكل ما يعيد لها بهجتها خاصة اذا مرت بظروف زمنية تعيسة وتريد تجاوز احزانها...اما اذا خصت تلك الذكريات الجميلة مجموعة بشرية بأكملها،فالاحساس المشترك يزيد من البهجة والسعادة اضعافا بما يثري النفس الواحدة ويجعلها في حالة من الانسجام الروحي من اخريات لها صفات مشتركة معها...
ليست الذكريات المشتركة تخص مجموعة بشرية معينة قد تكون شعبا من الشعوب،بل يمكن ان تتجاوز كل الحدود المعروفة لتأخذ طابع انساني راقي يمثل المجموع الانساني بكافة مكوناته...
من اعظم المساوئ التي صاحبت المسيرة البشرية هي حالة الظلم والطغيان وتحت كافة المسميات والدعاوى الفارغة،وتكون في أسوأ حالة عندما يشترك في المظلومية عدد كبير من الناس بكافة الفئات العمرية بما فيها تلك التي ليس لها ادنى علاقة بما يقوم به الظالم وأعوانه من اعمال شيطانية وتحت مختلف الذرائع الواهية والتي قد تجد من يؤيدها من فئات اخرى مظللة من قبل الظالمين وفي حالة من فقدان الوعي والعقل لتبيان الحقائق.
لايوجد شيء في العالم اعظم من نهاية الظالمين لدى الفئات المظلومة،ففي يوم الانتقام الالهي الموعود،تفتح ابواب الحرية من جديد على مصراعيها،وتغلق ابواب السجون هذه المرة على الظالمين واعوانهم،وكما قيل يوم المظلوم على الظالم اشد واقسى.
وهنا تكون الولادة الحقيقية من جديد للمظلومين الذين حالفهم الحظ بالاستمرار في الحياة،وتكون مصاحبة لها الحرية والكرامة الانسانية التي من الشروط الرئيسية للعيش في هذا العالم والتي عادت الى كل انسان مقهور.
تفنن الطغاة على مر التاريخ في تعذيب واذلال شعوبهم او الشعوب الاخرى التي ساء حظها ان تكون قريبة منه،ولكنهم ابدا لم يحسبوا لليوم الذي يسقطون فيه سواء هذا اليوم هو السقوط الحتمي او بالموت الطبيعي الذي هو هادم اللذات ومفرق الطواغيت والجماعات.
خلال العقود الثلاث الاخيرة(1979-2009) كنموذج مثالي،رأينا كيف سقط العديد من الطغاة،وبعضهم كانت نهايته بشعة تتناسب مع قسوة اعماله،والبعض الاخر كان محظوظا في الهرب الى اماكن اخرى يتواجد فيها اخوانه الطواغيت الاخرون الذين يحسبون ان الزمن لن يكون ضدهم ايضا،والاخوة في الطغيان واهية وتافهة ولاتوجد لها ادنى مقومات البقاء ،بينما الاخوة في المظلومية من اروع وامتن الاخوة المشهودة وتستند على اسس انسانية بالدرجة الاولى ثم تتبعها الاسس الاخرى سواء كانت دينية او عرقية او قومية الخ....
لذلك فأن الفرحة في سقوط الطواغيت لا تقف عند حدود ظلم الطاغية بل تعبر الحدود السياسية المرسومة،وتصبح من اروع الامثلة على العولمة الانسانية التي تتخذ من الاخوة الانسانية عنوان ومنهج لها....
ومن صميم الاخوة الانسانية ودليل على قوتها وحيويتها،ان نفرح جميعا بنهاية كل طاغية على وجه الارض لان في ذلك خلاص لاخواننا في الانسانية الذي لايعلم مدى مظلوميتهم الا الله تعالى وهم...ومن هذا المنطلق كانت الفرحة عارمة برحيل شاه ايران المقبور بداية 1979 بعد ثورة عارمة ضده استشهد فيها عشرات الالاف من الضحايا الذين لم يجدوا من الدعم الخارجي اي شيء بل العكس وجدوا ان ابواب طواغيت آخرون تفتح لطاغيتهم الهارب من العدالة،مثل طاغيتي مصر والمغرب واللذان مازال الكثيرون يمجدون اعمالهم الخسيسة ويبررونها اذا كانت مشينة!.
وبعد شهور(تموز1979) سقطت طاغية آخر ولكن في بلد بعيد هذه المرة،في نيكاراغوا وهو من اسرة ال سوموزا المستبدة التي حطمت بطغيانها بلدها،واذكر مقولة شهيرة كتبت آنذاك على حائط في مدينة ليون في نيكاراغوا تقول:لاتبكوا على الشهداء،بل اتبعوهم الى قلب المعركة....
ومن الذين حالفنا الحظ في رؤية يوم سقوطهم المشهور،الطاغية السادات الذي صرع برصاص ظلمه في ذكرى حرب 6 تشرين في عام 1981 وكانت الفرحة عارمة في كل مكان كون هذا الطاغية قد اشتد طغيانه في الشهور الاخيرة من حكمه،وسط لامبالاة نسبة كبيرة من القاعدة الشعبية الرئيسية التي تلهث وراء لقمة عيشها التي لو لهثت وراء حريتها لوجدت حياة كريمة مصحوبة بالكرامة الانسانية والحرية العظيمة...وفي السودان المجاور لمصر سقط الديكتاتور النميري في ثورة شعبية عام 1985 وهرب على اثرها نحو مصر المجاورة التي اصبحت محطة الطغاة الهاربين من بلدانهم.
وفي عام 1986 سقط طاغيتين مكروهين من شعبيهما،وهما فرديناند ماركوس في الفلبين الذي حكم طويلا بلاده بأستبداد ممزوج بالفساد المفضوح،وكذلك في هايتي عندما سقطت اسرة دوفاليه والذي كان آخرهم جان كلود،وهي اسرة الرئيس مثل نيكارغوا والتي توارثت الحكم بالرغم من انه جمهوري،وهو نفس الطريق في العالم العربي.
وفي عام 1989 سقطت النظم الشيوعية المستبدة في اوروبا الشرقية والتي حكمها طغاة فترة طويلة،وكان اسوأهم هو ديكتاتور رومانيا شاوشيسكو الذي اعدم مع زوجته في نهاية الثورة الشعبية وهي نتيجة طبيعية لجرائمهم البشعة بحق وطنهم.
وخلال عقد التسعينات سقط طغاة آخرون من قبيل ديكتاتور ليبيريا العريف صمويل دو الذي اعدم بطريقة بشعة على ايدي معارضيه عام 1990 وطاغية زائير موبوتو عام 1997 والذي حول بلده الغني الى بلد فقير يسوده الفساد والاجرام،وكذلك سوهارتو ديكتاتور اندونيسيا الذي بدأ حكمه بقتل حوالي ثلاثة ارباع المليون معارض من اتباع الشيوعية واليسار،وكان حكمه نموذجا للطغيان والفساد،ولم يجد حرجا من الحج الى مكة عام 1991 واستقباله بصورة تليق بالزعماء الوطنيين!!.
وهناك في اوروبا سقط ميلوسوفيتش وتابعه كاراديتش من صربيا عامي 1996 وعام 2000 ثم سيقا بعد ذلك الى المحكمة الدولية ليحاكما على جرائمهما البشعة.
ولايسع المجال لذكر جميع الطغاة سواء في عصرنا الحديث او العصور الماضية،ولكن يمكن الاشارة الى ان التاريخ يحفظ انجازاتهم الاجرامية.
9 نيسان:
في 9 نيسان 2003 سقط نظام عميد الطغاة بلا منازع،صدام التكريتي الذي كان ابرز نماذج الشمولية الستالينية في العقود الاخيرة،واكثرهم وحشية وجبنا وهمجية،والذي حول بلده الثري في كل شيء الى بلد محطم تمزقه النزاعات والكراهية التي اشعل فتيلها نتائج اعمال نظامه الارهابية ومن بعد السقوط استمرت بقايا البعث المنبوذ ومجرمي القاعدة التكفيريين المنحرفين في ذات طريق الاجرام. اما السقوط الثاني له فكان في يوم 13\12\2003 عندما وجد الهارب الجبان في حفرة حقيرة نشرت صورها الفاضحة في وسائل الاعلام المختلفة حتى يتبين لكل مغفل مقدار جبنه ونذالته وقباحة شكله....
من اروع الامثلة على العدالة الالهية وحكمتها كانت في يوم سقوط نظام صدام في نفس تاريخ قتله وبوحشية نادرة لاكثر ضحاياه الشهداء نبوغا وشجاعة وعبقرية والمتمثلة في الامام الشهيد محمد باقر الصدر(1935-1980)واخته الاديبة المظلومة الشهيدة بنت الهدى(1937-1980) اللذان استشهدا على يد صدام في يوم 9\4...
فكان مقتلهما خسارة للفكر الانساني والعلم والادب ونصرا للهمجية المتخلفة،ولكن ابت العدالة الالهية الا ان تزيل حكمه في نفس التاريخ ولو بعد حين،في حكمة بارعة مؤدها ان دماء الشهداء ما هي الا معاول في كراسي الطغاة،مهما كانت درجة تجبرهم والتي وصلت مع صدام الى اقصى مداها دون ادنى درجة في الاعتبار والتذكر الى مصير الطغاة قبله،في دلالة عظيمة الرمزية في كون ان الطاغية لايعتبر بمن سبقه،فالحاضر والمستقبل لديه يمثل كل شيء ومحصور في الاستمرار اطول فترة ممكنة في الحكم.
لقد كان سقوط هذا الطاغية المجرم هو نهاية لكابوس جثم على ارض العراق منذ 9 شباط 1963 ولغاية 9 نيسان 2003 اي استمر لمدة اربعين عاما من الطغيان اللامحدود وكانت جرائم صدام من البشاعة انه قتل الاطفال وبالجملة في السجون والمقابر الجماعية في صور مرعبة لمدى الوحشية اللامحدودة لهذا المعتوه واتباعه الذين وجدوا الرعاية والعناية من الدول العربية المجاورة بعد هروبهم من العدالة في العراق وكأنهم مجموعة من العباقرة والمفكرين الباحثين عن الحرية!! ،بالاضافة الى انتهاك الاعراض وقتل النساء وكبار السن،واشاعة الفساد والكراهية في المجتمع والتعدي على جيران العراق وخاصة مواطني الدول المجاورة الابرياء الذين ساء حظهم كونهم بالقرب من هذا الطاغية.
في مثل هذا اليوم ولد العراق الجريح من جديد بعد ان ازيلت اعتى ديكتاتورية في تاريخه المعاصر،ورغم انه مازال يعاني من بقايا النظام البائد وحلفائهم وبدعم من طغاة البلاد المجاورة،الا ان الامل باق في ولادة الضحايا من جديد وتحت شمس الحرية،حتى يعاد بناء ذلك البلد الذي كان مستودع الحضارات ومنبع الرسالات ليأخذ مكانه المعروف بين الامم...
يوم سقوط الطاغية هو يوم اسود لدى الطغاة واتباعهم في كل بلاد الدنيا...ويوم نصر عظيم لكل الضحايا والمظلومين....

2009/04/07

موسيقار عالمي ENNIO MORRICONE

















موسيقار عالمي:مجهول الاسم ومعروف الموسيقى في العالم العربي
من خلال تصفح موقع محرك البحث غوغل ...بالنسختين العربية والانكليزية...
حول الموسيقار الايطالي العالمي اينو موريكوني وجدت فارق شاسع وهو دليل ناصع على الفارق الكبير بين المخزون المعرفي العربي والانكليزي في الانترنت ،ففي النسخة الانكليزية عندما وضعت اسم ENNIO MORRICONE وجدت في البحث حصيلة هائلة من الصفحات تقدر ب
2,820,000 اما النسخة العربية عندما وضعت اسمه باللغة العربية فلم اجد سوى 63 صفحة موجودة!!!...
وليس هذا الفارق الهائل في هذا الاسم المعروف بل في كل شيء معرفي في الانترنت
هذا الموسيقي هو من مواليد 1928في روما بأيطاليا....وضع لاكثر من 500 فلم او مسلسل تلفزيوني مقطوعة موسيقية رائعة....وخاصة لافلام الويسترن المعروفة بالكابوي في الستينات مثل من اجل حفنة من الدولارات ،الجيد والسيء والقبيح،الصمت العظيم،وغيرها كثيرة...
حصل على عدد كبير من الجوائز العالمية،كما ان الافلام التي يضع موسيقاها غالبا ما تكون عالية الايرادات نظرا لقيمتها الفنية الرفيعة...
تمتاز موسيقاه بالكلاسيكية السحرية التي تكون مزيج من القديم والحديث في موسيقى سحرية عذبة هادئة...
له موقع خاص بأسمه باللغتين الانكليزية والايطالية وعنوانه هو:
http://www.enniomorricone.com/

وله ترجمة في موقع وكبيديا باللغة الانكليزية عنوانه هو
http://en.wikipedia.org/wiki/Ennio_Morricone

كما له ترجمة وصور عديدة له في موقع IMDB العالمي الخاص بالسينما والفنانيين وعنوان الصفحة هو:
http://www.imdb.com/name/nm0001553/

اذا وضعتم اسمه في اليوتوب سوف تجدون اكثر من 6000 مقطع فيديو لموسيقاه وبصيغ مختلفة !!
ومن اروع مقاطعه الموسيقية والتي سمعها الكثيرون...مقطوعة بأسم
CHI MAI وهي موجودة في اليوتوب وعنوانها
http://www.youtube.com/watch?v=b-CRONA_XUI

او مقطوعة الفلم الشهيرThe Mission وهو انتاج 1986 وعنوانها:
http://www.youtube.com/watch?v=pmSjbnbR_pQ

وغيرها من المعزوفات الموسيقية الرائعة الخالية من الكلمات ...فقط كلمات الروح الصامتة...

2009/04/05

لوحة للفنان الايراني مهرداد جمشيدي


المسرحية العربية السنوية

المسرحية العربية السنوية:
قبل وجود الاعلام المرئي وخاصة الفضائي والالكتروني،كان صعبا علينا ان نعرف ماذا يجري في القمم العربية السنوية من مناقشات وكلمات ومداخلات بين الحكام العرب،ولذلك حرمنا فترة طويلة من الاستمتاع بما يجري بينهم.
اما الان فاعتقد اننا سوف ننتظر بفارغ الصبر مجي مسرحية الموسم القادم،وهي تنافس مسرحيات عادل امام وعبد الحسين عبد الرضا ودريد لحام،وهو اقوى ثلاثي عربي على المسرح الفكاهي في العالم العربي!!...
من خلال الرؤية الكاملة لوقائع القمم العربية يمكن التحقق من مستوى حكام العرب الثقافي والاخلاقي الذي وصل الى مستوى وضيع لايكاد يتصوره المرء ابدا في ان تلك الزمرة ممكن ان تقود شعوب وامة كبيرة بحجم امة العرب!!.
التناقض الحاد الموجود بينهم وهو على نفس شاكلة زعماء عصابات المافيا،يمكن ان يصل بالقمة الى الفشل الذريع المؤكد،ولذلك لا يوجد عاقل عربي واحد ممكن ان ينظر الى القمة السنوية العربية،نظرة امل بل وحتى الهيكل المشوه الذي يجمعهم بينهم والذي يسمى بجامعة الدول العربية هو لايقل انحرافا عنهم فكيف يقودهم!،ولكن الملفت للنظر ان امين عام الامم المتحدة اخذ يحضر الى تلك القمم في السنوات الاخيرة،وبالتأكيد هو محظوظ حتى يرى بأم عينيه من مهزلة مضحكة قد تبقيه عاما كاملا يتذكرها خاصة اثناء فترات همومه فتثير في نفسه الضحك الممزوج بالحزن على شعوب بأكملها منكوبة تخضع لامثال هؤلاء الرعاع الذي لولا ملابسهم الانيقة لما صعب علينا ان نميزهم عن شقاوات ومنحرفي المحلات الشعبية ولكن الاختلاف الرئيسي فيما بينهما هو اننا نجد احيانا النخوة لدى منحرفي الاحياء الشعبية اما لدى الحكام العرب فتلك بعيده عن شيمهم الاصيلة .
اصبح هؤلاء الحكام مثل الاطفال اثناء خصوماتهم الصبيانية،والتي تبدأ بهذا يحضر والاخر لا لانه يختلف مع الاخر،!! والادهى هو اننا نجد قطاعات شعبية واسعة تسير خلف هؤلاء المعتوهين في صراعاتهم الجانبية،فحين الخلاف والنزاع بين اثنين وهو في الغالب شخصي او خلاف النظرة والرأي الى موضوع ما،فأن اجهزة الدولة تنقل النزاع الى كافة القطاعات الشعبية بحيث يحصل لدى المواطن البسيط حالة من الخصام والكره لديه تجاه مواطني البلد الاخر،وهي تحصل في الغالب بدون وعي وادراك كاملين بخطورة الامر،ولكن الاكثر مرارة وحزن ان الحكام غالبا ما تزول خلافاتهم بسهولة اكبر بكثير من خصومات مواطني البلدين الذين يجدون صعوبة في العودة الى حالة الوئام والمحبة نتيجة لانه في الاساس خضع لحالة من غسيل الدماغ لا يستطيع معها ان يرفضها او حتى ان يكون محايدا او محصنا منها،وبالتالي تكون نزاعات العالم العربي من العمق ليس من السهولة بمكان حلها خاصة وان غالبية شعوبنا غير متعلمة او خاضعة لتقاليد متخلفة تمنع من تحضرها ومن ابرزها الطائفية والطبقية والقبلية وتعجز ان تقرر وفق قواعد العقل والمنطق سير سلوكها السوي.
ولكن الغريب ان يبرر غياب بعضهم بأعذار في منتهى السخف،اوغيابهم يكون مكشوف ودال على درجة الخلاف فيما بينهم،ومنها غياب الديكتاتور المصري حسني مبارك وهو قبل شهر ركض مهرولا الى البحرين لكي يدعمها بوجه محاضر ايراني ذكر في محاضرته ان البحرين كانت جزءا من ايران! قبل قرون مضت،او لكي يثبت شجاعته الملوثة بوحل قذر امام البحارنة حتى يقولوا انه يقف بوجه ايران!!او بالاحرى ضد المحاضر الايراني،اما امام اسرائيل صديقته الاولى بأمتياز فالوضع يختلف والمقارنة متروكة للقارئ!...
كلنا استمعنا بلذة لمداخلة المعتوه الليبي ضد العاهل السعودي،وبنفس طريقة خصمه كال له الاتهامات والتي هي صحيحة للطرفين في كون الغرب حاميهم وهو الذي أتى بهم،والتي بقيت في صدر المعتوه الليبي مدة ست سنوات ينتظر اللحظة الحاسمة لكي يعيد بها كرامته المهدورة!.
اثناء تلك المناوشات الكلامية تظهر امامنا وبطريقة ساخرة جدا المستوى الحقيقي للحكام العرب،وخاصة عندما يعير احدهما الاخر بالعمالة للغرب.
لكن الديكتاتور الليبي هذه المرة تجاوز كثيرا في تصوير نفسه وهو رئيس وليس ملك،على انه ملك الملوك في افريقيا وامام المسلمين وعميد الحكام العرب!!(لانحتاج للتعليق والسخرية من تلك الكلمات!)...ولكن المثير للضحك ايضا انه يريد مصالحة الملك السعودي!!يعني بشتائم وعبارات تدل على نرجسية مخرفة يبدأ المصالحة!والتي لن تكون عميقة وسليمة بالتاكيد.
تبقى فقط من خلال مذكرات بعض الزعماء والمسؤولين العرب،شذرات من المسرحيات العربية السابقة،وهي مادة دسمة للتسلية والضحك عليهم او جعلها مصدرا مهما لاقامة مسرحيات هزلية للجمهور المحبط تعيد له على الاقل جزءا من كرامته المجروحة على يد هؤلاء،حتى لو كان القبر يضم رفات بعضا منهم.
الاتفاق العربي:
اذا اتفق حكام العرب على شيء فمعناه ان ذلك الشيء ليس بصالح الشعوب العربية وفقط بصالح بقاء كراسيهم مصونة،فهم في حالة تشبه الى حد كبير حالة قادة عصابات المافيا الذين يتصارعون فيما بينهم الى حد الاقتتال الداخلي،ولكن اذا تعرض اي واحد منهم الى خطر كبير يهدد مكانته او حياته من قبل قوة خارج العصابات وغالبا ما تكون قانونية،فأن الجميع يهب لانقاذه بشتى الوسائل الممكنة بل حتى يتناسون الخلافات العميقة فيما بينهم!! والسبب معروف انه يمكن تحمل وجود عدو على نفس الشاكلة من الانحراف والسلوك الاجرامي،ولكن لايتحملون وجود عدو شريف ونزيه وذو اخلاق حسنة لانه من خلال الصفات السابقة يكون قد سحب البساط من تحت ارجلهم،ولذلك رأينا ان الحكام العرب يهبون في القمة الاخيرة لمساندة الديكتاتور السوداني الذي يقبع في حكمه اللاشرعي منذ عقدين من الزمن وتصرف خلالها بهمجية ورعونة لاحدود لها.
من هنا نجد ان التأييد الرسمي العربي للديكتاتور البشير ليس حرصا على السودان كوطن وشعب كما اذيع من خلال كلماتهم الرعناء،فتلك الاسباب من التفاهة والسخف تجعل الغير بالغ يسخر منها ولايقيم لها وزنا او احتراما لقائلها!..
اما الاسباب الحقيقة فهي الخوف من المصير المجهول لان الحكام على نفس الشاكلة فقد ارتكبوا من الجرائم ما يندى لها جبين الانسانية ويكفي مجرد استحواذهم على الحكم بصورة غير شرعية انه جريمة لا يمكن غفرانها لانها اساس البلايا في عالمنا العربي...ولذلك من يمنع غدا ان تقدم الى المحكمة الجنائية الدولية شكاوى ضد زعماء عرب آخرين؟!...بالتأكيد لا احد يمنع ذلك،والمصير الاسود لديكتاتور السودان هو نهاية كل طاغية لا يحترم شعبه ولا المجتمع الدولي بالاضافة الى عدم احترام مبادئ الانسانية وشرعيتها المستمدة من شعبها.
اما بالنسبة للاتفاق حول قضايا هامة ومصيرية فتلك بعيدة كل البعد عن تفكير هؤلاء لانها لاتهم سوى من يكتوي بنارها اما اذا اقتربت النار الى كراسي الحكام فأن الدنيا تجيش وتصبح سيادة الكرسي هي سيادة الوطن التي لايعلوا سيادتها شيء اخر!!...
اما بالنسبة لضحايا ذلك الديكتاتور المخبول سواء في دارفور او جنوب السودان وشرقه او المعارضة في شمال البلاد،فهؤلاء مجرد ارقام لاقيمة لها لدى هؤلاء المعتوهين الذين يحكمون عالمنا العربي سواء ارتفعت او انخفظت فالمهم هو الزعيم الذي يفدى لاجله الارواح والبلدان!،من هنا يمكن القول ان من وقف مع البشير هو مجرم يشترك معه في جرائمه كما تدل على ذلك كل الشرائع السماوية والاخلاق الارضية ورابطة الانسانية والقياس من خلالها يمكن اصدار ذلك الحكم.
وليست تلك هي المرة الاولى،فقبل بضع سنوات فقط وقفوا مع ديكتاتور العراق المقبور صدام قبل سقوطه وبعده،وتناسوا في لحظات وبكل وقاحة ورعونة كل خلافاتهم معه،لان الخلافات وهي ليست جذرية بل في اسلوب وطريقة الحكم المستبد لهم،مع معتوه على نفس طينتهم اخف بكثير من وجود نظم ديمقراطية حرة تحكم شعوب متحررة على حدود بلادهم،ولذلك فأن من لايقف مع ضحايا الشعب السوداني ويقف مع جلاده هو بالتأكيد كان قد وقف مع جلاد العراق السابق ضد ضحاياه الذين تجاوزوا الحدود الوطنية الى الشعوب المجاورة وخاصة ايران والكويت،ولذلك فأن رابطة الضحايا دائما تكون اقوى واشد من رابطة الجلادين لانها تستند على اسس انسانية بحتة من ضمنها رابطة الدين والدم والجوار والتاريخ،بينما رابطة الجلادين تستند على اسس هشة وواهية لانها مخالفة للفطرة الانسانية السليمة،ولذلك تزول بسرعة امام ادنى عاصفة.
من هذا المنطلق يمكن القول ان الوقوف مع طاغية السودان البشير،سوف يتكرر مع كل طاغية آخر،وبدلا من احكام العقل والمنطق والشرعية في دعوته ترك الحكم والوقوف امام المحكمة للدفاع عن نفسه والتي يعلم جيدا انها لاتفيده بشيء مادام عدد ضحاياه بذلك الكم الكبير سوف يجعل من مهمة دفاعه هزيلة وبالتالي سوف تكون نهايته الحتمية خلف القضبان جراء ما اقترفت يداه من جرائم...والعدالة في النهاية سوف تقام على الجميع ولا حصانة لاي انسان امام اتهامه بأرتكاب جرائم.

اعتذار زعيم

اعتذار زعيم:
قدم رئيس الوزراء الاسترالي(كيفن راد) اعتذاره العلني الى مضيفة طيران في رحلة محلية كان قد تكلم بخشونة معها وذلك لتقديمها طعام غير الذي طلبه هو،وبالتالي انفجرت باكية واشتكت منه لرئيسها في العمل،مما اصاب رئيس الوزراء بالاحراج الشديد وخاصة امام الصحافة والرأي العام،فأضطر للاعتذار العلني المصحوب بكلمات ذات دلالة عميقة وخاصة وصفه اننا جميعا بشر وخطاؤون،وبالتالي هو لايختلف عن غيره في عمل خطأ ما قد يكون متعمدا ام لا!،والظاهر ان الرجل كان متعبا من شيئا ما قد جعله لايحسن الكلام مع المضيفة حينها...
وهذا الاعتذار هو الثاني له خلال شهرين،حيث الاول كان موجه للمشردين من موجة الحرائق التي اجتاحت مدينة ملبورن وسقط على اثرها اكثر من 200 ضحية،والاعتذار كان نيابة عن دائرة الضمان الاجتماعي التي كانت تسأل المشردين عن ابراز اي وثيقة قانونية لمنح المساعدات العاجلة لهم،ونظرا لحالتهم النفسية السيئة من جراء فقدان الارواح والممتلكات فقد جرى اعفائهم من ذلك وقدم لهم اعتذار من رئيس الوزراء شخصيا بالاضافة الى الحكومة ككل ودائرة الضمان الاجتماعي،مواساة لهم على تلك المأساة!.
تلك الاعتذارات ليست من اخطاء ذات حجم كبير اذا قارناها بأخطاء الحكام في العالم الثالث،ولكن ذات دلالة عميقة بالغة الاهمية،وهي تؤكد ليس فقط على المغزى الحضاري للاعتذار،بل انها من صميم تعاليم الاديان السماوية الثلاث وخاصة الدين الاسلامي الذي يعتنقه السواد الاعظم من شعوب العالم العربي،وكل المذاهب الاخلاقية والضمير الانساني الحي.
زعماء العالم العربي:
لم اسمع من قبل ان زعيما عربيا قد اعتذاره عن شيء كهذا في التاريخ المعاصر للعالم العربي،بل هذه اشياء تافهة في عرف هؤلاء العباقرة التي تخرج الحكم والابداعات من السنتهم مما يستدعي الانتباه في ان هؤلاء من المستحيل ان يقدموا على خطأ ولو صغير مع الاخر حتى يقوموا بواجب الاعتذار الرسمي والعلني!!..
احيانا من المحزن ان نجري مجرد مقارنة بين تصرف رئيس الوزراء الاسترالي واخطاء الحكام العرب،فهؤلاء اخطائهم ليست بسيطة او ضد فرد واحد،بل قاتلة وضد شعوب بأكملها،والمثير للاشمئزاز انهم حتى لو كانوا خارج الحكم لايقدموا اي اعتذار بل اعذار واهية وفي منتهى السخافة والحمق،وكأن المقابل معتوه لايفهم شيئا!...
اخطاء الحكام العرب تصل حد الابادة الجماعية لشعوبهم او ادخالهم في مهالك من الحروب الداخلية والخارجية بحيث تجعل بلادهم في حالة من البؤس والشقاء المصحوب بقمع وحشي وهمجي لكل من يعارضهم او يخالف توجهاتهم.
نحتاج الى موسوعات ضخمة جدا لتبيان اخطاء كل حاكم عربي خلال القرون الماضية،ولا يعلم حجم الظلم والطغيان وعدد الضحايا الا الله سبحانه وتعالى،ويستحيل على كل ذي علم مهما اوتي من صبر وقوة على ان يسرد ويفصل حجم الجرائم،لا ان يعبر عن احاسيس ومعاناة الضحايا.
في نظرة سريعة حول حكم المعتوهين الذين حكمونا حقب زمنية طويلة وجلبوا الكوارث لشعوبهم المنكوبة،لم نشاهد اي مراجعة لتصرفاتهم الهوجاء في الحكم ولا تقديم مجرد تبرير حول اخطائهم او الدعوى لاستخدام السياسة المهلكة التي اثبت الواقع فشلها الذريع...اما ان يقدموا اعتذار فتلك سخافة ومن المستحيل مجرد حدوثها،ولذلك يثبت لنا العقل والمنطق والتاريخ مع المقارنة في شعوب اخرى يحكمها حكام اختيروا لخدمة شعوبهم لفترة زمنية محدودة،انه قد حكمنا اناس معتوهين رعاع ليست لديهم قيم دينية او اخلاقية او انسانية وبالتالي يكون الانسان مثلهم في الهمجية ان قدم مجرد تبرير لاعمالهم الاجرامية حتى لوكانت من وجهة نظر منطقية،فالغاية لاتبرر الوسيلة ابدا...ابدا!!
بالمقارنة مع درجة الوحشية والهمجية فأن صدام التكريتي كان الابرز في ابشع صورة ممكنة ممن يقوم بأعمالها الشيطانية انسان على وجه الارض،ولم يقدم اعتذاره حتى وهو في قفص الاتهام،وقبيل زوال حكمه الاسود قدم اعتذاره الى شعب الكويت عن غزوه بغية فصله عن حكومة ال الصباح الحاكمة،وهو دافع معروف وخبيث،بينما كان الاولى به تقديم الاعتذار للشعب العراقي ثم الشعب الايراني اللذين نكبا به لفترات زمنية اكبر وبظلم افدح.
عندما يتم تذكيره بجرائمه،يقوم بتبريرها بكل وقاحة،ويقوم بتمثيل دور الضحية امام وسائل الاعلام التي استغلها ابشع استغلال،مما جعل الاغبياء يصدقونها في ابرازها لحالته،ولو تذكرنا جريمة واحدة من السلسلة الطويلة،لرفضناه مع نظامه البشع كل الرفض،وهي قتل الاطفال الابرياء بأعداد كبيرة سواء في المقابر الجماعية او المعتقلات الوحشية،ناهيك عن هتك الاعراض وابادة الجنس البشري،مما يجعل المقارنة مع خطأ السيد راد الاسترالي،لا محل ولا وجه لها،الا الضحك المثير للالم!.
المثال الاخر والذي يطبل له المطبلون،وهو الديكتاتور عبد الناصر والذي كان اخف من سابقه في حجم ونوعية الجرائم،ولكن اذكر منها معاناة الضحايا في سجونه الارهابية والتي فقد الاف حياتهم ومستقبلهم وكرامتهم فيها،وبالتأكيد من الغباء ان نتصور انه لايعلم ذلك!...وبالتالي هل اعتذر؟!،الجواب للمطبلين،كلا!...
ومن المضحك المبكي ان يصف البعض قراره بعد هزيمة 1967 الشنيعة القاتلة،بالاستقالة والتراجع عنها بالعمل البطولي!،وهو الذي يستحق عليه الاعدام بتهمة الخيانة العظمى للوطن،ولكن شعوبنا بدلا من محاكمته،نراها تخرج بالملايين لكي تبقي جلادها الغبي في حكمها،لكي تثبت للشعوب الاخرى وللتاريخ اننا شعوب لا نستحق الا جلادين لحكمنا،لاننا (شعوب ماشوسية)،نحب تعذيب انفسنا بأيدينا!...
وهذا الاخير الموجود الان،والمسمى قائد الثورة الليبية،الذي اثبت للعالم انه يستحق بجدارة نحسد عليها انه المعتوه الاول،نراه بعد مرور اربعة عقود من حكمه الاجرامي البشع،يستمر بوقاحته اللامحدودة،اما ان ننتظر ان يعتذر لشعبه ولبقية الشعوب الاخرى التي اكتوت بناره الهمجية وخاصة لبنان وتشاد،فتلك مسألة فيها نظر!!...
ذكر الحكام جميعا يطول المقام بهم هنا،ولكن يمكن الاشارة الى الحكام السابقين والذي رحلوا مع جرائمهم الى ربهم العادل،وتركوا لنا مزيجا فريدا من نسخهم الممسوخة التي تحكمنا الان ...ومن ابرزهم بورقيبة التونسي والحسن الثاني المغربي،والنميري السوداني،ومعاوية الموريتاني،وحسين الاردني،لا بل هنالك من تزعم منظمات تحررية وكان طاغية صغير في تصرفاته نظرا لعدم وصوله مرحلة الحكم المباشر للدولة،وكانت له اخطائه الجسيمة القاتلة على بقية ابناء شعبه والتي لم نسمع منه انه اعتذر عنها او يريد تقديم الاعتذار،ومنهم عرفات الفلسطيني الذي مازال يجله الكثيرون! او خليفته محمود عباس النسخة المحسنة منه...
ايهما افضل؟!
هنالك قصة مشهورة ومؤثرة جدا في التاريخ الاسلامي،ولكن عدد كبير ان لم يسمعوا بها،فهم يمرون عليها مرور الكرام بدون اخذ العبرة والحكمة منها،والاستفادة من مدلولاتها الغنية التي تعبر عن واقع انساني ثابت لامتغير.
القصة بأختصار انه بعد احتلال هولاكو لمدينة بغداد عام 1258م وقتله لمايزيد عن مليون نفس فيها،توجه الى الجنوب فأحتل مدينة الحلة التي كانت ذات حاضرة علمية مشهورة،فجمع في حضرته علمائها من كل الملل والنحل،وقيل ان الحدث كان في بغداد،المهم فسئلهم السؤال التالي:ايهما افضل الحاكم المسلم الجائر،ام الحاكم الكافر العادل؟.
وهنا احتار العلماء في الاجابة،ولا ادري سبب الحيرة هل من ان السؤال جديد عليهم ام من شيء آخر!،فمن غير المعقول ان العلماء الذين بحثوا في ادق المسائل واصعبها،ان يفوتهم هذا السؤال الهام او لايعيرون له اهمية.
عموما بقوا في حيرة من امرهم،حتى تقدم الصفوف عالم جليل واحد كبار علماء الحلة وبغداد،وهو العلامة السيد ابن طاووس العلوي،فقال الحاكم الكافر العادل هو افضل من المسلم الجائر،وعندما سئل عن الدليل،فكانت اجابته عقلية،بأن لنا عدل الكافر العادل عندما يحكم وعليه وزر كفره لوحده،بينما لنا ظلم المسلم الجائر اذا حكم،وله لوحده اسلامه الذي يثاب عليه،وهو شكلي بالطبع...فكانت اجابته العقلانية العميقة سببا في توقيعه على الوثيقة المذكورة والتي عن طريقها تم حفظ دماء ماتبقى من الناس وعلى رأسهم العلماء الذين اخذوا يتسارعون في التوقيع وتأييد ما جاء بها.
ذلك الحكم مازال الكثيرون يخالفونه ويحشدون لمعاكسته مختلف الذرائع والحجج الشرعية والنقلية،وهم بذلك فتحوا علينا بابا في تسلط الظالمين لا نعلم مداه،ومتى يخرج من حياتنا الى الابد رغم انه من الحكمة والمنطق القول ان العدل هو اساس الحكم وهو سبب تقدم الامم لا الظلم الذي يسبب الكوارث المهلكة للشعوب المبتلية به. ولذلك نرى ان هنالك الكثيرون بمباركة وعاظ السلاطين،ساروا في تأييد الدولة العثمانية التي كانت بالاسم فقط دولة اسلامية ولكن في افعالها تخالف الاسلام وتحارب الكثير من احكامه،وخاصة نشرها للظلم والطغيان على الشعوب المنضوية تحت سلطانها الجائر،ولذلك فوجىء الغربيون عندما قاومهم وبشدة بعض الشعوب المسلمة التي حاربت لاجل سلطانها رغم ان بعضهم حارب لاجل دينه ووطنه ولكن تحت جناح السلطان الجائر وبالتالي كانت النتيجة هي عودة الحكم الاستبدادي بصورة جديدة تلائم العصر في الشكل ولكن تختلف عنه في المضمون!.
ولهذا نرى ان هنالك الكثيرون يفضلون حكم الظالمين المسلمين وهم في الحقيقة اعداء الاسلام والانسانية،على حكم غير المسلم حتى لوكان عادلا،ويثير وعاظ السلاطين جزاء كبيرا من تلك الحملات لحمل الناس على الطاعة للحاكم مهما كان قاسيا في حكمه!.
الكثيرون من ابناء العالم العربي عندما يواجهون حياة قاسية او يتعرضون لتعذيب الظالمين،فأنهم يتمنون ان تحررهم اسوأ الدول والشعوب،ولكن حال تحريرهم فأنهم بعضهم يود ان يرجع الى حكم من ظلمه او من يريد السير بنفس طريق السلف الظالم،وتلك مفارقة غريبة الا اذا كان المحرر سيء لدرجة عالية تبرر عدائه ومقاتلته.
عدالة الغربيين في حكم بلادهم هي الاقرب لجوهر الحكم الاسلامي الذي يدعو الى العدالة والمساواة،بينما ظلم حكامنا المسلمين،هو الذي جعلنا نكون بهذه الصورة القبيحة في عالم اليوم.
ونرى حياة الجاليات العربية والمسلمة في الغرب تعيش كبقية الجاليات بحرية وأمان،ومحفوظة الكرامة والحقوق،والتي من ابرزها ممارسة الشعائر الدينية بحرية وممارسة الحق السياسي في التعبير وغيرها من الحقوق المتفق عليها.
لقد اصبحنا خارج نطاق المنافسة الدولية في شتى علوم وفنون الحياة،واصبحنا نفضل ظلم المسلم حتى في حالة سماعنا تصرفات الحاكم الغربي في ممارسة العدالة والمساواة في طريقة الحكم والتي من بينها الاعتذار لابسط انسان عن خطأ قد يكون احيانا غير مقصود،ولكن الساسة يسارعون للاعتذار ليس فقط للواجب الوطني والاخلاقي،بل لكسب المزيد من الناس بتصرفاتهم الطيبة حتى يجدد لهم الاختيار في الانتخابات القادمة والتي محرومة غالبية شعوبنا من ممارسة حقها الطبيعي في اختيار الاصلح فالاصلح.
بلغ اليأس اقصى مداه في شعوب العالم العربي من حدوث تغيير جذري،وقد يكون اوله هو اعتذار الحكام الى شعوبهم عن ممارساتهم الاجرامية او الخاطئة بحق ابناء امتهم في قممهم السنوية التي يعقدونها لغرض اللقاء السنوي والذي تحدث فيه المناوشات،فيا حبذى ان نؤسس لمقهى يضم فقط الحكام واعوانهم الرئيسيين حتى يخففوا عن شعوبهم الضغوط النفسية التي تحدث لدى الجانبين،ويمارسوا حقهم الطبيعي في الشتائم واللعن فيما بينهم،ويتركوا القمم العربية الى الخبراء لكي يحددوا لنا التخطيط السليم لبناء الامة وتكون لهم الكلمة العليا في كل شيء......

من اسفار المكتبة - السفر الثاني

من اسفار المكتبة:السفر الثاني
الكتب التراثية هي تراث الامم والشعوب،وهي خلاصة التجربة البشرية في كل ميادين الحياة والمعرفة...ولاتنتهي قيمة تلك الكنوز بمرور الزمن بل على العكس يوجد هنالك الكثير من النفائس كالذهب الخالص لا يتأثر بأي حال من الاحوال بالتغيرات التي تحصل،خاصة تلك الكتب التي فيها من المعارف القيمة التي اثبتت صحتها وجدارتها في الفحص والتدقيق...وليس معنى ذلك ان كل كتب التراث هي ذات قيمة عالية،بل ايضا يوجد الكثير ممن قيمته لاتتجاوز قيمة الورق او الحبر المكتوب عليه،ولكن تكمن اهمية التراث وآثاره انه من حقب زمنية ليست في نفس تطورنا الحالي وبالتالي هي نادرة وتغطي فترات زمنية كبيرة،بينما في ازماننا المعاصرة يجرى حفظ المعارف والعلوم المختلفة بطرق لامثيل لها من التقنيات الحديثة هذا بالاضافة الى انتشاره الواسع وعلى شرائح شعبية كان يصعب الوصول اليها خلال القرون الماضية التي بقيت محصورة على النخب المختلفة من الشعب والتي تدير كل اموره ...
من الكتب التي انتهيت من استهلاك محتواها المعرفي والاستمتاع بما لذ وطاب للروح من مكنونها الخزين،هو كتاب... رشف الزلال من السحر الحلال...للعلامة جلال الدين السيوطي(1445-1505)...وهو احد مشاهير العلماء والمفكرين في عصره،والمولود في اسيوط في مصر،والمتوفى في المدينة التي قضى اغلبية عمره فيها وهي القاهرة...وهو مثال يحتذى به للعصامية وفي اعلى درجاتها العلمية فقد كان يتيم الاب وتولى عنايته صديق ابيه،الان نبوغه كان بارزا مما اثار انتباه الاخرين له،فقد كان موسوعة معرفية ضخمة،الا ان تبحره اختص في سبعة علوم وهي التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع،الا ان المثير في قصة حياته هو ان عدد مؤلفاته جاوزت ال 500 مؤلف وفي بعض الروايات جاوزت ال 900 مؤلف!...الا اننا يجب التذكر ان عدد كبير من تلك المؤلفات هي بحجم صغير والتي يطلق عليها في الغالب الرسائل،ومن ضمنها الكتاب الذي نحن بصدد استعراضه السريع وهو مطبوع في عام 1997 في لبنان وحجم صفحاته 144 ص من القطع المتوسط،والورق نوع خشن ورخيص،هذا بالاضافة الى كتبه المشهورة الاخرى الضخمة في التفسير والحديث.
ومؤلفات السيوطي الجنسية كثيرة،وفي مختلف فروع المعرفة فيها،وهذا النوع من الكتب وان كان في الغالب على الطراز الادبي يعني غير علمية وبالخصوص غير طبية،فهي كانت طبيعية في تلك العصور بحيث لايتحرج العرب او المسلمون من ذكرها او لم يتورعوا حتى عن ذكر الاعضاء الجنسية بأسمائها وصفاتها،ولم يتهمهم احد بالفسق او الفجور لانها نابعة من علماء وادباء متخصصين في مختلف العلوم والاداب والتي يندرج من ضمنها الامور الجنسية التي هي احد ابرز المسائل الانسانية والتي يتناولها العلماء من مختلف الزوايا والوجوه.
وقد ذكر الناشر له اكثر من 10 كتب تدور حول الجنس ومشكلاته ونوادره،ومن ضمنهن هذا الكتاب الذي قد يصفه البعض انه ضمن الادب الماجن،الا انه اقرب الى المزاح والترويح عن النفس من الاثارة الرخيصة،وقد تجنب السيوطي ذكر الشذوذ رغم وجوده في عصره والتي اشار اليها.
الكتاب في غاية اللطف والجمال،خاصة في كونه على شكل مقامة للنساء،وهي عشرون مقامة بين الطويلة والقصيرة،والتي كتبها السيوطي على لسان عشرين عالما يتخصصون في مختلف العلوم والاداب،ولكن موضوعها واحد وهو حديث العالم المتخصص وبلغة علمه،وحسب ما شاهده وفعله ليلة الزفاف،مستخدما في الحديث مختلف المصطلحات التي يستخدمها عادة في علمه او تعابيره .
وطريقة الكتابة هي اسلوب المقامة،والتي يقص فيها قصصه على لسان راوية يخرج يعظ الناس ويدعوهم لغرض الزواج ويحببهم اليه،فأستجاب لندائه عشرون عالما يتخصصون في مختلف فنون الاداب والعلوم.
التزم السيوطي في كتابه النهج البديعي،من سجع وجناس وطباق الى توريات لطيفة،ويجملها في النهاية بأبيات شعرية،ولكن كل ذلك يحتاج الى هوامش وتعليقات كثيرة جدا بحيث توازي حجم المتن وقد تسبب ازعاج كبير للقارئ،نظرا لان غالبية الكلمات غير معروفة لاصحاب تلك العلوم او انتهى استخدامها في الوقت الحاضر،وخاصة تلك التي تحتاج الى معرفة عميقة بها مثل اسماء الكتب او رجالات كل علم او الاشارة الى آية قرأنية او حديث نبوي شريف.
للتوضيح اكثر حول الموضوع،ارى احيانا بعض النكت اللطيفة في وسائل الاعلام ومنها في الانترنت حول موضوع ما، ويستخدم في لغة الحوار كلمات تعبر عن حرفة ومكانة المتحدث،مثلا صاحب حرفة كالصيدلي بأستخدامه اسماء الادوية والعقاقير الطبية،او الرياضي بأسماء الالعاب او النجوم،والرياضي بأسماء رياضية مثل المعادلات والمثلثات والمجسمات،والطبيب وغيره،ولا يشترط هنا نوعية للموضوع وشكله وحجمه،المهم الوصف بأستخدام الكلمات والعبارات المشهورة عن كل صاحب حرفة او فكر في وصف دقائق ذلك الموضوع.
الكثير من الكلمات الجنسية المستخدمة تدخل في نطاق الفحش والفسق ولكن الظاهر في زمان السيوطي وماقبله ان لغة تلك الكلمات اكثر شيوعا واكثر تعبيرا وتهذبا من الوقت الحاضر وهذا دليل على تبدل استخدام المعاني بمرور الزمن رغم انها نفس الكلمات،او على الاقل تقبل المجتمع المحلي.
اول المتحدثين في المقامة الاولى كان المقرئ،وبالتالي استخدامه يكون اكثر للايات القرآنية واسماء التفاسير والمفسرين،من قبيل واستوينا على العرش وجلسنا على الفرش،او قوله:عزمت على رقيا محاسن وجهها.....بأيات انوار الضحى متهللا .
المتحدث الثاني كان المفسر للقرآن،وكانت بداية حديثه:لما كشفت الملائم،ولاحت لي المعالم،رأيت اوصافا تعجز وصفا،وتروق كشافا،ثم كشفت عن ذيلها،لابلغ ماارومه من نيلها...الى اخر حديثه الممتع،وهنا يقصد بالمعالم هو كناية عن كتاب البغوي المعروف بالفراء،وهو فقيه شافعي توفي 1122م واسم كتابه معالم التنزيل،وكلمة تعجز،وهي من الالفاظ التي يكثر البلاغيين والمفسرين من استعمالها لمشتقات فعل أعجز،واعجاز القران من الامور التي شغلتهم كثيرا،اما كلمة الكشاف فيقصد به تفسير الزمخشري المشهور بأسم الكشاف.
اما صاحب المقامة الثالث فهو المحدث،اي من اختص بعلم الحديث،والذي بدأ حديثه بقوله لما كشفت القناع،رق الحديث،وراق السماع،ورأيت منظرا ابهى من البدر السني،وحديثا احلى من الرطب الجني،فأنشدت قول من عنى:
من حاز مثلك لم تبرح جوارحه.....تروي احاديث ما اوليت من منن.
وهو نموذج لاستخدامه الكلمات والالفاظ الدالة على علمه وخاصة اسماء الموسوعات الحديثية الكبرى،واسماء مؤلفيها.
المتحدث الرابع كان الفقيه،وهو العالم بالاحكام الشرعية العملية من ادلتها التفصيلية،والذي بدأ حديثه بقوله لما فرغت الجلوة،وحصلت الخلوة،رأيت ما سرني،فقلت:نضت البراقع عن محاسن روضة.....ربضت بمحتفل الحيا انوارها،
الى اخرى حديثه المليء بالمصطلحات الفقهية واسماء كتبها ومؤلفيها،مع استخدام كثيف للمصطلحات الجنسية الفاضحة من مفردات اللغة العربية القديمة.
المتحدث الخامس كان الاصولي،وهو العالم المختص بعلم اصول الفقه الذي يشمل القواعد التي يتوصل بها الى الفقه،وكانت بداية حديثه:لما وقع النظر،طاب السهر،وحلا السمر،وراق ضوء القمر،ورأيت جمالا ليس في كماله نزاع،وحسنا انعقد على تمامه الاجماع،ووجها لمعته منيرة،وضياؤه ساطع كالشمس في الظهيرة،ثم كشفت الاستار،ورفعت الازار....الى اخر حديثه المشوق.
ومعنى كلماته السالفة هي النظر:البصر والتدبر،نزاع:جدال،الاجماع:هو اتفاق بين الاصوليين على حكم شرعي،لمعته:يقصد تورية بأسم كتاب في الاصول اسمه اللمع في اصول الفقه،لابي اسحاق الشيرازي الشافعي المتوفى 1083م،وكشف الاستار اسم لاكثر من كتاب احدها في التفسير لعلي البزدوي المتوفى 1089،بالاضافة الى قائمة طويلة من المصطلحات الاصولية او التي ترمز الى رموزها.
اما صاحب المقامة السادسة فهو الجدلي،اي صاحب الجدال والغرض منه الزام الخصم واقحام من هو قاصر عن ادراك مقدمات البرهان.
يبدأ حديثه الممتع بقوله:لما حصلت المسامرة،وجلت المناظرة،اذا خلق ارق من النسيم،ومنطق ابهج من الدر النظيم،فقلت:يادرة قرة العين،ويازين كل زين،اني اكره غصب نصب المستدل،وانفر من الاقدام على نقض الازار كالمستقل،واني ابدأ بالسؤال،ليكون منك الاستدلال،فبحق من امدك بالمعونة الا ابرزت الدرة المكنونة،الى اخر حديثه حسب منطق علمه وطريقة حواره به.
يقصد بالمسامرة:المحادثة ليلا،جلت:سمت،المناظرة:المشاهدة او الحوار بين طرفين،الدر النظيم:الجوهر المنظوم المنسق،والدر النظيم في احوال العلوم والتعليم هوكتاب لابن سينا،قرة العين:ما تسر به العين،الغصب:الاخذ قهرا،وفي آداب البحث(الجدل)هو منع مقدمة الدليل واقامة الدليل على نفيها قبل اقامة المعلل الدليل على ثبوتها لالزام اثبات الحكم للتنازع فيه.
المتحدث السابع هو اللغوي،اي المختص باللغة وعلومها،والذي بدأ حديثه بالقول:لما خلصنا من عباب بحة القاموس،وخلونا بالعروس،في ضياء الفانوس،رأيت طلعة أزهرية،وثغرا صحاح ثناياه جوهرية،وفطنة ألمعية،ومنطقا لايروي عن ابي زيد...الى اخر الحديث المحلى بالمفردات اللغوية القديمة.
يقصد بالعباب:معظم السيل وارتفاعه وكثرته،اللجة:معظم الماء،القاموس:البحر،والعباب هو كتاب للصغاني ت1252م يسمى معجم العباب،اما القاموس فهو اشهر المعاجم العربية واسمه القاموس المحيط للفيروزآبادي المتوفي 1414م،اما ازهرية:يعني منيرة ومشرقة وهي تورية بأسم احد ائمة اللغة الازهري المتوفي 984م،اما الثنايا فهي الاسنان الاربع التي في مقدمة الفم،وقد وارى بأسم الصحاح في اللغة للجوهري المتوفي 1003م،اما الفطنة:فهي الحذق والمهارة،والالمعي المتوقد الفراسة،اما المقصود ابي زيد فهو سعيد بن اوس ت 831م.
ويستمر السيوطي على نفس النمط والصيغة في البقية وهم:النحوي وصاحب التصريف وصاحب المعاني وصاحب البيان وصاحب البديع وصاحب العروض والكاتب وصاحب الحساب اي الرياضيات وصاحب الهيئة اي علم الفلك وصاحب الميقات اي صاحب العلم بالمواقيت يعني الازمان،والطبيب وصاحب المنطق والصوفي والذي اختم العرض به حيث قال:نحن وان كنا أهل كشف،والوقوف على كل وصف،فأنا مأمور بالسكوت،ولزوم البيوت،وارخاء الازار،وعدم كشف الاسرار،غير ان لنا رموزا واشارات،هي مفاتح الكنوز،انه لما حصل التجلي والكشف،رأيت محاسنا تجل عن الوصف،فطاب المقام وراق المدام وكشف اللثام،ووقع الالتزام وأنتجت المودة،وصرنا شيئا واحدا من غير حلول ولا حدة...الى اخر الحديث.
ونأتي الى تفسير الكلمات بالبدء في معنى الصوفي:وهو الذي يتبع طريق التصوف،وهي طريقة سلوكية قوامها التقشف والتخلي عن الرذائل،والتحلي بالفضائل،لتزكو النفس وتسمو الروح والوصول الى اعلى المراتب في الفناء.
الكشف:هو رفع الحجاب وفي اصطلاح الصوفيين الاطلاع على ماوراء الحجاب من المعاني الغيبية والامور الحقيقية وجودا وشهودا.
الوقوف:يعني التعرف،عبارة عما دل الذات بأعتبار معنى هو المقصود من جوهر الحروف،ارخاء الازار:كناية عن الستر والتعفف.
السر:عند الصوفية بعد القلب وقبل الروح،وقد اختلفوا في تعريفه وتحديده،وهناك اسرار كثيرة:كسر العلم،وسر الحال،وسر الحقيقة وسر التجليات.
الرموز والاشارات:علامات واشياء غامضة وأيماءات وأيحاءات لايعرفها الا الصوفي.
الكنز:عند الصوفية هو الهوية الاحدية المكنونة في الغيب وهو باطن كل شيء.
التجلي:عند الصوفية ما ينكشف للقلوب من انوار الغيوب.
المدام:يعني الخمرة ويقصد بها الخمرة الالهية.
اللثام مايغطي الفم،والالتزام يعني الاعتناق،والمودة يعني المحبة وهي من مراتب الحب والوجد عند الصوفية.
الحلول:هو اختصاص شيء بشيء بحيث تكون الاشارة الى احدهما عين الاشارة للاخر،والحلولية احد مذاهب الصوفية،وامامها الحلاج المتوفى 922م.
الحدة:يعني الفصل بينك وبين مولاك،كتعبدك في المكان والزمان.
تبقى الكتب التراثية مرجعا هاما لاغلب المعارف المتعارف عليها،وهنا يكون الاعتماد على الانسانيات اكثر لان العلوم الطبيعية والمتفرعة منها اصبحت من التطور بحيث لاتحتاج الى الكتب القديمة الا نادرا.
تبقى هنا الاشارة الى ان العالم العربي هو اكثر الامم تخلفا في الوقت الحاضر في طباعة التراث الموجود في الخزائن والرفوف،بمعنى ان غالبية التراث المكتوب والموجود هو في الحقيقة غير مطبوع للقراء،بل ان المطبوع هو يسير جدا والكثير من طبعات الكتب التراثية هي تجارية بمعنى انها غير محققة او غير مطبوعة بأناقة،وتوجد الكثير من الكنوز المطمورة التي تنتظر انتشالها من الكهوف المجهولة الى عالمنا الذي يعيش تحت الشمس حتى يمكن ان ينتفع بعلومها الجميع او على الاقل ان لانجعل جهود مؤلفيها تذهب سدى....

2009/03/27

اسطورة التغيير الفوقي - القسم الخامس عشر

الامثلة المنتخبة:
هذه بعض الامثلة التي تم انتخابها وهي نماذج مثالية حية لاسطورة التغيير الفوقي التي وقعت خلال تاريخها السياسي الحديث.وعلينا التذكر دوما انه:
كلما يمر علينا يوما من الديكتاتورية فهو خسارة لاتعوض لحاضرنا ومستقبلنا والتقهقر الى ماضينا المخزي الاليم.
1-البحرين:
وهو البلد الذي تم اختياره كنموذج مثالي للحديث عن اسطورة التغيير الفوقي،في بداية مقدمة البحث،وهو مناسب للاستدلال والمقارنة.
البحرين هو بلد صغير جدا وسكانه لايتجاوزون800 الف نسمة يشكل المواطنون نسبة 51%، ولكن تاريخه عريق وتسكن ارضه مختلف الاعراق والاقوام ولكن يغلب عليهم العرب الشيعة الذين تتجاوز نسبتهم 75% الان بعد ان كانوا اكثر من ذلك بسبب الهجرة من الخارج وبتشجيع السلطات الحاكمة التي تنتسب الى الاقلية السنية،بغية تخفيض تلك النسبة حتى يتسنى لها السيطرة على فئات المجتمع البحريني والعمل على خلق توازن من خلال طبقات موالية له تقف ضد الاغلبية المضطهدة.
يحكم البحرين الان اسرة آل خليفة وهم من اصول نجدية،استولوا على حكم البلاد منذ عام 1783،وكانت قبل ذلك تحت السيطرة الفارسية الى ان احتلتها بريطانيا.
خلال قرنين من حكم تلك الاسرة،انشغلت البلاد بالحروب الاقليمية التي يغلب عليها الطابع العشائري من خلال الغزوات التي تقوم بها القبائل فيما بينها،بالاضافة الى حكمها الداخلي المستبد والقائم على حكم الاسرة الواحدة ذات الطابع القبلي،ولذلك لم يخلو تاريخ البلاد من الثورات والقلاقل المستمرة.
بعد استقلال البلاد من بريطانيا عام 1971 لم يختلف طريقة حكم تلك الامارة الصغيرة عن السابق،فليس من السهولة تغيير تقاليد وعادات واعراف يغلب عليها الطابع البدوي والعادات الشرقية في الحكم خلال سنوات قليلة ولذلك جاءت الامال مخيبة للجميع،لان الاستفتاء الذي اجري عام 1970 حول استقلالها او الانضمام الى ايران،والذي كانت تحوم حوله الشبهات الكثيرة حول نزاهته،جاءت نتيجته هي الرغبة في الاستقلال خاصة بعد وعود طرحتها الاسرة الحاكمة حول سن دستور جديد للبلاد يؤدي بدوره الى تشكيل نظام برلماني جديد وحكومة تستند على حكم الشعب لنفسه والمساهمة في بناء الوطن،وبالطبع ان ذلك خرافة كما بينا ذلك من البحث الطويل،حيث انه من الصعب بل من شبه المستحيل على طبقة حاكمة لفترة طويلة من الزمن،جاءت الى الحكم بحد السيف والقوة ولديها تاريخ طويل في القمع الداخلي والحروب الخارجية لاجل البقاء في السلطة،تقوم من تلقاء نفسها بالتنازل على كل او جزء كبير من سلطاتها لشعب يختلف عنها في تركيبته القبلية والمذهبية!.
ولذلك فأن الانتخابات التي اجريت عام 1973 والتي انتجت دستورا وبرلمانا رغم انه كان غير متكامل،الا انه يحمل بذرة الديمقراطية الحقيقية والتي اجهضت من خلال حل البرلمان وتعليق العمل بالدستور والعمل بقوانين الطوارئ في ردة حقيقة كانت متوقعة من النظام الحاكم الذي استند في قراراته العبثية الى اعذار مضحكة وسخيفة بغية السيطرة الكاملة على الحكم وحرمان كل مشاركة شعبية فيه.
وماذا كانت النتيجة؟!...تخلف سياسي واقتصادي واجتماعي،وسيطرة نخبة قبلية حاكمة مدعومة ببعض الاسر الموالية،مع قمع وارهاب لكل من يدعو الى التغيير.
وكان على رأس اجهزة الدولة الامنية الارهابية ضباط بريطانيون مع دعم كامل من السعودية بغية المحافظة على حكم الاقلية الذي يحتاج على الدوام الى دعم خارجي كبير لكبح جماح الاغلبية المقهورة.
من الدعاوى الفارغة لحل البرلمان انه يؤخر عمل الحكومة ولا يجعل قوانينها تسير بيسر لان البلاد في حاجة الى نمو سريع في كافة المجالات وخاصة الاقتصادية!...لا يحتاج تعليق على هذا الكلام الفارغ والخالي من كل قيمة او صحة والا لحاول الغرب ان يعمل به قبل النظام البحريني لحاجته الماسة الى التطوير السريع،ولكن يعلم الغرب قبل غيره ان التنازل عن الديمقراطية هو بمثابة الانتحار والرجوع الى عهود الديكتاتورية والتخلف!ولذلك جاءت النتيجة متوقعة كما نراها اليوم هي تطور الغرب وتأخر العرب الذي يطبق تلك النظريات الفارغة والتافهة...
حاولت البحرين ان تصبح مركزا ماليا واقتصاديا في الخليج،والادهى من ذلك ان دول الخليج الاخرى قبلت بذلك الدور نظرا لمحدودية الموارد النفطية للبحرين والتي يصل حجمها الى حجم بئر نفطي في العراق او السعودية!،ولكن الفساد والقمع الداخلي والاضطرابات المستمرة والخلافات الحدودية مع قطر،اثرت بشكل كبير مما جعل بقية الامارات الاخرى في الخليج تعيد النظر وتحاول العمل جاهدة لنقل كل مصادر الاستثمار والاعمال الى اراضيها،وبرزت من جراء ذلك دبي وقطر وتأخرت البحرين كثيرا،هذا بالاضافة الى مشاكل التجنيس المستمرة والتي تقوم بها الحكومة وفق برنامج استيطاني خبيث للتقليل من نسبة الاغلبية الشيعية في البلاد. كل ذلك ومشاكل اخرى كثيرة ادت الى حدوث ثورة 1994 والتي سقط فيها عدد كبير من الشهداء وادت الى اعتقال رموز العمل الديني والسياسي وانتهاك كرامتهم الشخصية وحقوقهم المدنية بشكل سافر ومشين.
وبعد وفاة امير البحرين الشيخ عيسى في مارس(آذار)1999م،تولى الحكم بعده ابنه حمد الذي كان وليا للعهد فترة طويلة،وبعد مرور فترة عام ونيف،بدأ بالدعوة الى انتشال البلاد من حالتها الراكدة من خلال دعوته الى بناء بلد يحكمه دستور يحترم الجميع ويؤسس الى ديمقراطية برلمانية...
وكما توقعت فشل ذلك من البداية والتي خالفني في ذلك عدد من البحارنة ذوي النية الحسنة والذين ايدوا مع غالبية البحارنة الميثاق الوطني الذي يدعو اليه الامير كونهم تواقون للتغيير،وكانت النتيجة المتوقعة هي ان الغالبية العظمى مؤيدة للتغيير وقبلت بالميثاق الذي ولد ميتا كونه ناتجا من طبقة جديدة تنتسب الى السلطة الحاكمة منذ فترة طويلة لم يتغير سوى جلدها وايضا لفترة قصيرة!.
من الخطأ الاعتقاد ان مجرد وفاة امير وحلول ابنه خلفا له ان يكون هنالك تغييرا حقيقيا في البلد بمجرد الدعوة اليه،فالامير الجديد هو ولي العهد السابق فترة طويلة وبالتالي هو مشترك في الحكم الاستبدادي المقيت وتثبيت اركانه هذا بالاضافة الى دراسته في الغرب لم تنفعه في تغيير سلوكه والتي اكدنا عليها من خلال البحث في ان ابناء واعوان مسؤولي السلطة لن تؤثر في سلوكياتهم كثيرا الدراسة والعيش في دول تحكمه نظم ديمقراطية،فهم في حالة رجوعهم الى بلادهم لن يطبقوا سوى ما ينفع تثبيت حكمهم الاستبدادي من خلال افكار ورؤى جديدة،اما الافكار والاراء التي تدعو الى الحرية والديمقراطية فتلك مرفوضة جملة وتفصيلا لانها خطرا كبيرا على الحكم،بينما في الحقيقة ان الحكم لن يدوم سوى بالعدل وليس بالظلم والطغيان!.
كذلك ان الرجل الثاني في الدولة وهو عم الامير الجديد،الشيخ خليفة وكان شريكا بارزا لاخيه الراحل في الحكم،كان له دور كبير في قمع كافة الاضطرابات بقسوة،وهو باق في منصبه،فمن اين يأتي التغيير اذا كان الاشخاص الحاكمون باقون او حتى لم يعاقب مسؤولي القمع الوحشي!! فالتغيير لن يأتي من خلال وفاة شخص واحد وحلول شخص جديد مكانه...
ولذلك فأن النتيجة الحتمية للتغيير الحقيقي اذا حدثت فسوف يكون صعود كافة الاتجاهات السياسية المعارضة للحكم وبالتالي هو خطر على صلاحية وحكم الاقلية التي تقودها اسرة آل خليفة.
ونتائج التغيير الشكلي كانت هي تغيير اسم الدولة من امارة الى مملكة!وكأن ذلك يحل مشاكل دول وشعوب تعاني من ازمات عميقة رغم ان الامارة اقرب للصحة كونها صغيرة جدا وقريبة لبقية الامارات الاخرى في الخليج...والاعمال السابقة للحكومة مثل التجنيس للغرباء بقيت على حالها رغم الاحتجاجات المستمرة عليه،كذلك فأن اطلاق سراح المعتقلين السياسيين لم يكن سوى واجهة اعلامية للدعاية الحكومية،فلم يجري الاعتذار لهم او تعويضهم وتحقيق رغباتهم بل وبقيت الاقامة الجبرية على عددا منهم،كما ان احد ابرز قادة المعارضة وهو الشيخ الجمري الذي رحل اواخر 2006م،لم اقرأ في وسائل اعلام النظام وخاصة وكالة الانباء او صحفه الرئيسية مجرد خبر رحيله في يوم وفاته! بينما قرأت الخبر في وكالات الانباء الاخرى وغالبية المواقع الاخبارية في الانترنت مما يدل على ان ذلك النظام بطبيعته الديكتاتورية وتركيبته الاسرية لم ولن يتغير نحو الافضل،فرحيل احد ابرز الرموز الدينية والسياسية وبما يمثله الشيخ الجمري من ثقل كبير وواضح كان الاجدر بالنظام من خلال وسائل اعلامه التي احتفت قبلها بمايكل جاكسون،ان تراعي مشاعر الشعب و تترفع عن الخلافات السياسية الجانبية وان تنشر خبر رحيله الذي تناقلته وكالات الانباء الاجنبية او اعادة الاعتبار اليه وهو ميت!،ولكن للحقد الاعمى والطبيعة الاستبدادية المستديمة دور كبير في تسيير امور تلك الامارة الصغيرة التي تحولت الى مملكةّ!...
بعد اقرار الميثاق الوطني المزعوم في عام 2001 لم يتأخر النظام في اصدار دستور على مقاييسه بالطبع عام 2002،فمنح الملك صلاحيات واسعة وكذلك الحكومة التي يشرف عليها ابناء الاسرة الحاكمة ويشكلون الاغلبية فيها،وكذلك
جاءت عملية التلاعب بمواد الدستور وطريقة الانتخابات لتكمل ما اراده النظام في حدوث تغيير شكلي يمحو الصورة السيئة للنظام امام العالم الخارجي،فقد خالف ما اراده ابناء الشعب في انتخاب مايرونه مناسبا،من خلال تأسيس مجلسين احدهما منتخب والاخر معين من قبل الملك!يقتسم السلطة مع المجلس المنتخب ويحد من صلاحياته التي هي بالاساس محدودة،فتصور اي مدى ممكن ان تنجح ديمقراطية بهذا الشكل المشوه والمفضوح،وكما هو معروف فأن المجلس المعين يضم اعوان النظام الرئيسيين الذي لاينبغي تركهم بدون عمل يخدم النظام!.
المجلس الاول الذي تمت مقاطعته من قبل بعض التيارات السياسية الرئيسية في الدورات المختلفة،هو ايضا غير معبر عن الصورة الواقعية للحالة الديمغرافية في البحرين،فالطبيعي في دول العالم الحر،هنالك مراعاة لحجم السكان لدى كل دائرة انتخابية بحيث تكون جميع المناطق متساوية في هذا الحق الطبيعي والمشروع،ولكن الحالة في البحرين كما هي في بلاد العالم الثالث الاخرى،غير طبيعية!لان الطبيعي هي الديكتاتورية وديمومتها!! اما ان تكون هنالك مساواة بجانب الحرية فتلك قيم بعيدة عن مجتمعاتنا كما تدعي وسائل اعلامنا الغير محترمة!...فالدوائر في البحرين وتقسيماتها جاءت بشكل مفضوح لممارسات النظام الحاكم،فبعض الدوائر والتي تضم مناطق شعبية تعارض النظام او لاتمثل توجهاته المذهبية والفكرية تضم احيانا اكثر من 12 الف ناخب للعضو الواحد بينما هنالك دوائر اخرى تضم فقط 500 ناخب للعضو الواحد الذي لايحتاج الى تأكيد بشأن انتمائه الى المنظومة الحاكمة المذهبية والفكرية،وبالتالي هي احدى الوسائل الهامة لترشيح اعضاء يشكلون نسبة لابأس بها للوقوف بكل وقاحة امام الاغلبية المضطهدة التي تصورت بحسن نية ان نظام الاسرة الحاكمة في البحرين محتمل ان يتغير بصورة جذرية!...
وبالرغم من ان صلاحيات المجلس المنتخب محدودة الا ان دوره شبه مشلول في مراقبة الاسرة الحاكمة واجهزتها المختلفة وخاصة القمعية،بل حتى لايستطيع مجرد الضغط على الحكومة لتخفيف اجراءاتها القمعية بحق المتظاهرين!فكيف في ادارة شؤون البلاد الداخلية والخارجية،وبالتالي فأن النتيجة المتوقعة لذلك التغيير الفوقي الوهمي هو البقاء في مربع الديكتاتورية المحسن .
ويمكن الاشارة بصورة سريعة الى ان النظام مستمر في عملية التجنيس السياسي ذات الطابع المذهبي وبصورة تدعو الى الشك والريبة في كل اعمال النظام الاخرى التي يدعي فيها صدق النية،فالتجنيس شمل اناس من القارة الهندية والهاربين البعثيين من العراق او بقية العرب الاخرين ولكن الجامع المشترك بينهم هو القالب المذهبي والرغبة في خدمة مثل هكذا نظام يعادي شعبه ويتلاعب بمصيره بشكل سافر مع منحهم كل المنح المادية والمعنوية التي لايجدونها في بلادهم الاخرى! وخاصة في مجال العمل ضمن الاجهزة الامنية رغم ان بعضهم لا يجيد التحدث باللغة العربية جيدا وهذا نتيجة لسياسة التمييز الطائفي وعدم الثقة المتبادلة بين الاسرة الحاكمة واتباعها من جهة وبين غالبية افراد الشعب،وقد ادانت عدد كبير من منظمات حقوق الانسان ذلك بما فيها تقارير حليف البحرين الرئيسي،امريكا من خلال وزارة الخارجية وتقاريرها السنوية التي تشمل البلدان المنتهكة لحقوق الانسان في العالم،والتي من ابرزها الحريات المقيدة وعدم فصل السلطات الثلاث والقيود المفروضة على الحريات المدنية ومنها الصحافة وتأسيس الاحزاب والجمعيات بل وصل الامر لحد اغلاق ومراقبة المواقع الالكترونية والاستخدام المفرط للقوة مع انتشار الفساد وعدم مقدرة الجهاز القضائي لمحاربته كونه غير مستقل وامور اخرى كثيرة تحدث في هذا البلد كما تحدث في بقية بلدان العالم العربي.
في النهاية تكون نتيجة التغيير الفوقي في هذا البلد اسطورية لاينبغي التعويل عليها حتى في المستقبل البعيد،وسوف تبقى حالة الشك والريبة بين الشعب والاسرة الحاكمة مستمرة وكذلك حالة عدم الاستقرار الا اذا حصل تغيير داخلي راديكالي من القاعدة الشعبية او تغيير من الخارج لاتستطيع معه حليفة الاسرة الرئيسية،السعودية فعل شيء رادع له،وبالتالي فأن الاستمرار في المعارضة بمختلف اتجاهاتها هي الوسيلة الوحيدة لمنع كافة توجهات الحكومة التسلطية على اقل تقديراو تليغها من الاساس على ابعد تقدير اذا كانوا محظوظين...

من اسفار المكتبة

من اسفار المكتبة:
الكثير من الكتب المؤلفة والمصنفة في التاريخ الاسلامي هي غير نقدية او هي تنقل الوقائع والاحداث بصورة غير صحيحة وتخالف العقل والمنطق بل وتخالف حتى اوراق كتاب المؤلف نفسه! بالاضافة الى سهولة تأليفها او تجميعها،ولذلك يكون نادرا الوصول الى تأليف كتب نقدية وتحليلية للتاريخ كونها بالاضافة الى الجهد الاضافي العقلي والنقلي المبذول فيها،فأن مجاهدة النفس للخروج من مستنقع التقليد الوراثي الى تقليد العقل والمنطق والسير خلفهما اينما ذهبا هو خروج في بعض الاحيان على المحيط الديني والاجتماعي وبالتالي سوف ينشأ منها مخالفة عنيدة تسبب مصاعب جمة لكل من يحمل افكار وآراء تخالف ما هو موجود من سيرة تاريخية ثابتة يرفض المتزمتون الخوض فيها وكأنها نصوص مقدسة!...
ومن الكتب الاخيرة التي اطلعت عليها والتي يخالف المؤلف فيها المدرسة الفكرية التي تخرج منها او التي ينتمي اليها،هو كتاب: الا..أمير المؤمنين علي بن ابي طالب تأليف،خليل عبد الكريم(1930-2002) وهو شيخ ازهري سابق،انتمى لجماعة الاخوان المسلمين وتعرض للسجن والتعذيب،ثم تحول الى الفكر اليساري وانضم الى احد الاحزاب اليسارية الصغيرة في مصر...بدأت شهرة الشيخ خليل وهو محامي ايضا،بعد عام 1990 واصدر حوالي 13 كتاب اثارت ضجة قوية في المجتمع العلمي نظرا لما تحتويه على جرأة قوية في عرض الاراء التاريخية التي تخالف المجتمع المعرفي في الوسط الديني في مصر والعالم العربي ولذلك اتهم من قبل مخالفيه بمختلف التهم التحريضية...
الكتاب يتألف من 174 صفحة من القطع المتوسط وطبعة 2006 في بيروت ونوعية الورق خشن اقرب لورق الجرائد...
هو كتاب تحليلي ونقدي للكثير من النصوص التاريخية التي تتناول حياة وسيرة بعض الصحابة وموقفهم من الامام علي (ع) وخاصة في بيعته وحروبه المتتالية ضد المارقين والناكثين...
الكتاب يعرض لسيرة بعض الصحابة والمارقين من الطلقاء في طريقة نقدية وتحليلية لاتخلو من اثارة وتمتاز بالدقة العلمية والعرض الشيق الموازي له،وفي نهاية كل فصل او مقطع يكتب نتيجة يتوصل الكاتب،يعرضها وبمنتهى الصراحة الشديدة التي تكسر حاجر الكثير من المقدسات التاريخية والتي تمتاز بالسخرية احيانا من هؤلاء الذين يتم تقديسهم دون ادنى اعتبار لاعمالهم التي تخالف الدين والعقل او حتى الذين يتبعونهم بدون ادنى حرية في الاختيار...
يبدأ كتابه بنقد لاذع لمحقق كتابي سيرة ابن هشام وابن اسحاق،حيث عارض محقق الكتابين ان يكون ابو طالب هو حامي الرسول الاعظم(ص)،وجاء بعد ذلك رده المنطقي المستند على اساس عقلية ومنطقية تدل على ان للكاتب باع طويل في مجال الدراسات التاريخية...
ثم بعد ذلك يحلل سيرة الثلاث المناوئ للامام علي(ع) في حرب الجمل والتي يصدر فيهم احكاما قاسية في الادانة على ما اقترفوه سواء في تلك الفتنة او قبلها...
من بين البحوث القيمة التي تناولها الكاتب هي حول ايهما اصح تسمية المصحف الامام ام مصحف عثمان،ومن خلال تحليله يتوصل الى نتيجة هي مصحف الامام اصح من التسمية السائدة حاليا لابل يسخر وبشدة من قبل الباحثين المخضرمين الذين يتمسكون بتلك التسمية التي اطلقها خلفاء بني امية انفسهم...
ينهي الكتاب ببعض الملاحق التاريخية حول النص المؤسس وتاريخيته في آراء و مواقف حول المجتمع القبلي المحيط وخاصة مجتمع المدينة...
قد يخالف البعض المؤلف فيما توصل اليه من افكار وآراء جاهر بها كثيرا،الا ان كتابه هو جدير بالقراءة والاقتناء ...بل قد يعجب كل باحث عن الحقيقة خاصة في معارضته للكثير من المسلمات التي اثبت التاريخ والعقل خرافتها وعدم صحتها.
احتج المؤلف على الكثير من القضايا والتي يعيب بعضنا على اليهود فيها من خلال
اقامة الحد على الفقير والمسكين وترك الشريف القوي اذا عمل نفس الخطأ لابل يكرم في كثير من الاحيان!ومن ابرز ما ذكره هو حادثة زنا المغيرة بن شعبة والتي رأه فيها اربعة شهود،ثلاثة منهم اصر على شهادته والرابع تمت رشوته او اخافته وهو زياد بن ابيه!فتراجع عن شهادته وكرم بعد ذلك مثل الزاني اما الشهود الثلاثة فتمت معاقبتهم بشدة ومن قبل الخليفة الثاني!..كذلك يطرح قضايا هامة ولكن بصورة مختصرة من قبيل التفاسير الحديثة التي ألفها الكثير من المفسرون والتي هي توضيحات وشروحات على القديمة والتي يخضع مؤلفوها للبيئة والزمن المكتوب والتي من خلالها نرى آثارها عليه...وكذلك يطرح لفته لطيفة حول مدونة المذهب المالكي التي املاها احد طلابه على فقيه آخر ثم نقلها الى افريقيا ومن بعدها جاءت كل الشروحات والتفسيرات والتعليقات،واصبحت مثل المرجعية التي لاتقبل النقاش والجدل،بحيث وصفها انها محتمل ان تكون مالكية مبتدعة لان البعدين الزماني والمكاني عن صاحب المذهب المقيم في الحجاز لهما اثر كبير في البناء الفكري والعقائدي للمذهب.
ينصح المؤلف المفسرون الاخرون وهي يمكن تعميمها الى بقية المؤلفين الاخرين،في ضرورة ان لايجهل احد ان المفسرون السابقون هم عاشوا في بيئة تختلف عن بيئتنا وفي زمن يختلف عن زماننا،وتسلح بثقافة تختلف عن ثقافتنا،وتزود بمعارف غير معارفنا،بل لا وجه للمقارنة بيننا وبين السلف الصالح،وكما قيل ان الانسان هو ابن عصره....
والتحذير هنا من تصديق الخرافات وخاصة الاسرائيليات التي دخلت التفاسير المختلفة،وهي الطبع بالعشرات ولكن المؤلف ذكر مثالا عليها،ولكنه يشدد على ضرورة الا يكون المحقق وخاصة حملة الشهادات العلمية العليا ان يكون متفرجين في نقلهم دون ان يحققوا ما ينقلونه وهو ذكر عدة امثلة في الكتاب.
يخلص الكاتب الى ان:الكسل العقلي والاسترخاء الفكري والبلادة الذهنية هي متوافقة تماما مع حالة التردي الراهنة التي تضرب الشعوب الاسلامية،فباستقراء تاريخ الفكر الاسلامي نتوصل الى حقيقة ان في عصور الانحطاط يختفي او يكاد الابداع والاختراع والابتكار ويشيع فيه التكرار والاجترار والاتباع.
ينهي الؤلف كتابه بعد ذكره نموذج من المرويات في التفاسير،ويعلق بسخرية لماذا ايها المسلم تشغل فكرك وعقلك وكله مذكور في القرآن من علوم واختراعات وهو يقصد بذلك الكثير من الباحثين الذين ينسبون للقرآن الكريم كل الاختراعات والعلوم ونسوا انه كتاب هداية ومواعظ واخلاق بالاضافة الى ذكره الكثير من المعجزات العلمية وغير العلمية...ويقرر في النهاية ان الانظمة الحاكمة الفاقدة للشرعية هي تتنافس للمراهنة على الدين لغرض الحصول على الشرعية المفقودة،بينما يستغل الوعاظ المهيجون ذلك لغرض الوثوب على السلطة....
كتاب فيه الكثير من الفوائد المعرفية وبصورة مختصرة تصلح قرائته بعقل منفتح لايخضع بسهولة للخزعبلات ومتحرر من المحيط الذي يفرض عليه قيما تخالف العقل والمنطق وتدعوه الى الاتباع والانقياد مثل ملايين العامة من البشر.

2009/03/21

لا حدود للانحطاط البشري

لاحدود للانحطاط البشري:
واخيرا اسدل الستار على قضية المجرم النمساوي الذي احتجز ابنته في قبو تحت الارض لمدة 24 عاما(1984-2008)والتي اكتشفت بطريق الصدفة،وكانت نتيجة تلك الجريمة سبعة اطفال احدهم توفي وهو رضيع،بالاضافة الى الاف المرات من الاغتصاب والرعب وسلب الحرية والكرامة الانسانية!...
ونتيجة العقوبة معروفة،هي السجن مدى الحياة،وهذا يعني بضع سنوات من عمره في السجن نظرا لكبر سنه(74سنة)،حيث لاوجود لعقوبة اكثر من ذلك في النمسا.
يوم بعد آخر يثبت لنا الانسان انه قادر على انحطاط لاحدود له...بل يبدع في اجرامه بحيث يعجز الانسان السوي ان يتوقع حدوث تلك الجرائم الوحشية من انسان آخر لايختلف عنه في شيء سوى ان تفكيره يختلف عنه!...
لاتقف امام الانسان اي حدود امام اجرامه...فلا دين ولا انسانية ولارحمة ولا ضمير،بل ولا حتى مجرد اشمئزاز من عمل تلك الجرائم التي تستحق البشرية عليها اقصى العقوبات الالهية...ويخطأ من يظن ان الظالمين بمختلف طبقاتهم واعمارهم هم اقلية في العالم...بل ان الظلم حقيقة هو من شيمة النفس البشرية...وجل من لا يظلم حتى لو كان مجرد اساءة للغير!...
تترفع احط المخلوقات عن افعال البشر المشينة والتي لاحدود لها...نكتشف المزيد منها كل يوم وبطريقة تدل على عظيم العقل البشري وما يحتوية من قدرات خلاقة ولكن مع الاسف الشديد لانتاج الجرائم بطريقة في منتهى الوحشية والهمجية وتدل على انحطاط بشري لاحدود له يستحق معه اقصى انتقام الهي سواء عاجلا ام آجلا...
من حسن حظ النمسا ان هذا المجرم الوحشي لايحكمها...وحتى لو حكمها فأن حكمه يكون محدودا نظرا لتجذر التقاليد الديمقراطية فيه...ولكن شعوبنا في العالم الثالث نكبت بمجرمين على نفس شاكلة هذا المجرم وبسلطات لاحدود لها!،وكانت النتيجة ملايين عديدة من الضحايا....
اذكر في ثورة 1991 في العراق عندما تحررت معظم مناطق البلاد من قبضة النظام الوحشية لمدة بضع اسابيع،فخرجت من السجون المرعبة اعداد كبيرة من البشر،وكان بعضهم محجوز منذ عهد سلف صدام،وهو المقبور البكر بحيث هتفوا ضده دون ان يعلموا انه رحل منذ سنين طويلة...وكان من بين المطلق سراحهم نساء كانت حالتهن اكثر مأساوية من الفتاة النمساوية بكثير،حيث كان يتم اغتصابهم في السجون بواسطة رجال امن النظام المجرمين،وكانت نتيجة ذلك ولادة عدد كبير من الاطفال المجهولي الاب في السجون!...وبالتأكيد ان عدد كبير من هؤلاء المجرمين مازالوا يعيشون في داخل البلاد وخارجها دون ان تجري حتى محاكمات لهم! مما يجعل خذلان العدالة والحق من نصيب من حكموا بعد ذلك دون ان يهتموا لتلك القضايا المهمة التي تردع المجرمين في المستقبل...
العدالة الارضية والعدالة السماوية:
لم يبقى لنا سوى العدالة السماوية والتي هي قادرة على انزال اشد العقوبات على الظالمين في العالم الاخر...اما عالمنا الارضي فعليه السلام!...
مهما كانت العقوبات فأنها لا تكون بحجم الجريمة المرتكبة!...هذا اذا كنا محظوظين وتمت محاكمة المجرم في حياته...انظر للمجرم النمساوي الذي سوف يقضي عقوبته في سجن يكون افضل من غالبية البيوت في العالم الثالث!وبالتالي لانرجوا سواء الانتقام الالهي في الاخرة على جرائمه البشعة بحق ابنته واطفالها...
اما بالنسبة للمجرمين الذين حكموا بلاد بأكملها بسلطات غير محدود ومارسوا خلالها ساديتهم البشعة،فأن محاكمتهم لن تطفئ غضب ضحية واحدة فكيف بملايين الضحايا...انظر لمن تمت محاكمتهم على جزء من جرائهم البشعة وابسط مثال صدام في العراق وبول بوت في كمبوديا الذي اباد ثلث شعبه خلال ثلاث اعوام فقط!...لم تكن محاكمتهم او عقوبتهم بمقدار واحدة من جرائمهم البشعة...مما يدل ان العدالة الارضية مهما كانت قوية فلن تستطيع ان تحقق رغبة الضحايا...بل حتى لا تستطيع ان تمنع من حدوث جرائم اخرى في المستقبل ...اما في حالة رحيل المجرم عن الحياة قبل ان يعاقب على فعلته فهي الغالبة!..ولذلك املنا الوحيد في العدالة السماوية في الاخرة وهي الوحيدة القادرة على تحقيق كل احلامنا في الانتقام وبنفس حجم الجريمة من الفاعل...
عالمنا المعاصر مليء بقصص واقعية عن ابشع الجرائم ولكن اشدها قسوة هي المقننة والتي يرتكبها ازلام النظام وبغطاء قانوني دون ان تتم محاسبتهم...
العدالة السماوية لن تكون مخففة او يستطيع المجرمون ان يستغلوا الاعلام وسذاجة المحكمة او غفلتها،بل انها بالمرصاد لكل من تسول نفسه ظلم اخيه الانسان وخيانة الامانة الالهية في عمران الارض ونشر العدل والحرية فيها....

2009/03/15

اسطورة التغيير الفوقي -القسم الرابع عشر

التغيير من الداخل هو امل الجميع ولكن لايكون التغيير حقيقيا اذا كان يتزعمه قاتل او لص او فاسد،فهؤلاء لايرجى منهم ادنى فائدة ومن اصلاحهم شيء،وانما من كل لديه قدرة على الابداع والتغيير ولكن مع شروط النزاهة والتاريخ المستقيم والعيش خارج الاوساط الملوثة التي قد تلوث الانسان بصورة خارج ارادته مما يجعل من الصعب عليه الخروج من تلك الدائرة القاتلة والمميتة.
العالم يتطور بسرعة كبيرة في ظل التطور العلمي الهائل وخاصة في مجال الاتصالات،والبلاد التي تعيش في داخل انظمة مستبدة هي خارج ذلك العالم وخارج التطور،ولذلك وجب عليها الخروج من ذلك الكهف المظلم حتى لو كلفها الكثير في سبيل رفعتها،ولا يتم ذلك الا بالتغيير الجذري الشامل الذي لا يعطي حلول وقتية تزول بمجرد انتهاء وقتها،بل في حلول دائمية من خلال فرض القانون والديمقراطية واحترام الحرية الفردية والتي تؤدي بالضرورة القصوى الى حلول طبقات قيادية للمجتمع تكون مهمتها خدمة المجتمع،لا ان تجعل المجتمع يخدمها،وهذا لايتم الا بأزالة كل المعوقات الخطيرة التي تمنع حصول ذلك،وهو ينتج من الاطراف المتضررة،والتي كانت قابعة في قمة المجتمع والتي بدلا من ان تكون صورته الجميلة،نراها تكون الصورة القبيحة للشعب والتي تفعل اقبح الاعمال وتنسبها بالتالي لغيرها حتى يكون لها الديمومة في بقائها واستمراريتها.
احيانا يحتاج تغيير الشرائح الفوقية الى عنف وقسوة،ولكن يمكن التخلص من اخطاء التغيير في فرض الامن والقانون على الجميع مما يبعد العناصر المشاغبة عن مقاومة التغيير والرجوع الى الوراء،ويحطم كل المظاهر الفاسدة للشرائح الفوقية السابقة،ويتم ذلك من خلال آلية معينة تمنع حدوث الانفلات الامني وحالات الانتقام الجماهيري،وزرع الوعي وخاصة عن طريق التوجيه بترك الامور تجري بصورة طبيعية ولكن من خلال القانون الذي يساوي بين الجميع،وكذلك حراسة المكتسبات الجديدة والتي تحتاج الى حقبة زمنية ليست بالقصيرة حتى يتم تثبيت اسسها في المجتمع بحيث تكون مانعا قويا لخلق كل حالة استبداد جديدة تولد معها طبقات فوقية لاتهتم الا بسيطرتها على المكونات الاخرى وبشتى الوسائل...
البداية الحقيقية للتغير تكون انطلاقتها من الاطفال،سواء في حالة حدوث التغيير وهو متيسر للقيادات الجديدة التي تبغي التغيير الحقيقي،او قبل حدوث التغيير وهو صعب ولكن يمكن العمل سواء الفردي او الجماعي بقدر تيسر الامور بغرض انقاذ اكبر عدد ممكن من الاجيال الجديدة من مستنقع المسخ الاستبدادي الذي يحول الانسان الى عبد مطيع بأرادته او بدون ارادته لاهداف النظام وقياداته الفوقية،في الحالة الاولى يتم البدء من خلال مناهج التعليم وتحريرها من قوالب التلقين التي تحشو الادمغة الصغيرة بثوابت واسس غي اغلبه زائف او ماسخ للشخصية البشرية،وقد يكون ذلك في اطار ديني او مذهبي او فكري كأن يكون قومي او ماركسي او ليبرالي،وقد يسأل سائل هذه هي اغلب التيارات المعاصرة فما هو الذي بقي سليما وملائما للاطفال؟!...الجواب في الحقيقة ان تلك التيارات ليست بالضرورة هي خاطئة بل قد تكون في الكثير من اسسها سليمة وملائمة للفطرة الانسانية،ولكن المقصود هنا هو تحرير الفكر من القيود وتعليم النشء الجديد كيفية الاختيار الحر والعمل على بناء شخصياتهم السليمة الحرة وفق مناهج التعليم السليمة،بمعنى عدم العمل بمناهج التلقين دون تحريك عقول التلاميذ وجعلهم يناقشون الامور بكل حرية وشفافية،وتعليمهم حرية ابداء الرأي بدون خوف او نفاق وبالتالي يمكن لنا خلق جيل حر يراقب سلطاته العليا ويعمل على تغييرها اذا اساءت استخدام الصلاحيات الموكلة اليها،وهنا سوف تكون لدى هؤلاء بداية سليمة تكون الانطلاقة الحقيقية نحو النهضة الحضارية السليمة،وبغير ذلك فأن مشروع التغيير الحقيقي سوف يفشل من خلال استمرار حالة فقدان الوعي في الاختيار وانتشار ظواهر النفاق والكذب والسير كالاغنام وراء كل ناعق ينعق!.
لايتنافى تعليم الاطفال تلك المبادئ السليمة في التربية مع الاديان السماوية،بل هو تطبيق لاروع مبادئها وقيمها المغيبة وخاصة في احترام الانسان وخصوصياته والعمل على بناء القيم الفاضلة في المجتمع لغرض بناء اعظم حضارة يمكن للمرء ان يفتخر بها في ظل صراع الحضارات المستتر تحت مسميات مختلفة.
في الحالة الثانية وهي العمل على التغيير الحقيقي في ظل انظمة قمعية او شمولية،ففي الحقيقة العمل صعب بل ومحارب من قبل الجميع سواء الدولة او المجتمع الخائف من سطوتها او من خلال اللاوعي المسؤول عن افعاله،وهنا يمكن العمل على بناء نخب نموذجية من النشء الجديد وكل حسب قدراته،وكل حسب وظيفته،وطبعا الوظيفة الهامة هنا هي التعليم،من خلال تحرير الاطفال من كل القيود المفروضة عي تفكيرهم وتطلعاتهم المستقبلية نحو الحرية واحترام حقوق الانسان الاساسية،فعن طريق تلك النخب الحرة يمكن بناء قواعد شعبية حولها في المستقبل والذي سوف يؤدي ومن خلال العولمة ايضا الى تحرير قطاعات واسعة من الشعب من الخوف والنفاق والاستلاب الذاتي والعيش في كهوف الجهل والتخلف،وبالتأكيد سوف يؤدي ذلك الى حدوث تغيير فعلي قد ينهي سيطرة تلك النظم ومن يمثلها،او على الاقل يحجم مسؤولياتها الواسعة والغير محدودة.
من هنا تكمن اهمية الانطلاق من الاجيال الجديدة التي تعتبر ارض خصبة لكل الافكار والنظريات المختلفة،فلا ندع العابثون والمتخلفون وارباب السوابق الفكرية من الاستحواذ على تلك المناجم التي تنتج ذهبا لايقدر بثمن والذي يسمى بالانسان!...ان تعليم النشء الجديد على احترام الرأي والرأي الاخر، ونبذ التكفير والانغلاق الفكري واحكام العقل والمنطق في الاختيار،هي الوسيلة المثلى للقضاء على كل بؤر الفساد والانحراف في المجتمع سواء في الطبقات العليا او قاع المجتمع مرورا بطبقته الوسطى.
من خلال تلك النخب الجديدة يمكن لها من خلال امتلاكها الشجاعة الادبية والاخلاقية،من ان تقول للمستبد واعوانه في الطبقة العليا...قف! فقد حان وقوفك،ولامجال للسير في طريق وعر بنا!...تستطيع هذه النخب ان تقود ملايين المحطمين نحو الحرية والعدالة والمساواة،وان تقدم وبمنتهى الشجاعة قوافل الشهداء،ولاخوف من انقراضهم فالشعب الذي ينجب امثال هؤلاء لهو قادر بالفعل ان ينجب المزيد والمزيد،ولاحدود لذلك...
متى ما حصل التغيير فهو السبيل الوحيد نحو الانطلاقة الحقيقية لبناء حضارة انسانية حقيقية،وبغير ذلك فأن كل الاقوال والادعاءات تكون زائفة اذا ادعت ان البناء يمكن ان يقوم على نفس البناء الموجود سواء النظم الحاكمة الحالية،او حالة اللامبالاة وفقدان الوعي والعيش في الهامش الموجودة في شعوب العالم الثالث ومن ضمنها الشعوب العربية...ليست الحضارة الحقيقية في تخريج اكبر عدد ممكن من الخريجين او العمل على نشر الحرية الزائفة المبنية على التحرر من القيود الاخلاقية،او بناء اكبرعدد ممكن من المصانع ومصادر الانتاج الاخرى،فمعنى ذلك ان الانسان سوف يبقى كالعبد الذليل ولكن بياقة بيضاء تسر الناظرين ولكن في داخلها فراغ هائل من الجهل والتخلف والتعصب لافكار احيانا تكون في منتهى السخافة والضحالة ومخالفة لادنى قواعد العقل والمنطق،كلا! ليس ذلك هو التطور الحقيقي بل هو تطور زائف ويكاد يكون سهلا على ابسط الناس ان يراه ويلمسه من خلال وجود اعداد كبيرة من المتعلمين الذين لم يتجاوزوا سوى حاجز الامية الابجدية،بينما بقوا متقوقعين وخائفين من اجتياز حواجز الامية الثقافية والتقنية!!،والحضارة الحقيقية ليست في بناء كتل اسمنتية خالية من الروح الانسانية،بل الحضارة الحقيقية هى كتل روحية تنتج بصدق وتعمل من اجل غد افضل،ويمكن لنا مقياس بعض الدول العربية التي يكون دخل الفرد مرتفعا فيها من خلال انتاج النفط،ولكن رغم انتاجه منذ عقود طويلة من الزمن فأنها في حالة اعتماد عليه بدرجة انها سوف تنهار اقتصاديا اذا توقف الانتاج نهائيا!،بل يمكن رؤية الاتكال في العيش على الامم الاخرى!.
يمكن استعارة نماذج حية من الحضارة الانسانية المعاصرة في الدول الاخرى ولكن العمل يكون في تحويرها لكي تلائم البيئة الانسانية والطبيعية،والفروقات الانسانية بين الشعوب المختلفة ليست بدرجة كبيرة في مجال حقوق الانسان واحترام الحريات وسلوك الطريق الديمقراطي،بل العكس ان تلك المبادئ والقيم هي اساس مشترك وعظيم بين كافة الملل والنحل.
وفي الختام سوف نستعرض عدد من الامثلة الحية والتي وقعت في البلاد المختلفة،للاستدلال عن ان اكبر خرافة تسيطر على عقولنا فيما يتعلق بالرغبة في التغيير الحقيقي للمجتمعات الراكدة،في الاعتماد او تبني التغيير من خلال شرائح الطبقة الفوقية للمجتمع،فتلك هي خرافة قديمة يجب العمل على ازالتها من عقولنا المتعبة من معاناة قرون طويلة من الاستبداد ونتاجه القيم:الفساد! فاللص هو لص والمجرم هو مجرم والفاسد هو فاسد مهما لبس من ملابس جميلة ونظيفة مع تلميع للوجه القبيح وتزيين للاعمال الهمجية !...
من خلال تلك الامثلة والتي هي براهين كبرى،يمكن لكل اصحاب الرأي الحر والعقول النيرة،ان يعملوا بجد لانقاذ شعوبهم من خرافات واساطير كثيرة تعشعش في عقولهم وضمائرهم الميتة،ومن ابرز تلك الاساطير هي اسطورة التغيير الفوقي!...

زوبعة المستبدين الفارغة

زوبعة المستبدين الفارغة:
من الطبائع البشرية هو الاختلاف في الرأي،وهو ناتج من اختلاف كلي في التكوين البشري بالاضافة الى الوراثة والعادات والتقاليد والبيئة والمكان والزمان،وهي تؤثر كليا او جزئيا في تكوين الرأي الخاص بكل شيء لدى كل انسان.
ومن هذا المنطلق يتبين لنا انه من المستحيل بمكان ان تجتمع الاراء حول موضوع واحد مهما كان بسيطا،ورغم وجود اغلبية احيانا تتفق بوعي او بدونه الا انه يمكن ملاحظة الاراء المعارضة والتي يمكن وضع بعضا منها في خانة الاراء الشاذة والتي قد تكون احيانا صحيحة ويظهر ذلك بمرور الزمن الذي يجعل المراجعة التاريخية للمواقف اكثر صحة وصدق منها اثناء وقوعها بفضل التخلص من شباك التأثير المكاني والزماني الذي يؤثر بصورة هامة في تكوين الرأي الشخصي والذي بمجموعه يمكن ان نطلق عليه الرأي العام.
الاراء المختلفة حول موضوع معين يمكن ان نلاحظها في الكثير من القضايا وخاصة السياسية منها،الا ان الرأي المستند على دراسات وبحوث وبراهين موثقة هو الذي يكون الاكثر صوابا بغض النظر عن قبوله من عدمه.
ولذلك فأن الاراء المستندة الى رأي شخصي بدون براهين وادلة،يمكن وصفها بالضعيفة والغير مؤثرة،مهما كان حجم الشخص المتبني لها،وفي الغالب يكون لها تأثير كبير في صدورها من قبل اشخاص يتسلمون مسؤوليات واسعة في الدولة،ولكن من الناحية الواقعية لاقيمة لها امام البحث العلمي المحايد المستند الى قواعد واصول فكرية منطقية متشددة في قبول الفكرة،ومن ابرز تلك الامثلة التصريحين للملك الاردني عبد الله الثاني حول خطورة الهلال الشيعي على بلاده والمنطقة او تصريح الرئيس المصري حول تبعية وولاء الشيعة العرب الى ايران!..فهذين المثالين بارزين لنا في التأكيد على ان رأييهما لاقيمة لهما امام الواقع والمنطق والعقل المحايد،ولكن صدورهما من حاكمين عربيين يتمتعان بصلاحيات واسعة في بلديهما يمكن ان تثير الاعلام والذي يلعب بدوره في تكوين الرأي العام وخاصة في العالم العربي،وفي النهاية يمكن ان تتأثر بها اصحاب العقول الفارغة التي لا تستطيع التمييز بين الكلام الصحيح من عدمه،ولكن يبقى هناك نقطة هامة في ان صدور مثل تلك الاراء من اناس يستبعد منهم قول الحق واتباع العدل والمنطق هو حجة قوية لكل من يريد ان يرفض تلك الاراء الشاذة جملة وتفصيلا!...ومع ذلك لايمكن قبول تلك الاراء رغم صدورها من اعلى المستويات في البلدين،لانها لاتمثل الموقف الرسمي للبلدين.
الاراء المختلفة والتي تتعارض في الغالب مع الموقف الرسمي،لا تستمر طويلا بل هي في الغالب زوبعة في فنجان من خلال اثارة الرأي العام بواسطة وسائل الاعلام المختلفة،والسبب في كونها مؤقتة،لانها تعبير عن وجهة نظر شخصية او وجهة نظر مجموعة معينة ولها بالطبع الحرية في التعبير بالرغم من كونها تخرج في الكثير من الاحيان عن سياقاتها المعهودة،تختلف عن وجهة النظر الرسمية التي تمثل الحكومة،وبالتالي مهما كان الرأي الخارج من الشخص او المجموعة يبقى ضمن الصادر عنهم ولا يعبر عن وجهة النظر الرسمية التي تراعي في الغالب القواعد الدبلوماسية وحماية المصالح في الخارج،وبالتالي تحافظ على مستوى مقبول من العلاقات الجيدة مع دول العالم المختلفة.
وظاهرة التعبير عن الاراء والتي تخالف وجهة نظر الحكومة هي موجودة حتى في الدول الغربية التي تحكمها نظم ديمقراطية،بل وفي احيانا كثيرة يكون المصرح بها هو احد اعضاء الحكومة نفسها،ولكن يبقى الموقف الرسمي هو الغالب ولايـتأثر بذلك،ويمكن مراجعة الكثير من المواقف المتطرفة للمسؤولين الحكوميين سواء في الغرب او حتى في الانظمة الشيوعية السابقة خلال فترة الحقبة الباردة،والتي تنتهي في الغالب بالتصريح ان الموقف الرسمي يختلف،ومن ابرز الامثلة الدعوات بشن الحرب بين الطرفين بالضربة الاستباقية،او محاصرة الطرف الاخر اقتصاديا وغير ذلك.
ومن ابرز الدعوات الخارجة عن الموقف الرسمي مؤخرا هو تصريح ليفني وزيرة خارجية اسرائيل،حول ضرورة ترك فلسطينيي 1948 ارض اسرائيل الى الضفة والقطاع لانهم خطر مستقبلي على اسرائيل وانها دولة يهودية خالصة،وبالرغم من كونها عضوا في الحكومة الا انها لاتمثل وجهة النظر الرسمية التي بقيت بعيدة عن ذلك التصريح المتطرف،وهو نموذج من تصريحات الكثير من قادة اسرائيل التي تدعو الى محاربة العرب او طرد من تبقى منهم في ارض فلسطين او حتى الدعوة لبناء الدولة العبرية من الفرات الى النيل!.
زوبعة البحرين:
جائت تصريحات احد المسؤولين الايرانيين(الشيخ ناطق نوري)في محاضرة تاريخية ذكر فيها عائدية البحرين الى ايران في بداية شباط 2009،وبالرغم ان الموضوع هو محاضرة تاريخية ذكر فيها حقيقة ان البحرين كانت تابعة الى ايران بضعة قرون من الزمن الى ان سيطر عليها ال خليفة الحكام الحاليون ثم الاستعمار البريطاني،وظلت ايران خلالها تطالب بها،وجعلت في البرلمان الايراني نواب يمثلون البحرين،حتى اجراء الاستفتاء عام 1970 والذي قيل فيه ان الشعب اختار الاستقلال رغم التشكيك بنزاهة ذلك الاستفتاء،حيث توقفت ايران الشاه من المطالبة بجزر البحرين،وفي العام التالي استقلت البحرين عن بريطانيا.
منذ ذلك الحين بقي الموقف الرسمي الايراني ثابتا في الاعتراف بأستقلال البحرين واحترام سيادتها والتمثيل الدبلوماسي معها رغم فترات من سوء العلاقات بينهما وهو امر طبيعي بين دولتين متجاورتين.
الملفت للنظر هو بعد احداث غزة الاليمة،وانحدار المستوى الرسمي العربي لحد التواطئ في الهجوم او المشاركة في حصار الشعب الفلسطيني،والذي وصلت سمعة دول الاعتدال العربية وخاصة الرئيسية الثلاث مصر والسعودية والاردن الى الحضيض،واصبح رفض مواقف تلك الدول وخاصة في الازمة الاخيرة في غزة،مستوى غير مسبوق من جانب الشعوب العربية والرأي العام العالمي،
جاءت اراء الشيخ النوري الاخيرة بخصوص البحرين رغم انها تمثل رأيه الشخصي المستند على وقائع تاريخية،وقد تراجع ايضا عنها لاحقا،جاءت تلك الزوبعة بمثابة قارب نجاة لتلك الدول حسب ما تتمناه هي للخروج من تدهور شعبيتها الى تلك المستويات الغير مسبوقة رغم ان الموقف الرسمي الايراني هو مصرح عنه مسبقا في احترام سيادة البحرين والاستمرار في ذلك،وبالرغم من ان آراء غالبية البحارنة كما اطلعت عليها في الانترنت وبخاصة في موقع البي بي سي والذي يكاد يكون جامعا للاغلبية في ان اراء المسؤول الايراني هي فردية ولا اهمية لها،وبالتالي لايستدعي تلك الجعجعة الاعلامية الفارغة والتي اثارتها تلك الدول ووسائل اعلامها الرسمية،بل الغالبية العظمى رفضت تلك الطريقة الاقرب الى السخرية في ركض حكام ومسؤولي تلك الدول في زيارة البحرين وهم قبل شهر فقط رفضوا حضور قمة عربية طارئة لاجل غزة وتعرضها الى عدوان اسرائيلي مدمر!!...
لقد اصبح موقف تلك الانظمة مخزيا بعد تلك الزوبعة الفارغة في عقولهم الاستبدادية والتي حاولوا نقلها الى الرأي العام الذي هو بعيدا عنها في امور اكثر اهمية وخاصة في الواقع المعيشي او القضية الفلسطينية. بل جاء الرد الرسمي البحريني مع زيارة وزير خارجيتها الى ايران في الاعلان المشترك بأن دول مجاورة وسعت من المشكلة لغرض استغلالها بدلا من حلها او تجاهل رأي شخصي وحولتها الى زوبعة فارغة اثارت الجميع حول مدى ما وصلت اليه تلك الانظمة من انحدار اخلاقي مرفوض.
المهزلة المغربية:
وبعد ان هدأت العاصفة جاءت المهزلة المغربية في قطع العلاقات مع ايران لتبين ان النظام المغربي قد وصل الى مستويات اكبر من الانحدار نحو هاوية الحماقة الناشئة من استبداد فاسد لم يتغير برحيل الحسن الثاني قبل عقد من الزمن.
واسباب قطع العلاقات من التفاهة الى درجة تثير الضحك والبكاء في آن واحد!!
وذلك ان الاسباب حول البحرين هي واهية وهي بعيدة عن المغرب سواء جغرافيا او حتى في امور اخرى كثيرة!،بينما دول كثيرة اخرى اقرب للبحرين لم تفعل الخطوة المغربية الدالة على سفاهة لاحدود لها!!،بينما يتعامل المغرب مع عدد كبير من الدول التي تتقاطع مصالحها معه مثل اسبانيا وامريكا وبريطانيا وغيرها.
والسبب الاخر الاكثر غرابة ولا علاقة له بالسبب الاول! هو الادعاء بأن التبشير الشيعي بواسطة ايران يعمل على زعزعة ايمان المغاربة بالمذهب السني المالكي!! مع العلم ان ايران ليست لديها وسائل تبشيرية الا بحدود ثقافية محدودة جدا كما شاهدنا ذلك في الغرب،ونفقاتها لا توازي اقل من معشار ميزانية التبشير السعودية!وهي مخصصة في الغالب لدعم موقفها السياسي دون المذهبي كما لاحظنا علاقاتها مع الاسلاميين العرب الذين ينتمون في الغالب للمذهب الاخر،بل ان هنالك دول كثيرة ليست لديها علاقات مع ايران او لاتسمح لها بتاتا بالتبشير كون العلاقات محدودة!،ولكن الخوف من تشيع بضعة الاف وتجاهل اعتناق اعداد مضاعفة للدين المسيحي والمذاهب الوضعية الاخرى هو يجعل الغرابة من تلك الخطوة المشينة بادية في وجوه الجميع،خاصة ان تلك الخطوة تجعل افراد المذهب المالكي انفسهم امام تساؤل في كيف ان مذهبهم ضعيف وغير قادر على الصمود امام مذاهب اخرى حسب طريقة تعامل الحكومة او ادعائها،ولكن فات الحكومة المغربية ان ذلك سوف يثير الانتباه للمذهب الشيعي مما يؤدي الى دعاية مجانية له تعكس حالة الرغبة الانسانية في طلب ماهو ممنوع او محارب!.
ان الخطوة المغربية ليس لها اي تبرير منطقي سوى التأكيد ان النظام قد وصل الى مرحلة من الضعف والسفاهة حتى في التشكيك في سلامة عقيدة ابناء شعبه،ناهيك عن المواقف الرسمية المخجلة من غزة او اراضيها المحتلة من قبل اسبانيا!!...
والخلاصة ان تلك الزوابع الفارغة هي نتيجة لما قد وصل اليه عقول وتفكير هؤلاء المعتوهين الذين يحكمون عالمنا العربي...بل هو دليل قاطع على ان هؤلاء لايستطيعون ادارة شعوبهم حتى في توافه الامور من خلال محاولتهم الوضيعة المكشوفة في اشغالهم بزوابع لاقيمة لها سوى في عقولهم القاصرة!! فكيف الادارة اثناء فترات الازمات والنكبات الكبرى المختلفة!....

2009/03/09

اسطورة التغيير الفوقي -القسم الثالث عشر

تكون الطبقات الفوقية للمجتمع والتي تتحكم بكافة قدراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية،لن يتم خلال فترة زمنية قصيرة،بل خلال فترات زمنية تمتد لاجيال عديدة،كما ان دخول موجات بشرية جديدة ضمن تلك الشرائح لن يكون سهلا ابدا،فالباب ليس مفتوحا لكل من هب ودب! الا اذا كانت هنالك قوة جبارة تمتلك من القسوة والتدمير تدخل على خط المواجهة لتكسر ذلك الباب المقفل للولوج داخل مخابئه السرية العتيقة.
القوة الجبارة لن تأتي بالتأكيد بصورة ديمقراطية،بل عن طريق الثورات والانقلابات والاستيلاء على الحكم بكل الطرق السرية والعلنية،وعن طريق ذلك تدخل موجات بشرية جديدة تستولي على مقدرات الدولة وتصبح رغم انف ابناء الطبقات العليا الاخرى من زمرة اعضائها،وتبقى هنالك فترة طويلة من حالة الشك والريبة والعداء بين الاعضاء القدامى والجدد،ينتهي بتكون طبقي جديد قد يزيد عدد افراده وايضا قد يقل من خلال عملية طرد كبرى للقدامى الذين يفقدون مكانتهم من خلال التجديد القسري او من خلال الهروب بالاموال والانفس الى خارج البنية الجسدية للدولة من خلال الهجرة او النفي،وهذا يؤدي في النهاية الى الوصول الى نتيجة حتمية جديدة يمكن الاستدلال عليها وجعل نصب اعيننا حولها وهي:
ان الطبقة الفوقية هي تشكيل بشري غير متجانس يتغير بمرور الزمن ولكن يحتفظ بغالبية ملامحه وصفاته التي تميزه عن بقية طبقات المجتمع الاخرى.
عملية قبول الاعضاء الجدد تكون فيها ممانعة كبيرة اذا كان الاعضاء الجدد من وسط وضيع من قبيل الفقر والجهل والتخلف،وتخف درجة الرفض والممانعة اذا كانوا على درجة اعلى من التحضر والثقافة.
وتبقى صفات الكره والاهانة والتحقير حتى لو من خلال الهمسات السرية،توجه الى الاعضاء الجدد القادمين من الوسط الوضيع وبالخصوص الذين يمارسون استبدادهم بقسوة ووحشية،ويبقى الرفض سريا حتى تتغير الظروف الى موجات بشرية جديدة.
في حالة المجتمعات الاكثر انفتاحا وديمقراطية،تخف كثيرا تلك الحالات ولكن يبقى للمال والجاه سطوته العليا في توجيه الطبقات العليا ولو من خلال عملية سلمية تكون بطيئة جدا.
الترابط المشترك بين الطبقات الفوقية يتجلى في شغور وظائف الدولة العليا فيما بينهم،وخاصة للذين يمتلكون من المؤهلات التي تجعلهم يحصلون عليها بدون مشقة او معوقات روتينية تذكر،كما تواجه الافراد العاديون.
هذا التعاون المصيري المشترك يساعد على تحقيقه وجود الروابط الاسرية القوية من خلال شبكاتها المعقدة اومن خلال المصالح المادية المشتركة،وهو ايضا يقوي التحالفات الموجودة اصلا ولكن تبقى اسسها مهزوزة بفعل العوامل السياسية والاقتصادية المتغيرة بالدرجة الاولى،والعوامل الشخصية المبنية احيانا على الرغبة الشخصية الطامعة والطامحة والتي لا يكبح جماحها احد الا الموت!.
الدخول الى تلك الطبقات من خلال العلاقات الشخصية او العمل ليس سهلا بقدر النفوذ من خلال رأس المال المتجبر الجبان الذي يلين اكبر الرؤوس ويجعلها مطيعة ومرنة!.
الروابط بين الطبقات الفوقية احيانا يكون عرقي من خلال مجموعة بشرية بحد ذاتها او من خلال الانتساب الى مجموعة دينية معينة تنتسب الى دين بحد ذاته تجد من الصعب التنازل عن امتيازاتها المادية والروحية التي تتعارض مع المجموعات الدينية الاخرى،وايضا هنالك الانتساب الى طائفة معينة بحد ذاتها وبنفس الصفات السابقة تبذل الجهود في ضرورة الاستمرار في تفوقها النوعي على بقية مكونات المجتمع،كذلك هنالك الانتساب الى الاكثرية في المجتمع وبغض النظر عن ماهيتها،او الانتساب الى الاقلية وهو الاخطر لكونها دائما محتاجة الى الدعم الخارجي الذي يساعدها على الاستمرار في الحكم وبغض النظر عن مصلحة الوطن واستقلاليته التي تحاول ربطها بها،وتخوين كل من يحاول الخروج من وصايتها.
من خلال العرض السابق نستنتج ان الامم المحكومة بنظم مستبدة وبمختلف الالوان والاشكال،تنتظر شعوبها التغيير الجذري للتخلص من تراكمات ذلك الاستبداد المقيد للتطور والمعيق للمسيرة الانسانية وخلاصة عملها المتمثل في الحضارة الانسانية،والتغيير كما نعرف يأتي احيانا من الخارج والذي قد يصطدم مع المكونات المختلفة للشعوب وخاصة المتضررة من عملية التغيير،وتحدث معها عمليات عنف منظمة قد تتطور الى حرب اهلية،وبالتالي ليست هنالك قوى خارجية بما فيها القوى الكبرى الاستمرار في دعم جهود التغيير الجذري نظرا للكلفة الهائلة وخاصة في الارواح والنفقات العسكرية،مما يضطرها الى الانسحاب القسري تاركا البلاد التي تستعصي عليهم الى حال سبيلها،وتقع الكارثة هنا اذا لم يكن بديل قوي يسيطر على الاوضاع وينظم الامن ويخضع المتمردين والخارجين على القانون،وفي تلك الحالة سوف تكون الفوضى هي الصورة النهائية للبلد وسوف تغرق في حرب اهلية لا يعلم مداها الا الله سبحانه،كما هو موجود لدينا في افضل مثال على تلك الحالة،في الصومال التي انسحب التدخل الخارجي منها بعد ان دخل البلاد تحت ضغط دولي لتخليصها من الحرب الاهلية والمجاعة،فأنسحب منها عام 1993 تحت ضغط بعض الجماعات المسلحة وقد استمرت منذ ذلك الحين الحرب الاهلية والفوضى والمجاعة! وهنا يكمن الحل في ضرورة استمرار التدخل الخارجي حتى بناء قوة داخلية منضبطة تستطيع فرض الامن والاستقرار في البلاد كما حصل بعد ذلك في افغانستان والعراق،ورغم الثمن الباهظ للتدخل الخارجي والذي يكون مكروه في الغالب لدى عدد كبير من خلال النظرة اليه على انه انتهاك للسيادة والقانون الدولي وطريقة جديدة للاستعمار.
في الحقيقة احيانا يكون التدخل الخارجي ضرورة تحتمها الظروف الموضوعية للبلاد التي تعاني من فوضى ومجاعة،ولكن للتخلص من التدخل الخارجي ،ينبغي حدوث تغيير داخلي جذري،اما القول ان العيش في كنف الطغاة خير من التدخل الخارجي،فتلك خرافة لامعنى لها،فالتدخل الخارجي عاجلا ام آجلا سوف يخرج سواء منتصرا او مدحورا،بينما السكون المميت تحت النظم المستبدة،هو في الحقيقة ضياع البلاد والاجيال في متاهات الخوف والجهل والاستغلال والفساد،ومع الاستبداد ينتشر الكره والحقد والعنف الذي يحتاج الى جهود مضنية وزمن طويل للتخلص منه حتى يمكن زرع المبادئ الانسانية من جديد.
وللجميع وخاصة انصار التغيير الداخلي،يتحتم البحث عن صيغة لتخليص البلاد والعباد من تراكم الاستبداد،وفي هذه الحالة يتم عقد الامال على وجود الاحرار المنقذين من تلك الازمات،ولكن من اي جهة او طرف او طبقة من المجتمع؟!..هل من الطبقات العليا وهي التي استمرت حقب زمنية طويلة تسير على منهاج ثابت!،منهاج الاستئثار بالسلطة ولكن بأشكال متعددة،بل يمكن القول هنا انه احد اهم الازمات في البلاد والتي يتم عن طريقها تزويد النظام بما يحتاج من قيادات وكوادر رئيسية؟.
ام من خلال المتضررين والمنعزلين عن التلوث الحكومي والذين يكونوا في الغالب من الطبقات الوسطى والفقيرة،وخاصة اصحاب الكفاءات العليا سواء المعرفية او المهنية والذين حافظوا على نزاهتم وتعففهم في زمن الفساد المستشري؟.
الجواب بكل تأكيد هو الثاني ...بعد ان استعرضنا في تحليل مطول عن شرائح الطبقات الفوقية،والطبيعة الاجتماعية والتكوينية لها،وتوصلنا من خلال طرح امثلة مختصرة كما سوف نطرح امثلة تفصيلية ايضا،الى نتيجة انه هناك اسطورة في الحديث المتداول تسمى ...اسطورة التغييرالفوقي...وخرافة ناتجة من ضياع فترات زمنية من التطبيقات الخاطئة،والتي سببت حصول كوارث هائلة على مدار التاريخ الانساني،وبالتالي ضرورة التخلص من تراكمات تلك الاخطاء في المستقبل من خلال تنظيف العقول من ترسبات الافكار المنحرفة والتي اثبت الزمن والواقع مدى خطأها ومدى الانهيارات الكبرى التي حدثت لشعوب بأكملها وتستدعي الوقوف طويلا وبدراسة عميقة لاستنتاج افضل الافكار والنظريات الجديدة حتى يمكن ان نطبقها في المستقبل،ويخطيء من يقول انه ليس هنالك افكار ونظريات جديدة لحل المشاكل البشرية،بالعكس ان العقل البشري قادر على ابداع المزيد والمزيد من الافكار والنظريات الجديدة وخاصة اذا ظهرت مشاكل جديدة تواجه المجتمع البشري،فهل من المعقول ان تتولد مشاكل جديدة ولا يولد معها حلول جديدة؟!..وهل يقف العقل البشري فقط عند توليد المشاكل ولايقف عن توليد الحلول ؟!...الجواب بكل تأكيد كلا...

قرأت لك - الكتاب السادس

قرأت لك
مختصر وتحليل وتعليق ونقد للكتاب
في سبيل موسوعة معرفية مختصرة
(6)
الاغتيال في التاريخ الاسلامي:
لم يمنع ظهور الاسلام في الحياة العامة لدى العرب من ممارسة كل مايخالف الفطرة الانسانية من شر ورذائل،رغم الدعوة الصريحة والتشدد في التحريم،فقد عاد العرب الى سيرتهم الاولية كبقية الشعوب الاخرى بعد رحيل النبي الاعظم(ص)،واختف من المسرح السياسي تأثير التعاليم الاسلامية بفضل الصراع الدموي على الحكم والذي انتهى بسيطرة الطلقاء عليه،مما ادى الى عودة العصبية القبلية وكل المفاسد الى الحياة الاجتماعية،بالرغم من وجود الفقهاء والصلحاء الا ان دورهم كان بعيدا عن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب قوة السلطة الغاشمة التي تسير وفق مصالحها بدون ادنى اهتمام لمصالح الامة.
من اكثر الوسائل دموية هي عمليات الاغتيال السياسي ضد المعارضين والثائرين،وكانت احد اشد الصفحات دموية في التاريخ الاسلامي المليء بالثورات والمعارضين لنظم الاستبداد المتسترة برداء الدين والحق الالهي الكاذب في الحكم.
الكتاب السادس
الاغتيالات في الاسلام
اغتيال الصحابة والتابعين
تأليف:حسن عبد الله
الكتاب:يتألف من 147ص من القطع الصغير،في طبعة 2006 في بيروت\لبنان،والورق من النوع الخشن.
الكتاب يسرد محاولات اغتيال الرسول محمد(ص)بالاضافة الى 25 شخصية من الصحابة والتابعين،ولكن بصورة مختصرة جدا دون ان يشرح دوافع الاغتيال او الحكم على الطرفين،بل يتجنب ذكر ذلك،ويقتصر على تجميع المعلومات من المصادر التاريخية،ولكن دون ذكر لتلك المصادر،كما لايوجد اي تعريف بالمؤلف وسيرته الذاتية،والكثير من الكتب على نفس هذا النمط من التجاهل او الاختصار الشديد الذي يجعل المتن مجرد تجميع معلوماتي خالص وخال من التحليل والنقد والشرح،والذي يحتاج الى جهد فكري وصبر وتأمل حتى يمكن ان يخرج الى النور،وهو ليس يسيرا لكل من يحاول كتابة كتاب تاريخي يستعرض فيه مواضيع ذات اهمية بالغة قد تكون موجودة في وقتنا الحاضر ولكن بتغيير الوجوده فقط!.
اسم الكتاب،كبير وغير دال على المتن!،فالاغتيالات في الاسلام يعني شرح وتعليق وذكر للاغتيال في المنهج الاسلامي وقد يكون التاريخ من ضمنها،ولكن على الاكثر هو لايتضمنها،لسبب ان التاريخ شيء بما فيه من مساوئ ومحاسن والدين شيء آخر والذي يتضمن العلوم والاداب الناشئة منه،والتي يجعل الشعوب متأثرة بها وخاصة في تكوين شخصيتها الدالة على تمسكها به،اما التاريخ ومنه الاسلامي فهو سيرة اقوام وامم يكون الاسلام دينهم،ولكن قد تقترب سيرتهم او تبتعد عنه،ولذلك كان الاجدر بالكاتب ان يجعل اسم الكتاب هو الاغتيالات في التاريخ الاسلامي وليس في الاسلام الذي يحارب كل شر ورذيلة بما فيها الاغتيال.
موضوع الكتاب هو قيم بلا شك ولكن حجم الكتاب والسرد المذكور فيه لايجعله كافيا لاشباع نهم المعرفة التاريخية.
وعندما يذكر وفاة الخليفة الاول ابا بكر والمشهور انه وفاة طبيعية،ينسبها لمصادر اخرى الى الاغتيال عن طريق السم مع صديقه الطبيب الحارث بن كلدة،ولكن لايذكر من المتسبب بهكذا عملية خطيرة،بل ولا يذكر ماذا فعل الناس بالقاتل الذي كان قد دعاهما الى وليمة لتناول الطعام معه!! وكان عليه البحث والاستقصاء لذكر الحقيقة،حتى يخرج كتابه بشيء هام لنا على الاقل يمكن ان يشار اليه فيما بعد!.
وعند ذكر اغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب على يد ابو لؤلؤة المجوسي،يذكر بصورة مختصرة الدافع دون ان يشرحه لنا،وهو حسب قوله انه لم ينصفه من دفع المال الى المغيرة بن شعبة الذي كان مولاه،وهذه احد اهم الاعمال الغير اخلاقية التي كان يمارسها العرب رغم معارضة الاسلام لها،وهي ان يتولى احد العرب حماية الموالي وهم من الشعوب الغير عربية والتي يكون اغلبها قد دخل الاسلام اقتناعا او طمعا،وفي الحالتين يجب ان يكون لهم نفس حقوق المسلم العربي،ولكن طبائع الجاهلية شيء والاسلام شيء آخر،وفي النهاية نجد لحد الان من يصنف المغيرة بن شعبة وهو نموذج بارز للانحراف عن كل المبادئ والقيم الاسلامية والاخلاقية،يصنفه كصحابي ويترحم عليه وهو الذي يسرق جهود الاخرين ويزني ويقتل ويخون ويسير بغير هداية الاسلام وتعاليمه!...
لقد كان الدافع لقتل الخليفة الثاني هو قويا رغم ان الاغتيال كعمل هو مناف لكل الاديان والاخلاق،ولكن هنالك عملية الانتقام الرهيبة التي مارسها ابنه عبيد الله الذي قتل ابنة ابي لؤلؤة الصغيرة بدون ذنب!كما قتل كل من وقع بيده في الطريق من الموالين الابرياء وهم مسلمون،ولم يعاقبه الخليفة الثالث عثمان!وبقي حرا رغم مطالبة الامام علي(ع) بالقصاص منه،مما ادى الى هروبه الى معاوية والقتال الى جانبه!.
يذكر لنا الكثير من اعمال اغتيال معاوية للصحابة والتابعين،حتى وصفها ذات مرة عمرو بن العاص بأن لله جنودا من عسل!!ومازال الكثيرين لحد الان يترحمون عليهما رغم ان لهما من الموبقات ما يشيب لها الرأس!!..وقد قتل الفقيه والمحدث النسائي من جراء تندره على طلب اتباع الامويين في دمشق رغم سقوط دولتهم منذ قرن على يد العباسيين،حول وضع كتاب عن فضائل معاوية الاموي!.
بأعتقادي ان غالبية المسلمين يحتاجون الى ثورة عقلية تنفض الكثير من الرواسب التي تجعل العقل مقيداومتناقض في داخله حتى في ابسط الامور العقلية والنقلية،ومن ضمن الرواسب هي التقديس لاناس لايستحقون سوى وضعهم في زنازين التاريخ المظلمة،فكل انسان عاقل ومحايد اذا رأى عملا مشينا من انسان بسيط الان،سوف يلعنه ويزجره ويطرده ويذله ويعمل كل ما في وسعه لانزال اشد العقوبات عليه،ولكن عندما نأتي الى تاريخنا الاسلامي والمليئ بالصفحات السوداء،فأن الوضع يختلف،فالتقديس الفارغ يفرض على الجميع وضع لاصق اسود على العين حتى لاترى او تسمع الحقيقة مهما كانت مرة،بينما نذكر وبشيء من الفخر قول الرسول(ص)حول اسباب تدهور اليهود الاخلاقي ان الشريف اذا زنا او سرق لا يقيمون الحد عليه،بينما هو مقام على البسطاء،ثم يكمل الرسول حديثه ان فاطمة بنت محمد وهي اقرب الناس اليه لو سرقت لقطع يدها،وهو حكم صريح وواضح ان صاحب الخطأ يجب ان يعاقب مهما كانت دوافعه او نسبه او تاريخه،والدعوة عامة لكل صاحب فكر حر او يدعي ذلك ان يجعل عقله حرا ولا يكبله بقيود التاريخ السوداء.
يذكر المؤلف عددا من المغدورين البعيدين عن صفة الصحابة والتابعية،ولكن شهرة اغتيالهم هي التي تفرض عليه ذكرهم هنا.
نسبة كبيرة من المغدورين قد جرى اغتيالهم عن طريق وضع السم في الطعام وقد اشتهر منهم الامام الحسن(ع) ومالك الاشتر(رض)والامام ابو حنيفة،وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وغيرهم،ولكنه اهمل ذكر مشاهير آخرين استشهدوا على يد السلطتين الاموية والعباسية واذكر من المشاهير الامامين الكاظم وابنه الامام الرضا(ع)وكذلك اغتيال عدد من الخلفاء الامويين والعباسيين امثال الهادي العباسي ومروان الجعدي وغيرهم.
عمليات الاغتيال مستمرة منذ بدء الخليقة وهي تعبير منحط للنزاع والتخاصم حول الكثير من الموارد سواء المادية وبخاصة الحكم،او المعنوية كأختلاف بالرأي مثل اغتيال تروتسكي على يد ستالين عام 1940.ومن اشهر الحكام العرب المستبدين الذين مارسوا الاغتيال كوسيلة للقضاء على الخصوم في الداخل والخارج،هو الديكتاتور المقبور صدام الذي لم يترك زميلا او خصما الا واغتاله او حاول اغتياله،ومن كثرة عددهم لاتوجد احصائية لهم!...
اذكر حادثة مروية في الستينات من القرن الماضي قرأتها منذ زمن بعيد،حدثت في باريس حيث زار احد زعماء المعارضة في البرلمان البريطاني،فرنسا فما كان من السفير البريطاني الا ان دعاه الى وليمة في فندق مشهور في باريس،وصادف اثناء تناولهما الطعام معا وهما يتضاحكان،ان نزل من المصعد احد زعماء المعارضة في احد البلدان العربية وهو محاط بعدد من المسلحين لحمايته من محاولات الاغتيال التي قد يمارسها ضده نظام بلده،ومع الاسف الشديد فقط نجحت مخابرات بلده الارهابية في قتله بعد بضع سنين رغم الحماية المشددة عليه!!...تأمل بين المثالين المثيرين للحزن والالم على تاريخنا الاسود!.
في الختام الكتاب مختصر جدا ومعلوماته مستمدة من كتب التاريخ ولكن دون ذكر مصدرها،ودون ان تكون هنالك تحليلات او تعليقات او حتى هوامش يمكن ان تفيد القارئ،بالرغم من ان الموضوع من الاتساع والوفرة في وجود المصادر ما يشيب لها الرأس من الاهوال والاحزان المذكورة فيها.....

2009/03/06

حصانة زائفة

حصانة زائفة:
بعد اصدارالمحكمة الجنائية الدولية في 4\3\2009 مذكرة اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير،بعد طلب المدعي العام اوكامبو ذلك في 14\7\2008م،تكون العدالة الانسانية قد حققت جزءا يسيرا منها على ظهر هذا الكوكب،وسوف يصبح مستقبلا، كل انسان مهما كان منصبه معرضا للمسائلة القانونية اذا اتهم بأي تهمة كانت ومن قبل اي جهة سواء كان داخل الحكم او خارجه...
لاحصانة زائفة للملوك والرؤساء والوزراء والمسؤولين....
فهم من نفس طينتنا،ويجب ان يكون الديكتاتور البشير هو البداية في اعتقال كل المجرمين المتسترين بلباس الحكم الزائف....
نرى بأشمئزاز رؤية الحكام والمسؤولين العرب وكيف يدافعون وبمختلف الاعذار الواهية عن نسخة منهم يطالب الضحايا والاحرار بمحاكمته!!...
ونرى بعض الجماهير المغفلة تدافع عنه....
ونرى وسائل الاعلام تطبل له....
والجميع ينسى ملايين الضحايا الابرياء!!...
قبل يومنا هذا كان كل حاكم بمنئى عن المسائلة والمحاسبة في النظم المختلفة ماعدا الانظمة الديمقراطية الحرة بالطبع...ولكن بعد هذا اليوم يمكن ان نستبشر بلا!....
وكم من الجرائم ارتكبت بحق ملايين البشر،ولم نشاهد من ارتكبوها،يتم اعتقاله او محاكمته الا نادرا،بل مازال البعض منهم مقدس ومحترم رغم رحيله عن العالم منذ فترة طويلة جدا!!!!.....
الكثير من الطواغيت المستبدين قتلوا وعذبوا ملايين البشر ورحلوا عن العالم دون ان يحاكموا على جرائمهم مثل ستالين وماوتسي تونغ وبول بوت وجنكيزخان وهولاكو...
وفي تاريخنا الاسلامي الكثير من هذه النماذج واذكر منهم يزيد وعبد الملك بن مروان والحجاج والمنصور والرشيد والمتوكل وغيرهم...
ومازال البعض يقدس طواغيت مثل معاوية واتاتورك وعبد الناصر وتيتو!!...
لا ادري بأي مشاعر انسانية يمكن ان نصافح او نزور او نؤيد انسان مهما كان منصبه او فكره وهو بيده او بيد اعوانه يقتل ويعذب البشر وبأعداد كبيرة دون ان يرف له جفن او يهتز له ضميره الانساني....
في عالمنا هذا تهمل القيم والمبادئ وكل معاني الانسانية في سبيل مجموعة من الجهلة المتحكمين في واقعنا....ولو كان انسان بسيط يعمل ادنى خطأ لقامت القيامة عليه...ولكن للمال والجاه سطوة لاحدود لها!!..
تحيا العدالة الانسانية....وليسقط الظالمين المجرمين...ايا كان!....

2009/03/02

جلسة بحثية

جلسة بحثية:مشكلة اجتماعية كبرى
دعيت اليوم 1\3\2009 لحضور ندوة بحثية،قام بها باحث يتبع منظمة غير حكومية تعنى بالمجتمع وصحته،وكانت عن موضوع المقامرة ومخاطره،وكانت موثقة ببحوث ميدانية واحصائيات شاملة تدعم الافكار والنظريات الواردة فيه.
تلك الندوات والملتقيات تدعمها الحكومة،وتقيمها مختلف منظمات المجتمع المدني،ويصاحبها عادة توزيع منشورات بحثية واشياء اخرى من قبيل وجبات الطعام،بغية جلب اكبر عدد من المشاهدين للاشتراك في تلك الندوات والملتقيات لرفع المستوى الثقافي في المجتمع الاسترالي.
المقامرة بأنواعها المختلفة،هو خطر كبير على المجتمع،ورغم فسح المجال له الا ان الحكومات تسعى جاهدة للتحذير منه،وتخفيف معاناة المدمنين وخاصة الذين يصل بهم الحال الى تدمير اسرهم،او قد يودي بهم الحال الى الانتحار.
المطبوعات الموزعة في حقيبة ورقية انيقة،باللغة العربية وفيها معلومات تفصيلية بالاضافة الى خط تلفوني مجاني لطلب المساعدة،او الاستشارة.
والمشاكل التي تأتي من وراء المقامرة كثيرة جدا،ولا تدمر صاحبها فقط،وانما كل المحيطين به،وفي البحث يقرر المشاكل هي:
عاطفيا:عندما ينتشر الكذب والشعور بالعزلة والوحدة.
ماليا:تؤدي الى صعوبات مالية جمة.
العمل:يتدهور الاداء في العمل.
الاسرة:تؤثر كثيرا على العلاقة مع الشريك والاطفال.
الحياة الاجتماعية:لايكون لديهم الوقت للمخالطة الاجتماعية،ويكونوا خاسرين للاصدقاء.
المشاكل القانونية:تؤدي الى السرقة والاختلاس وغيرها.
والمقامرة قد تكون بألعاب الماكينات الالكترونية،او اليانصيب،او المراهنات،او اللعب بالورق،او المراهنات العقارية والمالية،وغيرها...
ورغم محاولات العديد من الحكومات منع وحاربة المقامرة،الا ان الفشل يكون في النهاية مصير جهدها بسبب كون الرغبة الذاتية لدى الكثيرين تولد حافز قوي للمشاركة حتى لو في اماكن بعيدة او بصورة غير قانونية.
ومن خلال استخدام منهج البحث العلمي في نتائج الربح والخسارة من خلال استخدام علم الاحتمالات الرياضي،تكون النتائج مروعة لان احتمالية الربح جدا ضئيلة،وقد تصل الى 1\10000000،وبالتالي حتى بعد ذلك يأتي برمجة الماكينات مثلا فتكون النسبة ادنى بكثير!! ومع هذا يشترك الناس في اللعب ولاغراض مختلفة،ومنها محاولة التمتع بالوقت! حيث يشعر البعض بالسعادة من جراء ذلك،او الرغبة بالمشاركة الاجتماعية للاخرين،او لتمضية وقت الفراغ،او البعض يتمنى ان تدر عليه اموالا كثيرة!!... ويساعد على فعل ذلك وجود كل وسائل الترفيه والترغيب للمشاركة في المقامرة.
ومن خلال البحث تم التوصل الى نتائج مروعة!...ومنها ان 70-90%من البالغين يقامرون بالوسائل السابقة مرة واحدة على الاقل فما فوق في العام!!.
40% من البالغين يقامرون مرة في الاسبوع!.
60% من البالغين يقامرون ببطاقات اليانصيب مرة في العام على الاقل!.
35% من البالغين يقامرون في مكائن القمار الالكترونية.
ومن ادخال منهج البحث الاحتمالي يمكن الاستنتاج الى ان 1 الى 13 مليون من الحظ يمكن الربح الكبير!...بينما 1 الى 52 الف من الحظ يمكن للربح الصغير.
الحلول المقترحة:
الدعوة الى فهم المشكلة بصورة موضوعية واعتبار الشخص المدمن هو مريض يحتاج الى عناية.
دعم الشخص وعائلته والوقوف معهم من خلال السيطرة على المقامر،وهي حالة ليست سهلة كما شخصتها بنفسي عند رعايتي لمصابين،وتحتاج الى صبر شديد وتحمل اذى في سبيل الانقاذ.
العمل على تأسيس منظمات مدنية تعنى بهم.
كذلك بناء الكثير من المراكز المختلفة لشغل فراغ الشباب وكبار السن ايضا.
وعدم عزل المقامرين عن المجتمع او رفضهم،فهو مسبب للكثير من المشاكل التي تؤدي الى انعزالهم بعد توقفهم عن فعل ذلك.
البحث كان تفصيليا وقد قدمت هنا زبدة الافكار الواردة فيه،وعموما نتمنى ان لايقع الجميع في تلك المشكلة العالمية والتي سببت كوارث كبرى على كافة الصعد للعديد من الناس،كذلك نتمنى ان يخرج منها كل مشترك فيها وان يبذل اقصى جهده لمنع ذاته من الانزلاق مرة اخرى،والوقوف على قدميه مرة اخرى،واشغال النفس بكل ماهو مفيد.
هذا بالاضافة الى رفض الاديان السماوية الى هذا الفعل المشين،ومحاربتها له بكافة الوسائل نظرا الى كوارثها الاتية منها،وهو فعل يدل على عظمة الخالق جل وعلى ورغبته ان يكون البشر في افضل حال دوما،ولكن هل يستجيب معظمنا للنداءات الربانية؟!....