إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2009/05/09

اسطورة التغيير الفوقي - القسم الثاني والعشرون

اسطورة التغيير الفوقي - القسم الثاني والعشرون
لم تشترك القوى السياسية او افراد الشعب الاخرون في انقلاب مجهول الاهداف لهم،بل حتى ان الانقلابيون لم تكن لديهم رؤية واضحة حول برنامج مستقبل الحكم مما جعل جهلهم ورعونتهم الناتجة من صغر سنهم وقلة خبرتهم ومحدودية مستواهم الثقافي وتربيتهم العسكرية الصارمة،هي المقود في غرفة القيادة!ويمكن ملاحظة ان هدف التغيير الجذري والمتمثل في ازالة النظام الملكي من جذوره لم تكن اساسا في مطالب هؤلاء الرئيسية!وهي صفة هامة لمن يروم بأنقلاب فضلا عن تسميته بثورة لاحقا!بل ان اجبار الملك فاروق على التنازل عن العرش لم يتم الا بعد ثلاثة ايام لصالح ولده الرضيع مع اشراف اوصياء على العرش ولغاية يونيو(حزيران) 1953! حين تم اعلان الجمهورية رغم ان ذلك متيسر لهم منذ البداية مما يعني التخبط لم يكن فقط في التخطيط والاتفاق على المبادئ العامة بل حتى في اصدار القرارات المصيرية التي تلائم الطرح الفكري العام للانقلاب.
اذكر هنا نظرا للصورة الضبابية التي جرى فيها انقلاب 1952 وقادته،فأن الكثيرين اعتقدوا انه موال للغرب او ان للمخابرات الغربية يدا فيه! بل حتى الاتحاد السوفييتي وكتلته كان من المعارضين للانقلاب وقادته واعتبارهم رموز برجوازية للغرب،او حتى عملاء له فرفض الاعتراف به!،ومرت بضع سنوات وبعد التصادم مع الغرب،اخذت العلاقات تتطور الى درجة التحالف القوي وفي كافة المجالات،مما يجعل الاعتقاد ان الانقلاب لم يكن ثورة او حتى يحمل علامات الانقلاب اليساري ولذلك فأن كل دعاية له بتصوير الامر غير ذلك هي غير حقيقية نهائيا.
انقلاب بتلك المواصفات يحمل بكل تأكيد في تكوينه على تناقضات لاحصر لها تؤدي في النهاية الى حدوث صراعات مستقبلية ليس فقط بين افراد المجموعة الانقلابية انفسهم،بل ايضا مع طبقات الشعب المختلفة وخاصة طبقته المثقفة،واعلان الشعارات البراقة وتصديق نسبة كبيرة من الجمهور لن يضع ارجل الانقلابيين في الطريق الصحيح بل سوف يزيدهم طغيانا وتسلطا وانكار حق كوادر الطبقات المثقفة الواعية في حكم البلاد وفق طريق اختيار الافضل فالافضل مع حصول الدعم من باقي افراد الشعب.
من خلال القاء الضوء على مبادئ الانقلاب الرئيسية والمتمثلة في القضاء على الاقطاع والاستعمار وسيطرة رأس المال واقامة ديمقراطية حقيقية واقامة عدالة اجتماعية وجيش وطني قوي،فأن النتائج الظاهرة للعيان بعد مرور حوالي ستة عقود على الانقلاب،تبين لنا بجلاء واضح ان اغلبية تلك المبادئ ليس فقط انه لم يتحقق او تم الالتفات عليها،بل ان الخسائر البشرية والمادية التي نجمت عنه كان من الممكن توفيرها خدمة لتطور الوطن ومستقبله المشرق،ولذلك لا يمكن معرفة حجم الكوارث التي حلت في اغلبية البلدان التي وقعت فيها انقلابات عسكرية لضخامة الكوارث وشدتها وما سببته من الآم واحزان لدى عدد كبير من البشر،وهذا ايضا ليس مبررا للخضوع الى من كان قبل الانقلاب يحكم وبأساليب الاستبداد ولكن بصورة اخف كثيرا من بعد حدوث الانقلاب،فالنضال وخاصة السلمي يجب ان يستمر وبكل الوسائل المتاحة ولكن يجب ان يخضع كل من يتصدى وينتصر بعد ذلك الى ارادة الشعب في الاختيار الحر ولايجب عليه ان يطلب اجرا ولا شكورا لانه عمل ذلك من تلقاء نفسه لخدمة وطنه والا لاصبح مرتزقا مثل الاخرين الذين يحاربون لاجل المال او الجاه.
القضاء على الاقطاع تم ولكن بصورة مشوهة مست الكثير من الضحايا الابرياء،وكان من الممكن ان تتم المصادرة بعد التحقق من اصل مصدر الثروة وطريقة تنميتها بالاضافة الى السماح لكل من يملك وبصورة شرعية ان يستمر في عمله ولكن بعد فرض الضرائب العالية كما هي الان في الدول الغربية التي تفرض على الاغنياء ضرائب تزيد عن النصف من العائد السنوي بكثير وذلك ليس فقط للصرف على الطبقات الفقيرة بل لردم الفجوة الواسعة بين الفقراء والاغنياء خدمة للوطن وجميع ابنائه. كذلك يمكن ملاحظة ان اغلب الانقلابات التي ابتدأت بالمصادرة هي في حقيقة الامر عاجزة عن تطوير البلد سواء الغاء الاقطاع من خلال العجز عن استصلاح الاراضي وتوزيعها على الفلاحين،او يتعدى الى الجانب الرأسمالي ايضا في نفس الطريقة في التطوير والتنمية للصناعة والخدمات.
وكذلك مكافحة سيطرة رأس المال وذلك من خلال التحول الى الاشتراكية والتي كانت تعيش ازهى حقبة لها في ذلك الحين وخاصة في نجاحها في التخلص من الاستعمار وبناء نظم اقتصادية واجتماعية لشعوب متخلفة في ذلك الحين،مما جعل انقلابيي 1952 في مصر يركبون وبدون وعي كافي لتلك الموجة الكاسحة،وكانت النتيجة انهم حققوا نجاحا منقطع النظير في دعاياتهم المختلفة واسست لهم دولة بوليسية قوية ونفوذ قوي في خارج البلاد،ولكن مع فشل اقتصادي كامل في الداخل!،ولذلك يمكن لنا استنتاج ظاهرة واضحة جدا في النظام العسكري الحاكم منذ 1952 وهي انه يحمل نفوذا سياسيا قويا في داخل البلاد وخارجه،وفي نفس المقابل انه ضعيف جدا من الناحية الاقتصادية والتي تؤدي بالنتيجة الى ضعف عسكري وتناحر اجتماعي قوي لايستطيع الصمود امام متطلبات النفوذ السياسي وخاصة الظهور بمظهر دولة اقليمية قوية دون الوصول الى مرحلة الادعاء الكامل بانها واحدة من الدول الكبرى في العالم!،لايتم ذلك الا بطلب المعونة من الخارج وما يخلقه ذلك الاستجداء الخارجي من تبعية مذلة تتناقض كليا سواء مع مبادئ الانقلاب الرئيسية في الاستقلال الكامل او الظهور بمظهر الدولة الاقليمية الكبيرة!،ولذلك فأن المبدأين السابقين والمتمثلين بالقضاء على الاقطاع ورأس المال لم يتحققا الان من خلال رؤية حالات العجز الغذائي الكبير الذي تعانيه مصر مما يفرض على الدول الكبرى ولحالات انسانية مساعدتها بتصدير الغذاء لها سواء بأسعار زهيدة او مجانا،مع وجود اقطاع مقنع بغلاف لايمكن ستر عيوبه وطبيعته امام الاخرين،اما في جهة القضاء على رأس المال،فأنه لم يكن فقط عامل طرد للاستثمارات الاجنبية فقط،بل قضى على رغبة الكثيرين في بناء رأس مال يطمئن لوجوده وبقائه فضلا عن استمرارية نموه مستقبلا،ولذلك فأن الاشتراكية وفقط تلك الطريقة الهوجاء الغبية ليست فقط حققت الفقر للمجتمع والاتكال على الدولة،بل جعلت الكثيرين يترددون في كره النظامين الاقتصاديين الرئيسيين في العالم دون ان يجدوا البديل الملائم له لتسيير العجلة الاقتصادية للبلد.
واذكر هنا في احصائية قديمة حول دخل الفرد المصري عام 1966 وكان حوالي 160 دولار وفي حينها كان دخل الفرد الاسرائيلي عشرة اضعاف اي ان الناتج القومي لمصر مساوي لاسرائيل التي يشكل سكانها نسبة 10% من سكان مصر!!وهذه النتيجة لم تتغير منذ تلك الفترة ولحد الان رغم مرور اكثر من اربع عقود من الحكم!.وبعد الفشل الذريع لسياسة الدولة الاشتراكية نتيجة للرعونة في التطبيق والضجيج الاعلامي المصاحب لها،تحولت وبأشارة من الرئيس ايضا عام 1974 نحو الاتجاه الرأسمالي وايضا بدون تخطيط او السير بخطوات تدريجية،ولذلك جاءت الفوضى الاقتصادية مع استشراء الفساد في اجهزة الدولة،وتشكلت طبقة من الاغنياء بطريقة غير شرعية استمدتها من مراكز القوى المختلفة ولكن هذه المرة بثراء اكبر يقابله في الجهة الاخرى فقر شديد للاغلبية الساحقة الحانقة على هكذا نظام استبدادي يتجه بالبلاد من جهة اليسار الى اليمين بدون دراسة او اخذ رأي الشعب،ومنذ ذلك التغيير ومصر تتربع على قائمة الدول الاكثر فسادا نتيجة لانتشاره على نطاق واسع في جميع اجهزة الدولة.
واخذت تلك الحالة تخف قليلا بعد اغتيال السادات عام 1981 حيث اخذ النظام يسير بخطى اكثر بطئا في قراراته المصيرية،حتى بداية عقد التسعينات حيث اخذت الحالة ترجع الى عهد السبعينات في ازدياد الفساد ونشوء طبقات طفيلية ثرية تستغل حالات الفساد في الدولة في بناء كيانها الاقتصادي الغير منتج بالتأكيد،ولم يصاحب ذلك اي تغير في تحسن الحالة الاقتصادية للغالبية العظمى،ومازالت لحد الان مصر مدرجة في اسفل القائمة في اغلبية التصنيفات الاقتصادية والاجتماعية،حتى انها مدرجة خلف دول كثيرة يقل عدد سكانها عن مصر في التصدير والاستيراد وكمية ونوعية الخدمات الاجتماعية والتعليمية والتكنولوجية وغيرها،ولا اظن ان نمو اقتصادي كبير ممكن ان يحدث في ظل ظروف مصر الراهنة حيث يصل الادخار المالي الى ما دون 10% من دخل الفرد بينما يزيد في سنغافورة على 52% او في الصين على 40%.

2009/05/03

لوحة

لوحة الفنان شهراد ملك فاضلي

اسطورة التغيير الفوقي - القسم الحادي والعشرون

4 - مصر:
اكبر بلد عربي من حيث عدد السكان(80 مليون)،محكوم بنظام عسكري استبدادي منذ عام 1952،حكمه منذ ذلك الحين اربعة ضباط عسكريين،كان الاول بسيطا ومحايدا لم يحكم سوى بالاسم،سرعان ما طرد على يد الثاني الذي كان قوميا يساريا وصل في عهده النفوذ المصري الى اقصى مداه في العالم العربي مع كثرة الهزائم المنكرة التي رافقت عهده!،حتى وصول الثالث الذي تحول الحكم في عهده الى اليمين مع انتهازية مفرطة وتنازلات كثيرة سحقت كل النفوذ المصري في الخارج حتى مقتله بعد ان تجاوز الحد،فتحول الحكم الى الاخير الذي اصبح ملكا بأمتياز وانتهازية مع كل من يدفع اكثر حتى استرجع بعضا من النفوذ الهش بفضل الظروف الموضوعية له مع اخذ احتياطاته في البقاء لاطول فترة حتى بدأ التحضير لابنه كي يخلفه!حتى كشف للجميع في السنوات الاخيرة هشاشة نظامه امام دول واحزاب صغيرة! والاستعراض التالي سوف يكون هنا لحكم الضباط الثلاث مع استبعاد الاول اللواء محمد نجيب .
قبل سيطرة العسكر على حكم مصر عام 1952،كانت البلاد محكومة بنظام ملكي دستوري وقبل ذلك كانت تابعة للدولة العثمانية كبقية البلاد العربية لعدة قرون.
سكنت مصر اقوام كثيرة وامتزجت دمائها بدماء المستوطنين الاوائل،الا ان النظرة القاصرة بقيت تعامل ذرية من جاء من خارج البلاد على انهم غرباء عن الوطن ويعود ذلك الى اسباب عديدة مشتركة لكافة شعوب الشرق الاوسط التي تعتقد ان لها فقط الحق في العيش على الارض التي يسكنون فيها مع ان الحال هو تنقل الشعوب والاقوام المختلفة في حركة هجرة كبرى وعلى نطاق عالمي على مدى التاريخ من مناطق غالبا ما تكون صعبة في ظروفها الطبيعية،وبعكس الحال في دول العالم الجديد التي اصبحت العولمة الحقيقية جزءا حقيقيا من حياتهم اليومية منذ عقود طويلة من الزمن بفعل بوتقة الانصهار التي حدثت هناك رغم ان الصبغة الانكلو سكسونية هي الغالبة.
الاسرة الحاكمة قبل انقلاب 1952 هي من ذرية الالباني محمد علي باشا،وهو الوالي العثماني،ولكن ظل الكثيرون ينظرون اليها على انها اسرة غير مصرية رغم مرور اجيال على اقامتها في مصر وتمصرها!.
كانت البلاد في اتحاد مع السودان(انتهى بعد الانقلاب!) وتعيش في ظل نظام ملكي دستوري تتغير فيه الوزارات بأستمرار ورغم الاستقلال عن بريطانيا الا ان النفوذ البريطاني في مصر كان له دورا رئيسيا في البلاد وكان يواجه معارضة شديدة من قبل الغالبية العظمى من الشعب وقواه السياسية المختلفة.
ورغم الحياة الدستورية الا ان نفوذ الملك كان واضحا رغم ما يمتاز به من فساد الا انه بالطبع لايقارن بالفساد والاستبداد اليوم!،ففي ذلك الوقت كان يعتبر الوضع السياسي والاقتصادي متطورا بقياس تلك الايام،رغم وجود نسبة عالية من الفقر والجهل الا ان الرأسمالية الوطنية والاجنبية كانت تقود الاقتصاد بطريقة شبه صحيحة الى حد ما وكان من الممكن تقويم اخطائها بعمل تشريعات وقوانين لحفظ الرأسمال الوطني والاستثمار الاجنبي الذي يحرك الاقتصاد الوطني رغم بعض السلبيات والتي تنشأ في الغالب من انعدام القوانين الرادعة للمفسدين،وشيوع حالة سيطرة رأس المال على الحياة السياسية مما يؤدي الى فساد السلطات الحاكمة بالطبع.
وكانت الحريات المتاحة هي من الاتساع ما يمكن القول بأنها تفوق الحريات الممنوحة الان وبعد مرور اكثر من عقود طويلة من الزمن سواء في مصر نفسها او في بلاد عربية اخرى!،وكانت البلاد تزخر بطاقات وطنية وكوادر ثقافية في غاية الاهمية،ولو اتيح الزمن لها لقيادة البلاد لكان من الممكن رؤية مصر الان دولة متقدمة سياسيا واقتصاديا ويكون لها وزن كبير في العالم،لكن الظروف الغير موضوعية هي التي جعلت احدى طبقات السلطة العليا وهي الجيش تقوم بعملية التغيير والتي جاءت النتائج بعكس الاهداف المعلنة لها،مما سبب الكوارث على البلاد التي مازالت تعاني منها الى الان والتي كان من الممكن توفير كل ذلك لو جرى التغيير بطريقة سلمية سواء من الطبقات العليا او من القاع.
تتحمل الاسرة الحاكمة جزءا كبيرا من المسؤولية في فساد الدولة وكان من الافضل عدم التدخل في الشؤون السياسية او في الحد من تصرفاتها الخاطئة،ولكن يمكن القول ان انهيار الحكم قد بدأ بعد عام 1948 وذلك بعد حرب فلسطين والتي اشتركت القوات المصرية فيها،والتي كانت الهزيمة مع الجيوش العربية الاخرى نتيجة للاسلحة الفاسدة المستخدمة وانعدام التخطيط والتنسيق وضعف القيادة وغيرها من الاسباب الاخرى التي جعلت شعوب العالم العربي تغلي من الداخل بسبب ما اعتبر، مسؤولية الانظمة العربية في الهزيمة بل وتأسيس دولة اسرائيل وكأن التاريخ يعيد نفسه الان حيث نفس المشاعر ولكن الانظمة العربية ساءت اكثر نحو الحضيض مع الاسف الشديد.
واخذت المعارضة السياسية للحكم تزداد بعد تلك الهزيمة،وبدلا من تتفهم السلطة ذلك،قامت بمواجهة تلك القوى السياسية بأجراءات عقابية سببت سقوط الكثير من الضحايا كان من الممكن تجنب ذلك بقليل من الحكمة والعقل والصبر،مما ادى الى عنف مضاد تمثل في اغتيال رئيس الوزراء النقراشي باشا نهاية 1948 وتولي خلفه ابراهيم عبد الهادي الذي بدأ عهده بمهمة انتقام وحشية شملت الكثير من الابرياء ضد حركة الاخوان المسلمون التي ينتمي اليها القاتل،وكانت النهاية المفجعة لزعيم الحركة الشيخ حسن البنا،وكثيرون اخرون بواسطة اجهزة النظام .
هذا بالاضافة بالطبع الى اسباب اخرى كثيرة لا يتسع المجال لذكرها،كل ذلك ادى نشوء تجمعات في الجيش الذي هو ذراع النظام الضاربة والتي ينتمي اليها بحكم عملها والانتماء اليها،عدد كبير من افراد الشعب الاخرين،وكانت قيادة ومكونات تلك التجمعات هي ضباط صغار قليلي الحكمة والصبر ومحدودية المستوى الفكري الذي يمنحهم مناعة كبيرة في اصدار القرارات الخاطئة والعشوائية،ولكن الجامع الاوحد بينهم كان الرغبة المشتركة في تغيير الواقع المتردي عن طريق تغيير النظام بالقوة وان كان عدم وجود رؤية واضحة ومشتركة لما بعد التغيير،وكان ما كان في حدوث انقلاب 23 يوليو(تموز) 1952 والذي كان خاليا من العنف حتى فوجئ الجميع بأنعدام المقاومة،وهي صفة كانت الانظمة السابقة تشترك بها،مما جعل الانظمة اللاحقة تأخذ احتياطاتها الامنية لها الى درجة تفوق المستوى الطبيعي بكثير مما سبب كوارث هائلة على الشعوب المختلفة وخاصة في الانفاق الهائل وشدة القمع وهذا ما نلاحظه في قلة الانقلابات والثورات في العقود القليلة الماضية رغم وجود الرغبة لدى قطاعات اكبر من الشعب!.
الغريب في الامر انه رغم مرور عقود طويلة من الزمن على ذلك الانقلاب الذي سبب الكثير من الهزائم والمآسي للشعب المصري،فأن عدد كبير منه ولاسباب مختلفة قد يكون اهمها خضوع الوعي بصورة لا ارادية للدعاية الاعلامية الحكومية في الصغر وتستمر حتى الكبر والانتقال الى حد القبر! في وصفها بالثورة،وهي كلمة كبيرة وتشتمل على معان اكبر واهداف سامية اعظم ويشترك في احداثها عدد كبير من الشعب،فلذلك لا يصح مطلقا وصف انقلاب عسكري صغير بالثورة وكان السبب الرئيسي في نجاحه الحظ وتساهل السلطات في امر في متابعة المتآمرين بل حتى لا يعلم بساعة وقوعه او حتى ببعض اهدافه بعض الانقلابيين المشاركين فيه!...ان التعبير الاكثر صوابية هو انقلاب 1952 العسكري،ولايحتاج المرء الى التخلص من بقايا الدعاية الفارغة وخاصة في اوصافها الزائفة،سوى الى جهد عقلي ومنطقي بسيط جدا في ربط الاحداث والنتائج!.

2009/04/30

الذات المنتهكة

الذات المنتهكة:
حكمت محكمة كويتية بسجن امرأة عربية من فئة البدون وتحمل الجنسية الاسترالية لمدة عامين بالسجن بتهمة المس بالذات الاميرية!...
وفي تفاصيل الخبر انها كانت في زيارة للكويت وفي المطار منعت مع عائلتها من الدخول،وحسب قول من يعرفها انها امرأة ملتزمة جدا مع بقية افراد عائلتها وان احد رجال الامن اساء اليها وردت عليه دون ان تمس الامير!...

في الحقيقة ان رجال الامن في اغلبية المطارات العربية وكذلك في اغلبية مراكز الحدود،هم على درجة عالية من سوء الاخلاق والوقاحة الى درجة تجعل المسافر يندم كثيرا على زيارة البلد!...والغريب في الامر ان هؤلاء يمثلون البلد وفي الواجهة والمفروض ان يكونوا على اعلى درجات الادب واللياقة والدبلوماسية في التعامل كما هو موجود في اغلبية مطارات الدول الغربية على سبيل المثال،وكذلك يجب ان يكونوا على درجة عالية من الثقافة والمهنية حتى يسهل عليهم التعامل مع الزوار وخاصة مساعدتهم في ظروف يحتاجون الى من يخفف عنهم المعاناة والتعب الناتج من السفر...والاكثر غرابة ان هؤلاء الرجال حتى وان تمت مراقبتهم فأنهم لايعاقبون على سوء تصرفاتهم او لا يجدون من يحد من تلك التصرفات الخاطئة!،وبذلك تتحمل السلطات العليا مسؤولية سوء تصرفات هؤلاء وايضا منع الزوار من زيارة البلد مرة اخرى،مما يعني حرمان الاقتصاد من مورد هام.
وتشتهر دول عربية كثيرة في سوء تصرف رجال الامن وتقف مصر والاردن في المقدمة،بينما تقف سوريا في مقدمة الدول التي يأخذ العاملين في المطارات ومراكز الحدود، رشاوى من المسافرين.
في هذه الحال ينبغي عدم تطبيق اي قوانين ما عدا التي تخل بالامن بحق المسافرين الذين يكونوا في حالة متعبة بعد سفر طويل وشاق مما يجعل اعصابهم تثور من تلك التصرفات الهوجاء لرجال ينبغي ان يساعدوهم في اكمال الاجراءات ،لا ان يخلقوا المتاعب والمشاكل لهم وبالتالي يتحملون المسؤولية كاملة في اي تصرف خاطيء من قبل المسافرين اذا كانت زيارتهم وما يحملون معهم من مواد،قانونية.
الشيء الاخر في حالة تلك السيدة وافراد عائلتها انها عاشت فترة طويلة في الكويت ولم تحمل جنسيتها مثل مئات الالاف من فئة البدون واجبرتها الظروف على الرحيل،بينما حصلت على الجنسية الاسترالية خلال فترة سنتين من الاقامة الدائمية،وبذلك تكون استراليا وبقية الدول الغربية قد ضربت لنا مثلا نموذجيا في الالتزام الاخلاقي والانساني تجاه اللاجئين والمهاجرين،مع العلم ان الجنسية الغربية هي اكثر قيمة بصورة مطلقة من جميع الجنسيات العربية!...
وفي المقابل لم تلتزم لادينيا ولا اخلاقيا ولا انسانيا ولا حتى جانب رابطة العروبة والقرابة العائلية،كل الدول العربية التي يتواجد فيها فئة البدون على اراضيها ،والذين يعيشون في تلك البلاد منذ عقود طويلة من الزمن.
ليست مشكلة البدون فقط هي التي تنتهك فيها كل الاعراف والمبادئ،بل هناك المجموعات الدينية والعرقية الكثيرة التي تعرضت ومازالت تتعرض لكل الانتهاكات المشينة لحقوقها،ولا ادري كيف يمكن ان تنزل الرحمة الالهية اذا كانت تلك الدول لا ترحم من في الارض!....وهنا الامثلة عديدة ليست فقط فئة البدون في دول الخليج ،بل فئات اخرى كثيرة تعيش حياة من الدرجة الثانية بالقياس الى حياة المجموعات الحاكمة وبصورة مشابهة لحياة البدون،مثل العراق قبل 2003 عندما طرد وقتل مئات الالاف من الشيعة والاكراد بحجج واهية ومختلفة،رغم انهم يعيشون في البلد منذ قرون طويلة!!...وسوريا حيث تنتهك حقوق الاكراد فيها،ومصر تنتهك حقوق الاقباط،والسودان الذي ينتهك حقوق الجنوبيين وسكان دارفور،ودول المغرب العربي التي تنتهك حقوق الاقلية الامازيغية...
الذات الالهية وذات الشعوب تنتهك وبالتالي ليس هنالك معنى من تطبيق هكذا قانون يميز الحاكم عن غيره ويشترك حتى الغرباء في التطبيق عليهم،ورغم ذلك تبقى الكويت افضل من بلاد عربية اخرى تطبق عقوبة الاعدام لمن ينتهك ذات الحاكم ولو بكلمة سيئة في حالة فقدان وعي،وحالاتهم مجهولة لا احد يعلم شيئا عنها....

لوحة الفنان مجيد اروري


في رحاب الشعر

في رحاب الشعر:
الشعر،وما الشعر؟...هي كلمات لاتختلف عن الكلمات المستخدمة في حياتنا اليومية،ولكن في تجميعها يكمن السحر...تصنع منه موسيقى تطرب النفوس والعقول وتمنح لها ولنا عالما يختلف عن عالمنا الذي نحياه...عالما خاليا من كل ما يعيق سعادتنا وبهجتنا وديمومة حياتنا...
ولكن هل منتجات هذه الصناعة الادبية بنفس الجودة؟وبنفس الديمومة؟...
الجواب ...كلا!...فهي صناعة أنسية لاتختلف عن بقية الصناعات الاخرى التي ينتجها الانسان،والتي تختلف جودتها بأختلاف المصدر...وهذا المصدر تكمن قوته في جودة ما ينتجه سواء من صناعات مادية أومعنوية،وهو سر اتقانه لها ،وكذلك في حجم المستهلكين لتلك المنتجات....هنا القراء والمتذوقين منهم....
والشعر كبقية العلوم والفنون والاداب...لايختلف عن البقية،سوى في كونه عالما يختلف عن العوالم الاخرى...
تذوق الشعر يختلف بأختلاف الاذواق،وكلما ازدادت قيمة الشعر،ازدادت بالنتيجة القيمة المعنوية للشاعر....
ومن المزايا التي يختلف بها الشعر عن بقية الاجناس الادبية ولو بدرجة اعلى احيانا،هو ان القصيدة الشعرية تبقى حية في النفوس ولاجيال عديدة ...بل تمتد الى عصور زمنية مختلفة،لا يجمع بينها سوى الانسان،بمشاعره واحاسيسه وتطلعاته واهدافه ورغباته والتي هي ثابته،والزمن مهما طال،فالاختلاف يكمن في النوعية ويبقى الاساس واحد،ثابت لايتغير...
قد نجد قصائد مر عليها الاف السنين،هي حية ومازال يتذوقها الكثيرون منا،لان معانيها وجودة كلماتها وماترمي اليه هي مستمرة رغم تعاقب الاجيال...
وفي المقابل نجد هنالك الكثير من النتاج الادبي ومنه الشعر حتى لو كان حديثا،ذو قيمة ضعيفة سرعان ما يبقى في بطون الموسوعات والكتب اذا كان محظوظا،دون ان يلتفت اليه احد من متذوقي الادب...
يبقى عالقا في الذاكرة،كنوز ادبية لاتقدر بقيمة مادية ابدا،ومنها قصائد شعرية يجود بها شعراء من مختلف العصور والبلدان...
وهنا احاول ذكر قصيدة باقية الاثر في الذاكرة ومجهولة ايضا،مع نبذة بسيطة عن الشاعر وابيه تعميما للفائدة...
قصيدة وشاعر واكبر معتقل سياسي في العالم:
في 8\4\1980 اعتقل نظام صدام،العلامة الفقيه السيد محمد صادق القزويني(1900-؟) في مدينة كربلاء المقدسة،وكان عمره آنذاك 80 عاما،حيث اقتيد ليلا بواسطة رجال الامن،حافيا وحاسر الرأس وبطريقة مهينة الى سجون البعث الفاشي الرهيبة،ولم يحترم النظام البائد كعادته،لا سنه ولا مكانته الدينية والعلمية،وبقي في السجون،ولغاية سقوط النظام عام 2003 لم يعرف عنه خلال تلك الفترة شيئا! ولحد الان يبقى مجهولا،وقد رآه بعض السجناء بعد مرور عدة سنوات على اعتقاله،اطلقت عليه منظمة العفو الدولية(اكبر سجين سياسي في العالم).
من ابرز انجاله العلامة السيد مرتضى القزويني(مواليد 1930)وهو عالم واديب مشهور،سكن في العراق والكويت وايران وامريكا،حتى عودته الى مدينته كربلاء بعد سقوط النظام عام 2003 بعد غياب 33 عاما،حيث يلقي محاضراته في الصحن الحسيني الشريف حول تفسير القرآن بأسلوب بسيط وسلس للعامة،وتنقل على قناة الانوار الفضائية،وله الكثير من المؤلفات القيمة....
قرأت قصيدته تلك في مجلة الموسم العدد(23-24)الصادرة عام 1995 في هولندا،وهي عبارة عن ابيات شعرية في غاية العذوبة،موجهة على شكل رسالة الى والده وبقية المعتقلين في سجون البعث المجرم،وهي في الحقيقة ابيات لكل المظلومين في العالم، وتتضمن مشاعر انسانية رقيقة من ابن فقد ابيه،وقد تأكدت من عدم وجود تلك الابيات التي تدخل ضمن ادب الفراق والحزن ، في شبكة الانترنت،فقررت اضافتها هنا حتى يقرأها ويتذوقها الجميع لعذوبتها...
أبي قد مضت فيك السنون طوالا- وانت تعاني قوة ونكالا
أبي يا سجينا ليس يوجد مثله – بأكبر سنا أو بأسوأ حالا
أبي لست ادري أنت حي فنرتجي – وهل أنت ميت لا تجيب سؤالا
وياغائبا عنا أهل لك عودة – فتسعد مكروبا وتنعم بالا
ففي اي سجن يا أبي أنت قابع – وفي أي ذنب حملوك وبالا؟
ومالك ذنب غير أنك مسلم – ترى طاعة الحزب العميل محالا
أبى الحكم الا أن يفوق بجرمه – وتنكيله أقسى الطغاة فعالا
فلم يرحموا الشبان والشيب لحظة – ولا نسوة راعوا ولا اطفالا
قد اضطهدوا شعب العراق وسددوا – اليهم بأنواع البلاء نصالا
فكم سفكوا منهم دماءا وعذبوا – نساءا وزجوا في السجون رجالا
وكم هتكوا الاعراض قسرا فأصبحت – بنات عذارى بالسفاح حبالى
فقتل وتعذيب وهدم منازل – وسجن وتنكيل بهم تتوالى
فهم بين مقتول وبين مشرد – وما بين أيتام وبين ثكالى
وطاغوتهم شر الطواغيت معدنا – وأقساهم قلبا وشر مثالا
وصدام شر الخلق لم يأتي مثله – ظلوم غشوم قد أساء فعالا
به عطش لم يرو الا من الدما – وحقد دفين فيه صال وجالا
فاي عميل دمر الشعب مثله – وأسرف قتلا فيهم وقتالا
اباد بلادا زاهرت بأهلها – وأحرق الآف القرى وأزالا
وعاث فسادا في البلاد فتارة – لايران قد شن القتال ضلالا
ويوما على ارض الكويت جيوشه – تشن حروبا داميات ثقالا
وقد خسر الحربين حتى تمزق ال – عراق فصالا كان قبل وصالا
وعادت بلاد الرافدين حصيدة – تفرق أهلوها جوى وهزالا
أغار عليه الخوف والجوع والعنا – وكانت لتزهو بهجة وجمالا
وفيها من الويلات ما لو توزعت – على الارض افنت ابحرا وجبالا
فيا أبي المظلوم قد شاب مفرقي – لحزنك حتى لا يروم زوالا
فأن كنت حيا كم تذوق مرارة – وتحمل الاما سنين طوالا
وأن كنت ميتا أن في الموت راحة – ولكن حزني في عزائك طالا
فكم من سجين بين اهلي وأسرتي – وكم من فقيد في السجون اطالا
الى الله أشكو حسرتي وتفجعي – وأستلهم السلوان منه تعالى
وأساله ان يأخذ الثأر عاجلا – ويترك بيت الظالمين تلالا
وأطلب منه أن يفرج همنا – ويبدل عن هذا الفراق وصالا



2009/04/25

الحرب التكفيرية

الحرب التكفيرية:
بمزيد من الحزن والالم الشديد، انعى وبدموع يوميا سقوط المئات من الشهداء والجرحى الابرياء في العراق وافغانستان وباكستان وبقية الدول الاخرى،بواسطة الحرب التكفيرية الارهابية التي تشنها العصابات التكفيرية الاجرامية والتي ثبت للجميع مدى جبنها ونذالتها في خوفها من اسرائيل والانظمة العربية الفاسدة التي تصدر اقذارها الى البلدان الثلاثة السالفة الذكر لتنظيف بلادهم من هؤلاء المعتوهين الذين وجدوا فرصتهم في تدهور الامن في تلك البلاد المنكوبة....
لم تبقى وسيلة قذرة تنم عن مدى انحطاط ووحشية هؤلاء،الا واستخدموها ضد الابرياء،فمن استخدام الحيوانات الى استخدام المجانين والمتخلفين عقليا،الى استخدام النساء وخاصة المراهقات،ثم وسيلتهم الاخيرة والمتمثلة بأستخدام الاطفال والمراهقين وبوسائل غاية في الخسة والنذالة من قبيل تخديرهم بحيث لايشعرون بما يقومون به،الى غسيل المخ والمستمر منذ ايام وعاظ السلاطين السلف امثال ابن حزم وابن تيمية وابن قيم الجوزية ومرورا بمحمد بن عبد الوهاب وذريته الى ابن باز والقرضاوي وابن جبرين وتابعهم الجاهل ابن لادن والاعور عمر الدجال والبقية الذين يواصلون عملية غسيل الادمغة بقذارتهم الفكرية،ومنتجين من الرعاع اجيال لايحصى عددهم لتدمير ما تبقى من الامة الاسلامية المنكوبة اساسا بسادة هؤلاء الوعاظ الجبناء الذين لم نرى منهم من يقول قول حق بوجه ظالم مستبد....
لقد اشتدت تلك الحرب في العقدين الاخرين مع ظهور وسائل الاعلام الحديثة التي اخرجت تلك الجراثيم البشرية من المستنقعات الآسنة بعد ان كانت في جحورها وكهوفها المتخلفة تنتظر الفرص المواتية للانقضاض على الضحايا الابرياء وبوسائل لم تخطر على شياطين الانس والجن....
ويمكرون ويمكر الله،والله خير الماكرين...
الخلود والمجد في الدنيا والاخرة لكل الضحايا الابرياء....
والخزي والعار في الدنيا والاخرة لكل الرعاع القتلة وشيوخهم التكفيريين .....

2009/04/24

اسطورة التغيير الفوقي -القسم العشرون

الحرب مع الغرب:
من اشهر صفات القذافي ونظامه هي الحرب ولو اعلاميا على الغرب،وهو في نفس الوقت كان يودع الاموال الليبية في البنوك الغربية مما يعني انه يدعم الاقتصاد الغربي من جهة ويحارب الغرب من جهة اخرى!رغم حالة الخطورة في المصادرة او التجميد كما حدث للارصدة الايرانية بعد الثورة عام 1979 وهو درس لم يستوعبه بعد غالبية الانظمة العربية،واستغل حالة التوازن في الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي في ان يكون في صدارة انظمة العرب (الثورية)،واخذ العداء بعدا عسكريا من خلال ضرب المصالح الغربية عن طريق دعم الاعمال الارهابية مثل التفجيرات ضد الاماكن العامة،او دعم بعض الحركات المسلحة مثل الجيش الجمهوري الايرلندي السري في صراعه ضد بريطانيا والتي انتهت به الى خيانة حليفه الثوري من خلال تسليم كل وثائق واماكن تواجد ذلك الجيش بعد فترة الحصار على ليبيا في محاولة تنعدم فيها مبادئ الفروسية للتقرب من الغرب عن طريق بيع حلفاء الامس!.
ولكن الرد الغربي لم يكن متساهلا معه فقد قصفت ليبيا بشدة بعد التفجيرات في المانيا عام 1986،ولم يكن الغرب مستعدا لحرب اقصى من الحصار الاقتصادي بسبب وجود الاتحاد السوفييتي السابق،ولكن الامر تطور بعد مشاركة اجهزة النظام المخابراتية في تفجير الطائرات المدنية سواء في لوكربي عام 1988 او الطائرة الفرنسية في عام 1989،مما ادى الى اتهام اجهزة النظام المباشرة بتلك العمليات الارهابية،فتطور الامر الى فرض حصار دولي شبه شامل عام 1992 ولم يقبل النظام تسليم اعوانه المتهمين الا في عام 1999 وبعد دفع تعويضات هائلة تقدر بالمليارات من خزينة الشعب الليبي المسكين لتصرفات طائشة واجرامية لاذنب له فيها،هذا بالاضافة الى خسائره من الحصار الطويل والذي لا يعرف لحد الان حجم الاضرار الناتجة منه.
وبعد عملية بيع المبادئ والتحول الى الجهة الغربية التي تميل الى المصالح الاقتصادية،اصبح القذافي الان رغم مشاكساته الكلامية المضحكة وخاصة في القمم العربية التي اصبحت تنقل على الهواء مباشرة بعد ان كان الجميع محرمون منها بسبب عدم وجود البث الفضائي،ولكن الان يشاهدها الناس بمئات الملايين في نفس اللحظة حتى يستمتعوا بكلماته وحركاته وتصرفاته الشاذة وكذلك بالاخرين المشابهين له والذين يستهزأ القذافي بهم الى ابعد حدود،وينتظرها الجميع كل عام في مسرحية فكاهية احد ابرز ابطالها القذافي الذي هو الان حليف جديد للغرب جرى تأديبه بعد عداء طويل الامد،الا ان ذلك التحول لم ينهي حالة ليبيا الشاذة بذلك النظام،فمازال القمع الوحشي وانتهاك حقوق الانسان يتم بصورة منظمة وعلى وتيرة مستمرة،ومازال الفساد ينخر بأجهزة الدولة والتي يتحول من موقف الى آخر حسب رغبة القذافي ونظرياته المختلفة!.
ولكن قمة الفساد والاستبداد قد وصل مع تقدم عمر ابناء القذافي الذين ولدوا بعد انقلابه الذي ازال الملكية الدستورية ليقيم ملكية غير دستورية!.
استغلت عائلة القذافي والعوائل الموالية له،سيطرة القذافي على الحكم بقوة،في ممارسة طغيانها على الشعب من خلال تسلمها المناصب الرسمية وترشيح الابناء لخلافة الديكتاتور واستغلال السلطة اسوأ استغلال من خلال الانفاق الضخم والاستمتاع بملذات الحياة الاخرى بصورة تدعوا الى اليأس من عودة هؤلاء الى رشدهم،وما الفضيحة الكبرى التي حصلت لاحد ابنائه وزوجته في سويسرا الا ادانة دولية لتصرف هؤلاء الرعاع حتى في خارج بلدانهم دون ادنى اكتراث لقوانين البلدان الاخرى وانظمتها المتشددة في معاملة الناس بسواسية.
الادهى في المشكلة هي اقحام الدولة الليبية في المشاكل التي تخلقها تلك الاسرة العبثية في اراضي الدول الاخرى في نادرة مخزية،فقد عوقبت سويسرا بسحب الاموال الليبية وفرض عقوبات اقتصادية عليها وكل ذلك لتطبيقها القانون السويسري على سوء سلوك ابناء القذافي داخل اراضيها والخاضعة لسيادتها(فكيف الاحوال تكون اذا داخل ليبيا نفسها!)،وبدون ادنى خجل او حياء امام الشعب الليبي الذي اقحمت دولته الشاذة في مسالة قضائية لاينبغي ان تتدخل اجهزة الحكومة الليبية فيها الا في حالات ضيقة جدا حتى تحافظ على الاقل امام العالم حتى في مظهر ولو مزيف يتسم بالعصرية واحترام القانون الدولي،بل واحترام الشعب الليبي نفسه الذي يعرف الحقائق.
لم تنتهي مشكلات عائلة القذافي عند هذا الحد،بل هي مستمرة على نفس المنوال في سلوكها المشين،ولكن الاكثر اشمئزاز وحسرة هو ان اولاده على نفس طبيعة الاب في التقلب في المواقف المختلفة في حياتهم او في سوء استخدامهم للسلطة،مما يعني انه اذا تولى الحكم احد ابنائه فأن الدولة سوف تسير بنفس المنهاج الشاذ الذي اوصلها الوالد الى هذا المستوى الوضيع بين الامم الى درجة ان يقوم الديكتاتور بسب شعبه علنيا ونعته بكلمات او اوصاف سيئة!.
الاكثر غرابة ان انقلاب 1969 هو بالاصل جرى لازالة نظام الملكية الدستورية،ولكن ما الذي جاء به القذافي؟!...الجواب بالطبع هو تحويل البلاد الى ملكية مستبدة ذات صبغة شمولية ومتخلفة،فقد استولت عائلته على الحكم،واولاده الذين ولدوا بعد انقلابه الهمجي،استولوا على مراكز الدولة الرئيسية واصبح لكل واحد منهم منصب هام ونفوذ قوي يقوم من خلاله بأدارة جزء من الدولة وبطريقة غير رسمية وتحت سمع وبصر الشعب الليبي الذي لايقوى على التغيير،مما يعني ان البلاد قد تحولت بالفعل الى ملكية قبلية وفي غاية التخلف! وهي نتيجة بائسة للتغيير الفوقي الذي كان للاسف الشديد نحو الاتجاه المعاكس(وهو الشائع من انقلابات التغيير الفوقي) اي الاكثر سوءا واستبدادا وتخلفا في عالم يتطور بسرعة نحو الامام ولا يرحم من يبقى في ذيل قائمة التطور والحضارة.
مظاهر الديكتاتورية والحل:
ديكتاتورية القذافي هي وحشية بلا شك،وتسلطه تلك العقود الطويلة من الزمن هو دليل على شدة تمسكه بالحكم واستخدامه لاسوأ الطرق والاساليب في المحافظة عليه،والبلاد تنتهك فيها حقوق الانسان على ابسط المستويات واعلاها،حتى ان العمل الرأسمالي المتراكم هو ممنوع في القانون بحج واهية!،ولا وجود للاعلام الحر نهائيا،والبلاد هي في اسفل قائمة الدول التي تقيد الحريات الصحفية والاعلامية من خلال جميع وسائلها المعروفة،والقمع الوحشي للمعارضين يتم بصورة مبرمجة منذ بداية انقلاب سبتمبر1969 الذي كانت من اهدافه هي الحرية نفسها!،واسوأ مظاهرها هي الاعدامات الوحشية والمقابر الجماعية التي ينتظر الكشف عنها بعد سقوط النظام بالطبع،واستغلاله المال العام أسوأ استغلال وتبذيره واقامة مشاريع وهمية سواء اقتصادية او سياسية في داخل وخارج البلاد،كلف ليبيا الكثير من الاموال والجهود الضائعة،هذا بالاضافة الى الكثير من مظاهر الديكتاتوريات الشمولية الفاسدة والمروعة،وخاصة اشاعة الخوف والرعب والفساد في البلاد،والتي تحتاج البلاد الى جهود مضنية وطويلة الامد لازالتها،الاقتصاد لا احد يعرف اتجاهه هل هو اشتراكي ام رأسمالي،ورغم ذلك فهو في اسفل التطور اذا استثنينا النفط ،بالاضافة الى امور كثيرة اخرى...
اذن ماهو الحل:
من الصعب الاعتماد على طاقات الشعب الذاتية لازالة نظام في غاية الاستبداد الوحشي والتخلف مثل نظام القذافي،وبالتالي فأن اي محاولة في ظل حالة الخوف واليأس هي محكوم عليها بالفشل،وتبقى حالات شاذة وهي الانقلاب العسكري او الاغتيال امور من الممكن ان تنجح ولكن فرصها ضئيلة بسبب الاحتياط الحكومي لها،واذا نجحت ممكن ان تمنح البلاد فرصة اخرى للانطلاق نحو الحرية...
اما العامل الخارجي،فهو الاهم والاكثر قدرة على التغيير،وليس عيبا في ذلك كون عدد كبير من البلدان احتاجت اليه،بل قارة بأكملها مثل اوروبا احتاجت اليه خلال الحرب العالمية الثانية،وبالتالي هو عامل مهم تضاءلت اهميته مع الاسف الشديد بعد ان وصل الى القمة اثناء الحصار خلال فترة التسعينات،ولم تحشد المعارضة الليبية جهودها وتوحدها للاستفادة منه،مما ادى الى استغلال القذافي لصالحه نظرا لطول الفترة وتقديم التنازلات المتتابعة والتي ادت في النهاية الى شراء ذمم الكثير من الحكومات الغربية وخاصة في مجال النفط والاستثمارات،وادى ذلك الى عودة العلاقات الطبيعية مع القذافي ولكن ليست بأسس قوية وثابتة بل تخضع دوما لمزاجه المتقلب الدال على ضحالة التفكير والثقافة،وفي النهاية اصبح العامل الخارجي في التغيير من الضعف الى درجة يصعب على المتتابعين للمشهد السياسي الليبي التنبوء بحدوثه ولو في المستقبل القريب،فالنظام قد استفاد كثيرا من تجربته الطويلة في الحكم وهو متغلغل داخل صفوف الشعب من خلال اجهزته القمعية اليقظة لكل من تسول له نفسه في التعبير عن معارضته للنظام،ويبقى الامل حتى لو كان ضئيلا في كوادر الشعب الليبي العليا لاحداث التغيير المنشود والذي طال انتظاره..........

2009/04/23

اسطورة التغيير الفوقي -القسم التاسع عشر

وجاء ادخال البلاد في مغامرات عسكرية،نتيجة طبيعية للحكم الفردي الذي يخضع لرغبات حاكم يرغب في خلق امبراطورية يتزعمها،ولولا القدرات السكانية المحدودة لليبيا لادخل البلاد في مغامرات عديدة مثل صدام،ومن ضمن المغامرات العسكرية،حالة الاصطدام العسكري مع مصر التي تتفوق عليه بشكل واضح ولاشك فيه عام 1977 والتي سقط فيها بضع مئات من القتلى،ثم اتجه الى تشاد الجارة الجنوبية الفقيرة،وحاول انتزاع المنطقة الحدودية المتنازع عليها والمسماة خط اوزو،والتي نشبت حرب بين البلدين بين عامي 1980- 1987 والتي انتهت بأنتصار تشاد وهو البلد الفقير الضعيف!،وكانت الخسائر الليبية مروعة من حيث فقدان الاف القتلى والاسرى وكميات هائلة من الاسلحة المستولى عليها بالاضافة الى مليارات الدولارات،ثم في النهاية قبل النظام بالاحتكام الى محكمة العدل الدولية التي حكمت لصالح تشاد عام 1994!،وبالتالي فشلت اكبر مغامرة عسكرية للقذافي خارج البلاد وكان يأمل منها السيطرة على تشاد ثم ضمها الى ليبيا،فجاءت النتائج عكس توقعاته ولم ينفعه الانفاق العسكري الضخم في ردع جار ضعيف ممزق!.
اما الاجهزة الامنية فقد كانت بالدرجة الاولى موجهة ضد معارضيه في الداخل،ولحماية نظامه من الخارج،وهي من القوة والقسوة بحيث استطاعت حفظ نظامه خلال تلك الفترة الطويلة من التمزق والسقوط،وهي متماسكة نظرا لمراقبة القيادة لها ومواجهتها لعدو ضعيف وبصورة دائمة لايقوى حتى ان يطالب بتحديد صلاحياتها واعني به الشعب الليبي.
لم يكن نطاق عمل الاجهزة الامنية الليبية محصورا في الداخل الليبي بل تعداه الى خارج البلاد،من خلال تصفية المعارضين التي وصلت الى حد تسليح السفارات الليبية حتى تمارس المهام المناطة بها،ووصلت الذروة في اطلاق النار على المظاهرات من داخل السفارات في البلدان الغربية،وخاصة في بريطانيا عام 1984 وقتل خلالها شرطية بريطانية مما ادى الى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لفترة طويلة،ولكن تبقى اشهر صفات النظام القمعية هي في طريقته الشهيرة في خطف المعارضين وخاصة من البلاد العربية المجاورة المتحالفة معه في تلك الجرائم البشعة،ثم نقلهم بعد ذلك الى داخل ليبيا حيث المجهول الابدي!واشهر مثال على ذلك هو خطف المعارض الشهير منصور الكيخيا عام 1993 من داخل مصر وبعلم رأس النظام حسني مبارك!.
وخطف المعارضين توسع ليشمل المخالفين في الرأي من البلاد الاخرى،والتي لا سلطة ليبية على مواطنيها،وتبقى الحادثة الاشهر على ادانة هذا النظام الفاشي،هو خطف الامام موسى الصدر وزميليه الذين زاروا ليبيا بدعوة من رأس النظام نفسه بمناسبة ذكرى الانقلاب عام 1978 ! مما يعني انه حتى لم يحترم الضيافة للغرباء والذين يلبون دعوة زيارة البلاد،ولغاية الان لا احد يعلم مصير الامام وصاحبيه،سواء قتلهم بطرقه الوحشية المعروفة او مازالوا هم في السجون،وهي القضية الجنائية البارزة في ادانة القذافي على جرائمه البشعة.
خضعت السياسة الليبية الى توجهات القذافي المتقلبة منذ تسلمه السلطة عام 1969،وكان في البداية ناصري الهوى ولذلك كان يدعم عبد الناصر الذي رحل بعد العام الاول للانقلاب في عام 1970،مما ادى الى مجيء السادات الذي يختلف عن عبد الناصر في نهجه،مما ادى الى العداء الشديد مع القذافي وصل الى حد المناوشات الدموية الحدودية عام 1977.
ومن ابرز صفات القذافي هي رغبته العارمة في عمل وحدة اندماجية مع اي بلد عربي وطبعا بطريقة الوحدة الاستبدادية غير المدروسة والتي تكون بين رؤوس الانظمة دون ان يكون هنالك حظ للمشاركة الشعبية وممارساتها الديمقراطية والليبرالية،مما يعني فشلها المؤكد والحتمي في النهاية لان كل وحدة خارج نطاق الشعوب وتقبلها النفسي لها حتى يكون قبولها يستند على اسس متينة لا تهزها التغييرات في الحكم لدى مسؤولي القيادات الحاكمة،هي فاشلة بالتأكيد وفي حكم المنتحرة ولو بعد حين،ولذلك جاءت جميع محاولات القذافي للوحدة فاشلة وبطريقة مضحكة ايضا،فالوحدة الاولى كانت عام 1971 مع مصر وسوريا في ثلاثي فاشل لم يصمد طويلا،تبعه عام 1974 وحدة اسلامية مع نظام علماني يقوده بورقيبة يحارب الاسلام السياسي في تونس!وكانت النتيجة ان الوحدة لم تصمد سوى يوم واحد!.
والوحدة الاخرى مع بلد مجاور وممزق في افريقيا عام 1981 والتي عارضها الغرب لان تشاد كانت في حرب اهلية داخلية يدعم فريق منه ضد الفريق الاخر الموالي للقذافي،مما ادى الى سحب مشروعه بسرعة خوفا من الغرب!.
الوحدة الرابعة كانت مشروع دول الاتحاد المغاربي عام 1989 والذي كان يتوقع له الفشل الذريع بسبب الخلافات الحادة بين بلدانه وخاصة بين المغرب والجزائر،ثم جاء رد فعل دوله البارد تجاه دعم ليبيا اثناء فترة حصاره بعد ازمة لوكربي لتضغط على اطلاق رصاصة النهاية الحقيقية له.
اما المشروع الاخير وهو خرافي بأمتياز هو الوحدة الافريقية،وهو الاتجاه الاخير له بعد تجاهل العالم العربي له ولمشاريعه المختلفة،فتوجه منذ عام 1999 الى افريقيا في محاولة لخلق نظام اتحادي على غرار الاتحاد الاوروبي ولكن تحت قيادته الحكيمة!،ولكن نظرا لاختلاف الدول الافريقية وصراعاتها الداخلية والخارجية وسيطرة الاستبداد والفساد والتخلف على معظم دوله،لا احد يتوقع نجاح ذلك المشروع الخيالي حتى لو بعد قرن من الزمان فكيف الان والقذافي ينفق من الاموال الضخمة لانجاحه،وهو دليل ليس فقط على سذاجته وتخلفه وتهوره،بل على انعدام المسؤولية وضحالة التفكير.
يمكن ملاحظة سياسة النظام المتقلبة من خلال تحالفه مع دول اليسار العربي وهي سوريا والجزائر واليمن في فترة السبعينات،ثم محاولة تقربه من الثورة الايرانية بعد نجاحها المدوي في عام 1979 للاستفادة من وجودها الثوري الكاسح في محاولة لتجديد صورة نظامه واعطائها صفة الثورية!،ولكن بقيت قضية الامام الصدر وصاحبيه المخطوفين،عائقا رئيسيا امام تقدم العلاقات التي ضعفت الى درجة تحوله عام 1987 الى اعادة علاقاته مع الشبيه في العالم العربي،اي صدام ونظامه الذي كان في حرب شرسة ضد ايران حينها.
ومن المفارقات هي تدخله المباشر في الحرب الاهلية اللبنانية خلال عقد السبعينات ضد الاحزاب اليمينية المسيحية ثم دعواته المتطرفة لتصفية الوجود المسيحي في لبنان ككل،وكان التدخل قد وصل الى حد الدعم بالمال والسلاح الذي لم ينفع سواء في انهاء الحرب او في حرب اسرائيل بعد ذلك وقد انتهى نفوذ القذافي الى ادنى مستوى منذ خطف الامام الصدر وصاحبيه عام 1978 ومنذ ذلك الحين والمسؤولون الليبيون يمتنعون عن زيارة لبنان بل ان القذافي نفسه لا يتجرأ على زيارة لبنان والقمة العربية التي عقدت عام 2002 كانت شاهدة على ذلك،كذلك استمر في تدخله في نزاعات الدول الافريقية الداخلية والتي لاتنتهي ابدا.
وخلال العقدين الاوليين للانقلاب حارب القذافي،الغرب وخاصة في المجال الاعلامي وتحالف مع الانظمة الشيوعية واليسارية في العالم ودعم الحركات السياسية اليسارية،ولكن من ايجابيات نظام القذافي هو مساندته للاقليات المسلمة في الفلبين وكمبوديا اثناء فترات الابادة والحرب ضدهما خلال فترة السبعينات،ودعم محادثات السلام مع حكومة الفلبين،كذلك ساند اقليات اخرى في بلاد يتعرض ابنائها للحصار والقمع،ولكن هذه المساعي الحميدة ضعفت منذ الحصار على ليبيا والتي قلصت نفوذها الخارجي بشكل كبير للغاية جعلها تتوقف في الدعم.
وكما هو معروف عن شذوذ القذافي في كل شيء،فقد خرج للعالم عام 1977 بنظريته الجديدة المخالفة للاتجاهين الرئيسيين الشيوعي والرأسمالي،وتضمن كتاب القذافي الاخضر خلاصة فكره والذي لم يعترف اي بلد في العالم به او حتى يقوم بتطبيقه ماعدا ليبيا الخاضعة لسيطرته والتي كانت مكانا مثاليا للتجارب عليه،وفي هذا النظام الغريب والعجيب،يدعو الى الغاء الدولة بصيغتها الجمهورية،واقامة سلطة المجالس الشعبية وتحت اسم الجماهيرية التي اصبح اسمها اطول اسم يعرف به بلد في العالم وينتهي بكلمة العظمى!،ومن مهازل النظام وفكره الشمولي انه الغى منصب رئيس الدولة مما يعني ان القذافي ليس رئيسا بعد ان تنازل عام 1979! بل حتى منصب الوزير انيطت مهامه بمجالس شعبية مفوضة،وهي بالحقيقة نفس الشكل السابق ولكن الاسم يختلف،اما انه ليس رئيسا فذلك لا يعتقد به اي انسان عاقل والا لنسي العالم اسمه منذ عام 1979 اذا كان لا يختلف عن اي مواطن آخر،ولكن تبقى حالة القذافي من المهازل العربية المستمرة منذ قرون عديدة والتي لم نشاهد اي محاولة جادة للخروج من المأزق العربي منها.
وقد تتابعت الحالات الشاذة للقذافي في الكثير من اعماله ومنها الغاءه التقويم الهجري وانشاء تقويم جديد يستند على وفاة الرسول الاعظم(ص)ثم الخروج على المسلمين في الكثير من القضايا الفقهية،بأراء شاذة لاحصر لها ومن السهولة الحصول على بعضا منها من وسائل الاعلام من قبيل زيارة القدس بدلا من مكة المكرمة،ولكن اهملتها جميع الدول الاسلامية وشعوبها المنضوية تحت لوائها لمعرفتهم المسبقة بحجم ثقافته الضحلة .
ولم ينحصر الشذوذ والخروج عن المألوف في تلك القضايا بل تعداه الى تعامله مع الشعوب الاخرى،فكلما جاءت رغبته المخالفة لبلد ما قام بطرد مئات الالوف من المقيمين الذين لا ذنب لهم في المشاكل السياسية بلحظة مزاجية تنم عن فقدان لوازع ديني وانساني واخلاقي،بل وصل الامر الى طرد الفلسطينيين في عقد التسعينيات وهم بلا وطن او حتى حكومة في محاولة للضغط على العالم وخاصة الدول الاقليمية في دعاواه التنظيرية الفارغة لحل المشاكل الدولية من خلال طرد اناس ابرياء لاهم لهم سوى العمل البسيط في سبيل البقاء على قيد الحياة.

2009/04/22

اسطورة التغيير الفوقي -القسم الثامن عشر

3 - ليبيا:
من الدول العربية الواقعة في الشمال الافريقي،ذات حجم سكاني صغير(6.5مليون) ومساحة كبيرة اغلبها صحراء قاحلة،ولكنها تحتوى على ثروات طبيعية ضخمة.
محكومة بنظام استبدادي شمولي منذ عام 1969 وهو من اكثر الانظمة السياسية شذوذا في العالم ومن اكثرها تقلبا في المواقف السياسية التي تخضع لمزاج حاكم محدود الثقافة والفكر عصبي المزاج لايعرف له مذهب سياسي محدد،قضى اغلب عمره في الحكم وله قدره عالية على المرونة تجاه ما يهدد بقاءه في السلطة وتتمثل بقابلية عجيبة على التنازل عن المبادئ والقيم التي يدعيها ويحمل لوائها لفترة طويلة وبدون حياء او خجل ويعطي لتبرير ذلك حجج واهية يريد ان يقنع بها الاخرين على الاقل لتفسير تقلباته وخياراته .
لا احد يعرف نظاما مثل هذا النظام الغريب،الذي يختزن بداخله من التناقضات العجيبة ولايحميه منها الا القبضة الحديدية على الحكم،والتي تثير الاسى والحزن لنكبة ذلك الشعب به تلك الفترة الطويلة من الزمن والتي هي في الحقيقة خسارة زمنية لاتعوض نشأت بها اجيال خضعت لنظام محكم من الجهل والتجهيل وتحتاج الى فترة نقاهة طويلة ورعاية واهتمام اطول،كي تستعيد بعد ذلك وعيها لتمارس دورها الطبيعي في الحياة الحرة الكريمة.
استقلت ليبيا عام 1951،واصبحت ملكية دستورية يقودها الملك المسن ادريس السنوسي(1890-1983)وهو كبير ووريث الحركة الاصلاحية السنوسية ذات الطابع الديني الصوفي،وكان مؤمنا تقيا بعيدا عن المظاهر المعروفة عن الملوك العرب في الثراء والانغماس في الملذات الحياتية،بل بقي على طبيعته البسيطة قبل وخلال وبعد الحكم حتى وفاته.
كانت المملكة تنمو بطريقة هادئة نتيجة لاستقرارها السياسي وساعد اكتشاف النفط فيها عام 1959 في تطورها الاقتصادي السريع حيث كانت قبلها في حالة اقتصادية يرثى لها جراء الدمار الناتج من الحرب العالمية الثانية والتي وقعت على اراضيها،وكان تغيير الوزارات والمسؤولين يتم بصورة سلمية،وكانت متفوقة سياسيا حينها على العديد من الانظمة العربية الحالية من حيث نسبة المشاركة الشعبية وسلمية تداول السلطة ومحدودية الصلاحيات للملك.
ورغم القواعد الغربية على اراضيها والتي كانت تؤجر لهم في اتفاقيات سابقة على اكتشاف النفط لحماية البلاد من الاخطار،الا ان الدعم المادي الليبي الى المجهود الحربي العربي والقضية الفلسطينية كان في صدارة الدول العربية ولم يؤثر وجود القواعد الغربية على اراضيها على ذلك او في قراراتها السياسية.
في تلك الفترة كانت دول العالم الثالث وخاصة المستقلة حديثا،تمر بفترات من القلاقل السياسية والاجتماعية وساعد انتشار الافكار الثورية على شيوع الانقلابات والثورات والتمردات المختلفة في ظل بنى امنية وعسكرية ضعيفة،ولم تشذ ليبيا عن ذلك التي كان يوجد لديها جيش صغير لم يكن كافيا للدفاع عن البلاد المترامية الاطراف او فضلا عن النظام والامن في الداخل،مما جعل الاعتماد يكون على الحماية الغربية فضلا عن المال الاتي من تأجير القواعد العسكرية والتي يفيد الميزانية الصغيرة للبلاد،ولذلك وقع الانقلاب العسكري في الاول من سبتمبر(ايلول)1969 عن طريق مجموعة من الضباط الصغار في الرتبة والسن وكان الملازم اول معمر القذافي احدهم وعمره حينذاك 27! وكان بالطبع قليل الثقافة والدراية والحكمة كبقية زملائه وهي صفات ادت الى كوارث على البلاد فيما بعد!.
استغل الانقلابيون وجود الملك المسن في الخارج في رحلة علاج طويلة،وهي من الفرص النادرة التي تحدث للانقلابيين في شتى البقاع للقيام بمؤامراتهم للسيطرة على الحكم،كذلك ساعدت حظوظهم في عدم وجود مقاومة ذات شأن من قبل السلطات وعدم تدخل القوات الاجنبية،مما ادى الى شيوع الكثير من الشبهات والظنون على ذلك الانقلاب المريب وطريقة التخطيط والتنفيذ،ترقى الى جهة الاتهامات والتي فضحها عدد من المشاركين الذين اما هربوا من التصفيات الداخلية او من جراء تأنيب الضمير،فهذا الانقلاب حاول ان يمنح لنفسه صفة الوطنية من خلال انهاء وجود القواعد الاجنبية والتي كان من المقدر ان تنتهي عقود التأجير بعد اقل من سنة ونصف!مما يعني عدم وجود اي داع لانهاء عملها او لعمل ضجة اعلامية مكثفة حول اخراجها من البلاد!.
سيطر الملازم اول القذافي بعد فترة قصيرة على الحكم،ومنح نفسه رتبة العقيد التي يحتاج لها سنين طويلة من الدراسة والتدريب والعمل لكي يصل اليها،كما منح مساعديه واعوانه رتب عالية وبالطبع اقل منه حتى يضمن له السيطرة على البلاد من خلالهم وهي وسيلة يعتاد عليها الحكام الجدد في كل مكان وزمان.
بدأ نظام الحكم الجديد عمله كما هو معروف في الانقلابات التي تنجح في تسلم الحكم،في تنفيذ مراحل تثبيت سلطتها التي تكون دموية في الغالب من خلال البدء في المرحلة الاولى المتمثلة بتصفية اركان النظام السابق،ثم تتحول الى المرحلة الثانية وهي التصفيات الداخلية بين القائمين على نجاح الانقلاب نفسه! والتي تنتهي عادة بسيطرة العنصر الاكثر والاسرع استخدما لعناصر القوة والخبث والسرعة في الغدر والخيانة واستمالة الموالين والمترددين.
ولذلك لم يتأخر القذافي وزمرته في دمج المرحلتين بسرعة كبيرة،مما جعل تصفيات اركان النظام السابق تتزامن مع تصفية المنافسين له من الانقلابيين،وكانت التصفيات من القسوة جعل البلاد بعد ذلك تخضع للارهاب الحكومي المنظم ومازال الارهاب على شدته بنفس القسوة التي بدأ بها والتي يستحيل تصور نجاح ثورة شعبية او انقلاب مادام الخوف يسيطر على الاغلبية الصامتة،وطريقة الارهاب ليست سرية،بل علنية ويعرفها الجميع ان تكون رادع للذين يحاولون تغيير الاوضاع،او تجعل المستضعفين يسيرون بطريق حياتهم وعيونهم الى الاسفل دون الالتفات الى الوراء او النظر الى الامام لرؤية من يقودهم!.
خلال اربعة عقود من حكم القذافي والتي وصلت ايرادات البلاد النفطية الى ارقام فلكية تزيد في تقديري على 600 مليار دولار لشعب وصل تعداده الى مايزيد عن 6 ملايين،كان من المفروض لو انفقت بطريقة علمية مسؤولة ان تجعل البلاد متقدمة اقتصاديا ويكون لديها فائض مالي هائل،وهذا امامنا نموذج النرويج التي يصل عدد سكانه الى 4.8 مليون والذي بدأ انتاجه النفطي من بحر الشمال،منتصف السبعينات من القرن الماضي،ولكن نظرا لوجود حكومات ديمقراطية منتخبة،تحرص على مصالح شعبها وتنفق بعقلانية،ومع محدودية مواردها النفطية بالمقارنة مع ليبيا التي تمتلك من الاحتياطي الضخم(42 مليار برميل بالمقارنة 10 مليار للنرويج) وانتاج قليل الكلفة وجودة عالية لنوعية النفط ومنذ فترة اطول،نرى ان النرويج وصل دخل الفرد فيها الى حوالي 102 الف دولار عام 2008 وفق تقديرات التقرير السنوي لوكالة الاستخبارات المركزية الامريكية والمنظمات الدولية الاخرى،بينما وصل في ليبيا ولنفس العام الى 14 الف دولار دون نسيان ارتفاع اسعار النفط بشكل جنوني،ولولا ذلك لكان دخل الفرد اقل بكثير!،ومن هذه المقارنة البسيطة يمكن ملاحظة نتائج النظامين الديمقراطي والاستبدادي في البلدين واستبيان الافضل للشعبين،مع ملاحظة وجود الملكية الدستورية في النرويج.
مازالت ليبيا لحد الان تعتمد على الشركات الاجنبية في التنقيب والانتاج والتكرير،وبذلك تسقط دعاوى التأميم الفارغة والاعتماد على الذات،وكان من الممكن بناء قاعدة صناعية وعلمية متينة خلال تلك العقود تكون قادرة على ادارة مثلى للصناعة النفطية في البلاد،ومع ان الانتاج النفطي الليبي الحالي يفوق الحاجة المحلية بشكل كبير،الا انها خفضت الانتاج بشكل كبير بعد الوصول الى قمته في عام 1970،هذا بالاضافة الى عدم وجود تصنيع للنفط الخام والغاز الطبيعي الا بنسبة ضئيلة للغاية لاتتناسب مع ضخامة الانتاج وحاجة السوق العالمية،ولو وجدت لوفرت فوائض مالية للبلاد.
انشغل النظام الليبي الحالي في بناء اجهزة عسكرية وامنية منذ تسلمه الحكم،وانفق بسخاء كبير يصل حد التبذير على انشائها وتطويرها ولكن لم يصل بها الى حد القدرة الكاملة عن الدفاع عن البلاد!،نظرا لمحدودية عددها رغم امتلاكها لمعدات حديثة يفوق حاجتها البلاد الطبيعية او القدرة على الاستخدام،واذكر هنا الجنون في حمى شراء الاسلحة بعد ارتفاع اسعار النفط عام 1973 ومنها الطائرات التي لم تصل القدرة الليبية على تشغيل سوى ثلثها فقط!مما جعل المعدات بمرور الزمن تنتهي قدرتها وفعاليتها وتصبح خردة قديمة،وكان الاتجاه الاخر نحو اسلحة التدمير الشامل مثل الاسلحة الكيمياوية والبايولوجية والنووية والصواريخ بعيدة المدى،ولكن الامكانيات الليبية التقنية بقيت حائلا دون الاستفادة منها سواء في التشغيل او ردع الاخرين،وجاءت الرغبة في الخروج من الحصار الغربي عليها والخوف من تعرضها الى غزو مشابه للعراق، فقررالقذافي تدميرها بشكل كامل والغاء كافة البرامج الدفاعية بعد القبض على صدام ببضعة ايام فقط بل حتى تسليم كافة الوثائق وتدمير الصواريخ التي لاتخضع للمطالبة الغربية!،وكان يتوقع مكافئة كبيرة من الغرب على ذلك حتى انه دعا بطريقة مضحكة بلاد اخرى مثل ايران وكوريا الشمالية الى اقتفاء اثره،ولكن الاحباط له جاء سريعا نظرا لتجاهل الغرب مكافئته وقد اعترف بذلك!.

لوحة


الفنان الايراني مجيد اروري

2009/04/17

في الحالتين:تقهقر

في الحالتين:تقهقر
كلما ظهر بصيص من الامل يعيد البهجة والفرحة الى ابناء العالم العربي الذين اكلهم اليأس والقنوط من تغير الواقع المزري في الحياة السياسية،كلما خرجت خفافيش الليل مسلحة بأنياب قاتلة ومخيفة لترجع الامل الى بطون الكتب ودواخل القلوب والعقول.
اعادة انتخاب الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في ابريل(نيسان)2009 وبنسبة 90%يضعنا امام تقهقر حقيقي في الحياة السياسية الجزائرية،وبالتالي ينعكس للحالة السياسية العربية ككل عندما اريد لها الخروج من المأزق الراهن ولو من بعض البوابات الايلة للسقوط.
وفي الحالتين،سواء اكانت الانتخابات نزيهة والنتيجة حقيقية ومقاربة للواقع،فهي دليل على ضعف الوعي الشعبي في اهمية الانتخابات والاختيار الحر،وبالتالي الاستهانة بخرق الدستور عندما اتيح اعادة ترشيح الرئيس للمرة الثالثة،مما يعني ان الشعب الجزائري لم يكن بمستوى المسؤولية عندما وافق ليس فقط على ترشيح شخص خرق الدستور ومواده التي تؤكد على عدم التدخل الحكومي فيه الا بعد طرحه للاستفتاء الشعبي،بالاضافة الى الفقرات التي تؤكد كبقية الدساتير في دول العالم المختلفة على حق الرئيس الترشح ثانية للمنصب ولمرة واحدة فقط،بل وانتخابه من جديد وهو الذي لم يحقق للبلاد ما تصبو اليه من تطلعات مشروعة.
والنسبة العالية للمتخلفين عن المشاركة في الانتخابات هو دليل على ضعف الوعي والمسؤولية في اختيار من الاصلح والاكثر كفاءة لتحمل المسؤولية الوطنية،وهذا يضعنا امام واقع عربي راهن في اليأس من التغيير وبالتالي تكون عدم المشاركة في الانتخابات هي الوسيلة الصامتة للاحتجاج على تردي الاوضاع وشيوع الفساد والانحطاط في المجتمع.
وفي الحالة الثانية ،وهي الاكثر قربا للحقيقة في حصول عمليات التلاعب والتزوير على نطاق واسع بحيث انسحب غالبية المرشحين من الترشح لمنصب الرئاسة! والتي سهلت على الرئيس الفوز بمنصب الرئاسة للمرة الثالثة،وهي نتيجة مروعة في هذا القرن الذي دخلت بوابته الكثير من البلدان المتخلفة الى عالم الديمقراطية والحرية واحترام الدستور،مما يعني ان الحاكم العربي وبأي وسيلة كانت في وصوله الى سدة الحكم،هو قادر على البقاء وخرق القانون والدستور،من خلال كل الوسائل المتاحة والغير شرعية بالطبع وهو قادر برعاية طبقة التصفيق الحاد وحلفاء المافيا العرب من البقاء في منصبه حتى وان كانت رجليه على حافة القبر!.
ما حصل في الجزائر هو تردي حقيقي للواقع السياسي العربي وتخلفه المثير للدهشة،وبالتالي خيبة امل للكثيرين الذين تمنوا ان تكون الجزائر احدى بوابات العرب لولوج القرن الحادي والعشرون،من خلال الخروج عن القواعد السياسية العربية الرئيسية المتمثلة بالاستبداد والفساد والتخلف،واحلال محلها مبادئ الامم الحرة في الحرية والعدالة والمساواة.
حتى في حالة فرض كون الرئيس الجزائري هو الافضل بين المرشحين او انه خلال فترته الرئاسية قد حقق الكثير من المنجزات(وهي خرافة واقعية)،فلم يكن هنالك اي داع الى اعادة انتخابه بهذه الطريقة المخجلة في اعادة كتابة الدستور لتحقيق رغبة رئيس في البقاء لاكثر من فترتين وهو بهذه السن المتقدمة الدالة على تمسك عجيب بكرسي زائل ومبادئ متهرئة لايدل على رجاحة عقل ووطنية تحترم الوطن واختيارات شعبه،كذلك حرمان الكثيرين ممن يصلحوا لهذا المنصب في البلد،هي بالتأكيد نتيجة محزنة كون ان البلاد العربية تحتاج الى اجيال عديدة للخروج من محنة التخلف وآفاته السامة .
الرئيس بوتفليقة هو احد نتاج الحكم الشمولي الاستبدادي الذي ساد في الجزائر بعد الاستقلال،وهو احد اركانه الرئيسيين،وخلال فترة حكمه التي دامت عشر سنين لحد الان،ورغم الوارادات المالية الضخمة التي جاءت من ارتفاع اسعار النفط والغاز في السوق العالمية،فمازالت الجزائر متخلفة كثيرا عن الكثير من البلدان التي تمتلك امكانيات اقتصادية اقل،ومن ملاحظة الواقع الاقتصادي المتردي والمتمثل في نسبة البطالة العالية جدا(12%)والاعتماد الكبير على النفط والغاز دون ايجاد بدائل حقيقية لهما(96%من الصادرات)والتخلف الكبير في كافة الميادين المرافقة رغم ان الاحتياطي النقدي فاق 140 مليار دولار والتي لا تنفقها الحكومة على تحسين الواقع الاقتصادي والخدمي وتنميتهما،نتوصل الى نتيجة مؤلمة هي ان الجزائر مازالت تشكل البلد العربي الثالث الذي لم تظهر عليه آثار نعم النفط والغاز،والبلدان الاخران هما العراق وليبيا.
كذلك مازال الفساد مستشري في البلاد والذي ينخر في جميع افرع الاقتصاد ويجعله نهبا لطبقة تعيش بدون وازع وطني او ديني او اخلاقي،تحميها طغمة عسكرية واجهزة امنية ارهابية تمارس اعمالا خارجة عن نطاق عملها المرسوم له في حماية البلاد وامنها من التحديات الداخلية والخارجية رغم الانفاق المالي الضخم عليهما.
الاحباط مستمر وفقدان الوعي بقيمة الزمن الضائع سمة العصر العربي الراهن الذي يغوص باعماق من الوحول المجهولة...

لوحة- مهرداد جمشيدي


اسطورة التغيير الفوقي - القسم السابع عشر

وقد برز التناقض في اقصى مداه بعد حرب الخليج الثالثة عام 2003م والتي اطاحت بنظام البعث في العراق،فقد هاجمت وسائل الاعلام القطرية ومنها الجزيرة التدخل الغربي في العراق والمعارضة العراقية في المنفى ودعت الى مقاومة الغزو،وفي نفس الوقت كان هجوم القوات الامريكية على العراق من خلال قاعدتيها الرئيسيتين في قطر!،في العيديد والسيلية، بل كان مركز القيادة الامريكية فيهما!نظرا لضخامتهما وتركز الاسلحة واجهزة القيادة فيهما ومن يدري فقد تستخدمهما امريكا ضد ايران التي تربطها مع قطر علاقات وثيقة(تناقض عجيب!).
واستمر التناقض بعد سقوط صدام في 9 نيسان 2003 من خلال الدعوة الى المقاومة،بل وتدخلت بشكل سافر في الشأن العراقي الداخلي من خلال دعم المتطرفين التكفيرين والبعثيين وخاصة عملياتهم الارهابية ضد ابناء الشعب العراقي الذي تنفس الصعداء برحيل عميد الطغاة الذي جثم على صدره لمايقارب الاربع عقود،ومنحت الجنسية واللجوء لعدد كبير من الارهابيين البعثيين في وقت كانت تمنع قبل ذلك من منح مجرد فيزا للعراقي البسيط!، وشنت حملة شعواء استهدفت بالدرجة الرئيسية الاغلبية الشيعية ثم الاقلية الكردية واتهامهما بشتى النعوت الفارغة الكاذبة وكان لوعاظ سلاطينها وعلى رأسهم القرضاوي نصيب كبيرفي تلك الحملات الاعلامية،بينما كان بالقرب منهم مراكز القوات الامريكية التي يتم عن طريقها ارسال الجنود والاسلحة الى العراق ومن السهل جدا مهاجمتها حتى لو كلاميا مما يؤدي الى احراج كبير لامريكا!!.
كان التعامل مع الغرب في السر ومهاجمته في العلن هي السياسة الوحيدة التي جمعت الانظمة الثورية العربية المزعومة مع الانظمة التقليدية المحافظة ومنها قطر،ولكن الخروج عن تلك القاعدة بشكل علني من خلال التعامل مع الغرب بصفة الحليف القوي والاستمرار في التهجم الاعلامي والدعوة الى المقاومة والمقاطعة والتحالف مع اليسار!،كانت من نصيب السياسة القطرية الجديدة المليئة بالمتناقضات المضحكة والمحرجة ايضا،فليس الشارع العربي من الغباء ان يكون اسيرا لاعلام كاذب وهو يرى وقائع بأم عينيه لاتحتاج الى ادلة مادامت موجودة في العلن وهي تناقض تلك الاكاذيب.
مازال العمل في سياسة التناقضات مستمرا وليس فقط على الواقع الاعلامي،فقطر تهاجم الاخرين في مجال حقوق الانسان،والداخل القطري مليئ بالانتهاكات السافرة لحقوق الانسان،فهي من جهة تبني اول كنيسة للمسيحيين في شبه الجزيرة العربية،الى المقيمين الاجانب على ارضها،وفي المقابل تحرم على الطائفة الشيعية الذين يشكلون نسبة 15% من سكانها ان يبنوا مراكزهم الدينية او حتى على الاقل يمارسوا طقوسهم الدينية البسيطة بحرية،ولذلك نجد ان عدد كبير يمارس الشعائر الدينية مثل الصلاة والطقوس الاخرى وفق المذهب الوهابي خوفا من الملاحقة او الاضطهاد او الحرمان من العمل وغيره وهي حالة شبيه في الدولة الوهابية الاولى المجاورة،السعودية!،وهذا ايضا يشمل حال المقيمين ايضا من الذين ينتسبون الى نفس المذهب،مما يجعلهم يمارسون التقية خوفا على مصادر رزقهم او حياتهم! ولكن لايترددون في انتاج اكاذيب حول الوضع الديني والمذهبي في البلاد المجاورة لهم،واذكر هنا تقرير الخارجية الامريكية حول ممارسة الحرية الدينية في الشرق الاوسط وجاءت فيه لبنان وسوريا والكويت متصدرة في الحرية الممنوحة ولم يتم ذكر قطر فيه او حتى حلفاء اخرين مثل مصر،بل وضعوا في خانة سوداء!.
كذلك سحبت الجنسية القطرية قبل سنوات من اكثر من 6 الاف مواطن بحجة انهم يحملون الجنسية السعودية او من اصول سعودية وهي سياسة بين الحين والاخر نسمع عنها في قطر او في دول الشرق الاوسط،بينما المعروف ان دول الخليج كبقية دول الشرق الاوسط تنتشر فيها نفس الاسر والقبائل نتيجة للتنقل والهجرة بين تلك البلاد وحتى البلاد الكبيرة المجاورة مثل العراق وبلاد الشام ومصر،ولكن توقفت الهجرة الى ادنى مستوياتها منذ بضعة عقود من الزمن ولذلك ليس غريبا عندما نرى وجود جنسيتين او عدم وجود جنسية في العائلة الواحدة فذلك شيء طبيعي وكل بلاد الدنيا تكونت من الهجرات البشرية الضخمة التي سوف تبقى مستمرة الى نهاية الدهر نتيجة للرغبة والفطرة الانسانية في النزوع نحو الافضل في كل شيء ومنها العيش والامان!...وهذه الحالة تمثل ايضا انتهاك صارخ لحقوق الانسان وخاصة نزع صفة المواطنة من مجموعات بشرية بهذا العدد الكبير في دولة عدد سكانها قليل جدا ،ولم نرى في قناتها الاعلامية الرئيسية مناقشة حول تلك القضية او قضايا اخرى مشابهة.
بينما في المقابل استمرت وسائل الاعلام فيها في مهاجمة الاخرين خاصة الذين يضطهدون الاقليات او التي تمارس الانتهاك السافر لحقوق الانسان وخاصة في حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية بصورة طبيعية،او التي تكون مصدر رئيسي لطرد مواطنيها الى خارج حدودها الدولية! ولا ادري تفسير لتلك الظاهرة الجديدة المتناقضة بشكل علني بين السياسة الداخلية والخارجية.
ومن تناقضات السياسة القطرية ان لديها تعامل مع اسرائيل وتقيم افضل العلاقات مع امريكا والغرب والزوار السياسيين الاسرائيليين بعضهم لديه تاريخ دموي صارخ مثل بيريز صاحب مجزرة قانا اللبنانية واستقبالهم الكريم استقبل بنفور لدى اغلبية الشعوب العربية،وفي المقابل تقيم علاقات جيدة مع ايران وسوريا وبقية المنظمات اللبنانية والفلسطينية الموالية لهما!،هذا مع وجود معارضة لدور مصر والسعودية بصورة رئيسية واللذان يقيمان علاقات جيدة ايضا مع الغرب! ولذلك نلاحظ استمرار الحرب الاعلامية بين الطرفين،ومن الغرائب ان تتفوق عليهما قطر في تلك الحرب،واعتقد ذلك ناتج من من شدة الاخطاء والسياسات الفاشلة للدولتين بالاضافة الى تدخلهما المستمر في البلاد الاخرى من خلال دعم مؤيديهما.
اما من ناحية السياسة الاقتصادية فقد بقيت على نفس المنوال ولكن بأنفتاحية اكثر من خلال دعم الاستثمار الخارجي ومحاولة منافسة موقع دبي في تصدرها في التجارة والاستثمار في الشرق الاوسط،ولكن تبقى السياسة النفطية والغازية دون تغيير من خلال الانتاج غير العقلاني لثروة وحيدة وناضبة وفوق احتياجات قطر الطبيعية بكثير. فالمعروف ان الاحتياطي النفطي القطري صغير الحجم(15 مليار برميل)ولكنها تمتلك ثالث اكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم(حوالي 900 تريليون قدم مكعب)،من خلال تقاسمها اضخم حقل للغاز في العالم مع ايران وهو حقل الشمال،وفي نفس الوقت تحاول الاستمرار في انتاج اكبر كمية ممكنة من النفط والغاز دون مراعاة وضع البلاد في المستقبل حيث لا وجود لموارد اخرى!،كذلك ان الفائض المالي الناتج منهما والذي يستثمر في الخارج وبالخصوص في الغرب،قد تعرض الى خسائر لم يكشف النقاب عنها كبقية الدول العربية خلال الازمة المالية العالمية الاخيرة،مما يجعل من الضروري الاعتماد على مصادر اخرى للدخل القومي والتخلي عن سياسة الانتاج الكارثية التي تناسب حجم دولة اكبر منها بكثير في عدد السكان.
لم اطلع على حجم المعارضة القطرية لتلك السياسات الخاطئة او المتناقضة خاصة الانتاج الغير واقعي للنفط والغاز،وهذا جزء من حالة انعدام الحريات في البلاد والتي تشكل حالة فريدة من نوعها لدولة صغيرة تحاول لعب دور رئيسي في المنطقة والعالم،وطرح نفسها كنموذج مثالي يمكن للاخرين الاقتداء به! ولكن تبقى تظهر بعض الهوامش الصغيرة من المعارضة التي لايمكن من خلال استخدام سياسة المال من اسكاتها خاصة في ظل ازدهار اقتصادي يعتمد في الاساس على الانتاج الهائل للثروة الهايدروكاربونية المقدر نضوبها خلال قرن من الزمن على ابعد تقدير!ولذلك فأن المعارضة هي قريبة للمعارضة في الدول الخليجية المجاورة التي يمكن اسكاتها بسياسة العصا والجزرة،ولكن الجزرة هنا تكون بكمية كبيرة تكفي لتمييع مواقف المعارضة وجعلها في حالة هامشية اقصى امكانياتها الحديث الهامس المتداول في الديوانيات البيتية! كما ان التقاليد البدوية والمحلية والانفاق المالي الضخم في شراء غضب الاخرين او تحسين حالتهم الاقتصادية في الخليج تحدد من امكانيات وتطلعات القوى المعارضة التي تبقى تنادي باصلاحات غالبا ما تكون شكلية او جزئية وبالتالي من النادر ان تجد معارضة خليجية تدعو الى تغيير جذري في الحكم ويكون لها برنامج حديث لبناء دولة عصرية تستند على قدرات شعبها بدلا من استدعاء العمالة الاجنبية واستغلالها بأوضاع مشينة.
وتبقى الاشارة الى بعض الايجابيات في السياسة القطرية والتي لايمكن للمرء نكراتها وهي طرح نفسها على شكل حكم محايد لحل النزاعات الاقليمية والدولية،وهو عمل تثنى عليه الدولة القطرية التي تساعد صفتها في كونها بلد صغير ليس له مصلحة في التدخل لصالح فئة دون آخرى وهي غير متوفرة لدى الدول الاقليمية الكبيرة في الشرق الاوسط،وقد ساعدها ذلك على حل المشكلة اللبنانية من خلال جمع الفرقاء فيها عام 2008 ومحاولتها حل ازمة دارفور بنفس الطريقة،هذا بالاضافة الى مشاكل اقليمية اخرى وحتى لو فشلت في ايجاد الحلول فذلك لايعود لها بل للاخرين المتحاورين على ارضها وتبقى محاولتها جهدا يشكر عليه بالطبع،وقد ادى كل ذلك الى تزايد النفوذ القطري وسحب البساط من الحليفين العجوزين(السعودية ومصر) اللذان غاضهما الدور القطري الذي اثبت هشاشة سياسة البلدين وضعفهما الواضح في رغم كونهما بلدين كبيرين لانها مرتكزة على اسس فوقية لايخضع النظام الاجتماعي في البلدين لها او حتى يستطيع ابداء الرأي حول جدواها،ولكن من ناحية اخرى اثبت ان للدول الصغيرة دور او نفوذ قد يتجاوز الكبار خاصة الذين يتمتعون بسياسة تخضع لمزاج الحاكم ورغبته المتغيرة،وليس كما هو حاصل في سياسة الدول الحرة التي تخضع لمؤسسات مختلفة ومن الصعب تغيير السياسة برغبة ومزاج ديكتاتور مستبد! بل تكون خاضعة لاجراءات طويلة.
التغيير الفوقي في قطر لايختلف عن الكثير من البلاد الاخرى،والتغيير الشكلي لايحل المشاكل الداخلية،ولا توفر الفوائض المالية اللجوء الآمن او ممكن ان تجلب افضل النظم السياسية والاجتماعية لانها ليست سلعة تباع وتشترى،بل انها قيم ومبادئ واسس انسانية تخضع لقوانين التطور الاجتماعي المعروف ببطئه وبخضوعه للرغبات الانسانية المتمثلة في الحرية والديمقراطية واحترام حق الانسان في الاختيار،وكل التفاف على ذلك مهما كانت طريقته محكوم عليها بالفشل سواء عاجلا ام آجلا،والتجارب الاخرى للدول المتقدمة يمكن الاستفادة منها في تطوير الاوضاع الداخلية لكل بلد والهامش الصغير في التغيير بين طرق النظم السياسية المختلفة هو يكون العادات والتقاليد الاجتماعية والتكوين الديني والمذهبي والعرقي لكل شعب واحترام الخصوصيات في ذلك بما يشترط عليها عدم التصادم مع الاخر ولكن الاساس يبقى هو العدالة واحترام حقوق الانسان والمساواة،ومنح الصلاحيات الواسعة لممثلي الشعب.

2009/04/13

اسطورة التغيير الفوقي -القسم السادس عشر

2- قطر:
من اكثر بلاد العرب أثارة وجدلا...وجدت فيها المتناقضات بشكل غير مسبوق خلال العقدين الاخيرين من الزمن!...
هو بلد صغير الحجم واقل بلاد العرب سكانا،لكنه يتعامل مع الاخرين بمنطق الدولة الكبرى التي لها مصالح في كل مكان تريد المحافظة عليها!...
تخالف وتصادق الاخرين في عدد كبير من القضايا المتناقضة في نفس الوقت!..
تدعو الاخرين الى توجهات حضارية وتمارس الضد منها في داخل سور بلادها!...
المكان الجغرافي لقطر هو على شكل شبه جزيرة صغيرة بشكل يشبه الاصبع الخارج من شبه الجزيرة العربية التي لا يختلف عن طبيعتها الجغرافية والديمغرافية من خلال الطبيعة الصحراوية القاسية ذات الصفة الحارة والشديدة الجفاف،وغالبية سكانها اصولهم من البدو الرحل الذين يتبعون المذهب الوهابي المتشدد المنتشر في بلاد نجد المجاورة.
كان عدد سكانها لايتجاوزون المائة الف نسمة عند الاستقلال عن بريطانيا عام 1971،ولكنهم كبقية الدول المجاورة ارتفع عدد سكانها بشكل كبير يفوق المعدلات الطبيعية جراء الهجرة من الخارج اليها فوصل عدد السكان الى الضعف بعد عقد من الزمن! مما يعني ان المعدل كان يزيد عن 7% بينما اقصى المعدلات الطبيعية المسجلة هو 3.5%،وهو ناتج من الطفرة النفطية التي غمرت منطقة الشرق الاوسط. تجاوز عدد سكانها حاجز 700 الف عام 2004،الا انه نتيجة للطفرة النفطية الهائلة بعد ذلك العام تضاعف عدد السكان الى 1.6مليون عام 2009 ! نتيجة للهجرة الخارجية وتبع ذلك انخفاض نسبة القطريين من 29% الى 15% وكل ذلك موجود في الاحصائيات الرسمية،والتي تشكل مشكلة بالغة الخطورة خاصة على صعيد الامن الوطني فيها،وهي لها فوائد واضرار جانبية ايضا...
يحكم قطر اسرة آل ثاني منذ منتصف القرن التاسع عشر،وكانت من المقرر ان تكون الامارة التاسعة في دولة الامارات الا ان المطالبة الايرانية بالبحرين ومحاولة قطر تزعم دولة الامارات التي جوبهت بالرفض من البقية،جعل في النهاية دولة الامارات تتشكل من سبع أمارات،واصبحت قطر دولة مستقلة.
منذ استقلالها عام 1971 جرى في قطر انقلابين ناجحين من قبل افراد الطبقة الفوقية الحاكمة،وكانت المحاولة الاولى عام 1972 من قبل الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني والد الامير الحالي وولي العهد حينها،ضد ابن عمه الامير الشيخ احمد بن علي الذي تنازل مجبرا له.
لم تجري تغييرات جذرية في السياسة الداخلية والخارجية بعد ذلك الانقلاب،وسارت البلاد في نموها الطبيعي كبقية دول الخليج الاخرى،ولكن بدون تحديث النظام السياسي الى مبادئ تستند الى الديمقراطية واحترام الحريات الفردية.
اما الانقلاب الثاني وهو الاكثر اثارة للجدل فقد كان في حزيران عام 1995 من قبل ابن الامير وولي عهده الشيخ حمد الذي استغل فترة وجود والده في خارج البلاد،فقام بأنقلابه مدعوما ببعض اجنحة الاسرة الحاكمة،والحجج كانت بالطبع هي لاغراض التجديد والتحديث،ولكن الاب المعزول بقي رافضا امارة ابنه وبقي في خارج البلاد،مدعوما ببعض المؤيدين الذين حاولوا ارجاع الامير المعزول من خلال محاولة انقلابية فاشلة جرى قمعها بقسوة.
في حالة قطر،جرت التغييرات الفوقية بمعزل عن القاعدة الشعبية ومشاركتها وبذلك فأن التغيير الجذري في الحكم لم يشعر به المواطن،وانما بقيت الامور على حالها ماعدا بعض التغييرات الشكلية التي عرفت بها عادة الانقلابات الفوقية.
تحسن الحالة الاقتصادية في البلاد يعود بالدرجة الاولى الى الانتاج الكبير للنفط والغاز الذي يفوق حاجة البلاد الفعلية نظرا لمحدودية عدد السكان،وبالتالي يؤدي الى عوائد نفطية ضخمة يستثمر الجزء الاكبر في خارج البلاد لان البيئة الاستثمارية في الداخل محدودة جدا،بالاضافة الى الانفاق الضخم على الخدمات ومشاريع البناء،مما يجعل البلاد باقية في اسر اقتصاد النفط والغاز لفترة طويلة قادمة رغم ان الانتاج بدأ منذ نصف قرن وهي فترة كافية للتنمية والخروج من قيود الاعتماد على مصدر واحد للدخل لايعرف احدا مدى استمراريته.
خلال الفترة بين 1972-1995 وهي التي حكمها الامير السابق بعد الانقلاب الاول،بقيت حالة الركود السياسي قائمة في سيطرة واضحة للامير واسرته الى درجة ان غالبية الاستثمارات الخارجية بأسمه وليست بأسم الحكومة القطرية او شعبها،وهي حالة مرعبة كشف الانقلاب الثاني عنها كأحد اسباب التغيير،خاصة في ظل هذا العصر الذي قيدت فيه مصاريف واملاك الاسر الحاكمة الى ادنى حد،كما انه رفض اجراء الانتخابات ومنح المزيد من الحريات السياسية كما نقل عنه ذلك (حسن العلوي) في احد مؤلفاته وكانت حجته الواهية له هي ان سكان البلاد قليلون فمن اين يأتي بالناخبين!! وهو منطق غريب ولا ادري كيف لم تأخذ به البلاد الديمقراطية الصغيرة الاخرى في العالم والتي بعضها اصغر كثيرا من دولة قطر! ،كذلك لم يخبرنا ايضا الامير السابق لماذا تطورت سياسيا البلاد الصغيرة التي خالفت رأيه الحكيم!،او من اين استمد تلك الفلسفة العجيبة في الحكم؟!.
بدأت حالة التمرد القطري على الواقع السياسي العربي في عهد الامير السابق خليفة وخاصة بعد خلاف قطر الحدودي مع البحرين والذي بقي الموقف العربي الرسمي الذي تتزعمه السعودية يميل اكثر نحو البحرين الاكثر موالاة لها،كذلك حدوث حالات النزاع الحدودي المسلح مع السعودية عام 1992 مما جعل الموقف القطري اكثر صلابة بوجه الطموحات السعودية في التمدد والهيمنة وتزعم دول الخليج الاخرى،وهو موقف اشتدت قوته بعد الانقلاب الثاني.
لم تجري خلال فترة حكمه تغييرات في التحالفات السياسية سواء مع الدول المجاورة او مع الدول الغربية،وكانت ايضا داعمة للمواقف الرسمية العربية اليمينية خاصة في الموقف المعارض للثورة الايرانية او التدخل السوفييتي في افغانستان بعد عام 1979،مع بقاء نفوذ المؤسسة الدينية الوهابية على اشده والتي تمثل في محاصرة التيار الليبرالي والقومي(حالة رجاء النقاش مثالا).
بعد انقلاب 1995 ضد الامير الوالد والذي اخذ حالة الاستغراب والاستهجان في تمرد الابن الاكبر ضد ابيه الذي بقي في الخارج مدعوم بالاموال الحكومية التي كانت في اغلبيتها مسجلة بأسمه والذي عارض طريقة العزل وحاول مع مؤيديه استرجاع الحكم حتى لو بنفس الطريقة الانقلابية،ولكن المحاولات فشلت جميعها،واصبحت البلاد تعيش حالة من الانفتاح على العالم الخارجي ولكن بنفس وسائل الاستبداد القديمة بأسلوب عصري جديد يتمثل في التغيير الشكلي!.
اخذت قطر تأخذ مكان في السياسة الاقليمية بأكبر من حجمها الطبيعي مما سبب لها وللاخرين الكثير من المشاكل كان من الممكن تجاوزها بأعتبارها دولة صغيرة الحجم ومن الضروري لها الاستمرار في البقاء على سياسة الحياد والابتعاد عن التدخل في صراعات الكبار والتي قد تأخذ اشكالا متطرفة في الحرب الباردة والساخنة في منطقة حساسة جدا مثل منطقة الشرق الاوسط ،ولكي تحافظ على حدودها في الخريطة السياسية واروع مثالين على ذلك سويسرا والنمسا ،ولكن الظاهر ان اللعب مع الكبار هي سياسة جديدة تمارسها قطر وعلى مختلف الاصعدة،مستغلة الحماية الغربية لها والتي لاتدوم الى الابد،بالنظر الى استحالة الثبات في المواقف السياسية كذلك ان جميع النظم في الشرق الاوسط جرى تكوينها من خلال التقسيم الاستعماري الغربي ولا يوجد اساس قوي متين لكل بلد يمكن ان يحميه من الزوال،لان النظم ديكتاتورية مستبدة تستغل اي فرصة للانقضاض على الجوار مادام الكل جرى تكوينه بنفس الطريقة فما المانع اذن من البقاء في حدود وهمية ثابتة لايعتقد بأحقيتها سوى المستفيدين منها وضعاف الوعي وجهاله.
التناقضات اخذت طابعا مثيرا خاصة بالنسبة للذين تهاجمهم السياسة القطرية،فبعد الحديث عن الانفتاح في كافة المجالات جرى اهمال الحديث عن الانفتاح السياسي الداخلي الذي بقي على ماهو عليه وبالتالي لم نرى حصول تغييرات جذرية في النظام السياسي الذي بقي قائما على نفس الاسس والاساليب القديمة،من حيث عدم وجود انتخابات عامة او وجود فصل للسلطات الثلاث او وجود السلطة الرابعة التي اخذت تشكل بعدا جديدا وصل الى قمة التناقضات القطرية من خلال تأسيس قناة الجزيرة الاخبارية عام 1996 وقنوات فضائية تابعة لها بالاضافة الى بقية وسائل الاعلام الاخرى من صحافة ومؤتمرات ومنتديات سياسية مختلفة يخصص اغلبها لمناقشة التطورات السياسية الخارجية وتحظى بدعاية اعلامية صاخبة،بينما في الواقع المحلي فمازالت قطر من اكثر تخلفا في الترتيب السنوي حول حرية الصحافة فيها،فقد جاءت قطر في ترتيب قائمة منظمة مراسلون بلا حدود المكونة من 169 بلدا في المرتبة 79 ! وهي مرتبة متأخرة تجعل المراقب يسخر من الدعاوى الفارغة لقناة الجزيرة حول وضع الاعلام والحريات في الدول الاخرى وهي مركزها في دولة مثل قطر مستوى الحرية الاعلامية متدن الى حدود مخزية،وهذا الامر ينطبق على السياسات الاخرى المتناقضة،فلطالما فاجئت وسائل الاعلام القطرية ومنها بالخصوص قناة الجزيرة الرأي العام العربي والعالمي في برامجها التي تهاجم الاخرين وسياساتهم المعادية لحقوق الانسان،وهم في نفس الوقت يتغافلون او يبتعدون عن الحديث عن الداخل القطري،وهذا التناقض اثير ولكن ليس بنفس حجم الهجمة الاعلامية القطرية على الاخرين.