إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2012/11/14

المغترب المخالف

المغترب المخالف:
استطاعت الامم المتقدمة ان تحرز الصدارة من خلال قبولها لمختلف التيارات الفكرية ضمن حدودها وبذلك نزعت عنها صفة العنف والتطرف والسرية من جهة ثم الاستفادة المادية والمعنوية من البنية المنهجية الجديدة التي تدعو اليها،وضربت بذلك مثلا طيبا في قبول الاخر ودمج مختلف الثقافات والقيم ضمن مجتمع واحد يخضع لقانون ثابت.
اصبحت تلك البلاد بعد ذلك الحلم الكبير والامل المنشود لاغلب المهاجرين واللاجئين اليها للخلاص من المعاناة التي يحيونها لمختلف الاسباب ومن بينهم من يحمل عقائد وافكار تعارض وبصورة جذرية اساسا بيئة الاغتراب بطريقة تثير الانتباه والحيرة وتدعو الى التساؤل وفق منهج النقد الذاتي!.
بعد شيوع حالة الاضطهاد لمختلف التيارات والمعتقدات في العالم العربي التي تخالف السلطة او المجتمع،نزح الى دول الغرب في البداية عدد كبير من الشيوعيون العرب اذا استثنينا حالة الليبراليين القريبين من الناحية الايديولوجيات السائدة في الغرب ثم تبعهم القوميون واخيرا الاسلاميون بمختلف اتجاهاتهم المتعارضة احيانا!.
لم يختار المهاجرون واللاجئون في الغالب،الدول التي ينتمون اليها فكريا وروحيا او يؤيدون خطها السياسي بطريقة او بأخرى وقد يكون العامل الاقتصادي هو الاكثر تأثيرا في الاختيار،ولكن الاغرب من ذلك هو استمرارية حالة التأييد بوتيرة اعلى من السابق بالرغم من ان الابتعاد عن تلك البلاد اخذ احيانا شكل الطرد او الابعاد  القسري وهو امر مثير من حالة شاملة تستحق المراجعة بغية الاستدراك والتصحيح!.
الاغلبية الساحقة منهم هاجرت الى دول بعيدة في الفكر والسلوك عن مكونات المحمول الذاتي،فالشيوعيون العرب على سبيل المثال لم يختاروا الهجرة بعد الاضطهاد الذي واجهوه في بلادهم او بعد انهيار الكتلة الشيوعية الى دول شيوعية صارمة في تطبيقها للفكر الماركسي في الغالب،من قبيل كوريا الشمالية وكوبا وفيتنام او دول الكتلة السوفيتية السابقة.
صحيح ان بعض هؤلاء ونتيجة لتأثيرات البيئة والزمن وسقوط المنظومة الشيوعية قد تحول بطريقة جذرية او نسبية نحو فكر ومنهج آخر،وهي حالة طبيعية تستدعيها حالة الدراسة والبحث والشك والتنقيب بغية الوصول الى اسلم وادق المناهج الفكرية التي تلائم الحياة الانسانية المعاصرة،ولكن القسم الاخر بقي صامدا بوجه التغييرات الفكرية والسياسية في العالم وقد يكون بعضهم على اقتناع بصواب النظرية وفشل التطبيقات الناتجة منها او يكون العناد الشخصي والتعصب الاعمى جزءا كبيرا من تقرير المصير وتحديد الهدف!...وليس من غريب ان نرى البعض يتجاهل الخروقات المروعة لحقوق الانسان التي وصلت الى درجة الابادة الجماعية لشعوب بأكملها وايضا الفشل الاقتصادي الذي رافق مختلف التجارب السابقة وضمن بيئات مختلفة بينما ينعم بحالة حماية حقوق الانسان والرفاه الاجتماعي من النظام الاخر!.
 والوضع مشابهة للقوميون العرب الذين رفضوا العيش ضمن دول عربية تدعي انها نظم قومية تقدمية وفضلوا الهجرة الى بلاد الاستعمار حسب وصف الادبيات الكلاسيكية لهم! ورغم حالة الفشل الذريع الذي صادف تجاربهم السياسية الا ان المراجعة في المهجر لم تكن كافية او ذات اهمية بالغة لاستعادة المبادرة على الاقل،والحال اكثر استغرابا مع الاسلاميون المتطرفون اذا استثنينا جانب المعتدلون ودعاة التعايش السلمي!..فهؤلاء لم يتركوا خيار الهجرة الى البلاد التي يؤيدونها او يوالون خطها الفكري فحسب بل ان بعضهم تركها هاربا من المعاناة الجديدة التي اضافت ابعادا جديدة من النفي والاضطهاد القسري الشامل والمتجدد!.
هذا الامر لا يقتصر على اتباع مذهب دون اخر،بل حتى الطائفيون المتعصبون واصحاب الثقافات المنغلقة لم يجدوا في البلاد التي يميلون اليها من ناحية الفكر والعقيدة،اي رغبة في العيش هناك حتى في حالة اذا سمحت الظروف لهم،وان كانت عوامل النفي والطرد بقيت موجودة عند تلك البلاد!.
هذا يعني ان تجاهل حالة الاختلاف مع طبيعة المجتمعات الغربية هو امر شائع لدى الاغلبية ممن يحملون افكارا ومبادئ وقيم قد تتناقض الى حد الرغبة في تدمير الاخر والقضاء عليه بشتى الطرق!.
قبول الاخر والتعايش معه بعد ان اثبتت التجارب نجاحه كان من المفروض ان يكون رأس حربة التغيير في المعتقدات الفكرية والسياسية،ولو تمت عملية الاضافة بالشكل الطبيعي لكانت عملية اعادة البناء الفكري وتقويمه قد اثمرت بشكل رائع واعطت لنا اضافات فكرية جديدة سوف تساعد البلاد الطاردة لابنائها في اعادة بناء ذاتها وفق احدث المتغيرات الدولية.
الاسباب الذاتية لكل فرد هي طاغية في منعه او منحه حالة التغيير واعادة التقييم، والتكوين الثقافي ومن ضمنه الخلفية الدينية والمذهبية والبيئة الاجتماعية عوامل رئيسية في التحكم بالمصير الشخصي،والقدرة على التحكم لن يكون بمقدور اي شخص ان يحصل عليه بسهولة ولكن في نفس الوقت ليس صعبا خاصة في ظل توفر الارادة الحرة والشجاعة الادبية.
المراجعة الذاتية واعادة تقييم التجارب السابقة سواء الفردية او الجماعية لم تكن بالمستوى المطلوب في حالة المغتربون لاسباب عقائدية،ولو كانت قد جرت بالشكل الطبيعي لتغيرت مساحات التأييد والرفض السائدتين وحلت محلهما ثقافة النقد والتحليل المنهجي وفق مستحدثات المكان والزمان...!


2012/10/27

عيد الاضحى المبارك لعام 1433-2012



عيد سعيد مبارك...
نبارك لكم حلول عيد الاضحى المبارك لعام 1433ه-2012
اعاده الله سبحانه وتعالى عليكم بالخير والبركة والرحمة والغفران...
تقبل الله اعمالكم وغفر ذنوبكم ورحم موتاكم وعفى عن تقصيركم
ودفع عنكم كل مكروه ...
نسأله تعالى ان يعم برحمته الامن والرحمة والبركة والسلام
على البشرية جمعاء...
انه سميع مجيب الدعاء...
اهديكم عطر الورد وألوانه...
وارسل جواب انتم عنوانه...

اهنيكم بمقدم العيد وايامه...

 



2012/10/23

في سياحة الكتب 16



في سياحة الكتب 16:
اصبح كشف الاسرار السياسية وغيرها وسيلة هامة ليس لكشف الفساد والرغبة في تغيير الواقع فحسب وانما ايضا وسيلة لاعادة كتابة التاريخ الحقيقي وتمييزه عن المزيف الذي ساد لحقب زمنية مختلفة،وبعد ان كان الانتظار طويلا لكشف تلك الاسرار،وقد تصل الفترة الزمنية الى قرون طويلة مما يجعل معايشة الفترة الزمنية امرا صعبا،اما الان فقد انكسر حاجزي الزمن والمكان الى درجة اصبح اللحاق وراء ذلك امرا بعيد المنال للغالبية العظمى من الراغبين في كشف خفايا واسرار السياسة الدولية!...ومن هذه المقدمة جاء استعراض كتاب اشهر موقع الكتروني لكشف الاسرار السياسية الدولية وهو ويكيليكس،الذي صمد بفضل داعميه بوجه اخطبوط الفساد والارهاب الدولي المستتر!.
تحليل المجتمعات المختلفة من الناحية الاجتماعية والنفسية امرا هاما لكشف تاريخ وخصائص ومقومات الحياة والسلوك الذي تتبعه،وقد صنف ودون المؤرخين والسياسين وغيرهم الكثير من المؤلفات حول تلك المواضيع الى درجة تدوين موسوعات كاملة،ولكن بقي الاثر التدويني لاصحاب الاختصاص من علماء الاجتماع والنفس دون الاول بسبب حداثة تلك العلوم من جهة وبسبب عدم البدء في التدوين الا في فترة متأخرة نسبيا الا في حالات منفردة سابقة،ولكن تبقى لتلك الكتب اهمية بالغة من حيث السرد والتحليل وفق آراء العلوم المتخصصة والتي لها القدرة على منحنا فرص جديدة لكشف اسرار الحياة والسلوك الانساني وأثر ذلك،ومن هنا جاء استعراض الكتاب الثاني.
الكتاب الاول:اسرار ويكيليكس...اكبر الفضائح في التاريخ
اعداد وتأليف مركز الدراسات والنشر في بيروت/لبنان،والكتاب حسب طبعة 2011 يتألف من 240ص من القطع المتوسط...
هذا الكتاب هو عرض سريع لاهم الوثائق التي سربت عبر موقع ويكيليكس الذي يديره الاعلامي والناشط المدني الاسترالي جوليان اسانج،حول العالم العربي ومحيطه،وقد قسمت الوثائق الى ثلاث اقسام:الاولى حول لبنان والثانية حول العرب والعالم والثالثة حول ويكيليكس بعيون اسرائيلية!.
موقع ويكيليكس الشهير يعمل فيه بضعة افراد متفرغون ولكن وراءه مئات العاملين الغير متفرغين وعشرات الملايين من المؤيدين في شتى انحاء العالم من المؤمنين بالقيم الليبرالية والانسانية والباحثين والحالمين عن عالم خال من الكواليس المظلمة والاقبية السرية لصناعة القرارات الدولية!.
اكثر من ربع مليون وثيقة امريكية سرية سربها جندي امريكي يعمل في بغداد عام 2010! وتحمل تلك الوثائق الهامة تواريخ قريبة جدا ولغاية اعتقال هذا الجندي في 26 مايو(آيار)2010 بعد ان كان الباحثين والمؤرخين والنشطاء السياسيين ينتظرون عقودا طويلة من الزمن حتى يسمح بنشر تلك الوثائق...لقد اصبحت كل الوثائق السرية في العالم تحت انظار الاخرين منذ بدء صدورها بسبب التقدم التكنولوجي الذي سمح لخبراء التقنية والمطلعين على دهاليز السياسة،على الاطلاع السريع ونشرها للعالم بسبب الرغبة في محاربة الفساد والانحراف وكل عمليات التضليل التي سادت العالم منذ الاف السنين والتي حاول الباحثون التنقيب عنها دون جدوى! فكم من معلومة مغلوطة مازالت سارية لحد الان بسبب القدم وضعف الوسائل العملية في نقل الحدث بالصورة والصوت وغيرها من الوسائل الشائعة في الوسائط الاعلامية المتجددة كل يوم!.
لقد اثبتت تلك الوثائق ماكان يعتقد به اغلب الناس من ان لا اخلاق سياسية في العالم ولا مبادئ وانما مجموعة من المصالح المتبادلة والنفاق الدبلوماسي!...لقد نبهت تلك الوثائق الجميع على هول الكوارث التي تحصل للشعوب من وراء ظهورها وتركت الدليل الثابت لم يريد الحق والعدل كما انقذت الكثيرين من المغفلين والسذج الذين يعيشون في متاهات مظلمة دون ان يبذلوا الجهود الذاتية للخروج من تلك الانفاق المرعبة!.
بذلت الانظمة العربية ومعها الهائمون بالمخططات الغربية،حملة كبرى لتكذيب الوثائق او تصحيح وتوضيح ما جاء بها!كما بدأت حملة دولية شاملة لخنق صوت ويكيليكس درءا للفضائح ولاتساع  رقعة الحريق،ومع شديد الاسف فأن بعض النخب فضلا عن البسطاء والسذج يتحدثون عن مؤامرة وثائقية خطيرة!وان تلك مزيفة او لا صحة لما جاء فيها لانه يخالف ما ترسب في عقولهم المهدورة! دون ان يبذلوا الجهود لمتابعة ما جاء بها من امور خطيرة تمس مصالحهم الفردية قبل غيرهم!.
لقد كشفت الوثائق الجهود الامريكية الكبيرة للتجسس على العالم بما في ذلك اصدقائهم!...كما كشفت ان الكثيرين من السياسيين العرب يعملون عملاء للغرب ضد مصالح شعوبهم وضد الدول الاخرى!...
كما ان تلك الوثائق اثبتت حوادث ووقائع وكذبت اخرى! الخ من الفوائد الكبيرة التي حصلت من هذا التسرب الوثائقي الخطير.
لقد استخف الكثيرون بقيمة تلك الوثائق! وهم بذلك يقفون على مسافة واحدة مع المفضوحين في تلك الوثائق والذين لم يقدموا مجرد توضيحات بل مارسوا نفس الادوار وبوقاحة غير متناهية!.
بالنسبة لما جاء في الكتاب،وحسب الشأن اللبناني لان الناشر من هناك! فقد كشفت الوثائق وضاعة ونذالة الكثيرين من الساسة في لبنان وبينت مدى وقاحتهم وخيانتهم لبلدهم وشعبهم عندما يقفوا مع اعدائهم ضد فريق آخر من بلدهم!بل طالب البعض بضرب المقاومة او التجسس عليها خدمة لاغراض سياسية آنية لا يمكن ان تعطي ادنى مبرر للقيام بتلك الادوار الدالة على خسة ونذالة لا يمكن تصورها من اناس يفترض به تقديم المصلحة الوطنية العليا على أية مصالح شخصية ضيقة!.
اما بالنسبة للشأن العربي فقد تصدرت الوثائق عن الانظمة الخليجية وبقية دول الاعتدال العربي كما توصف!كونها الاكثر قربا لامريكا وبالتالي التقاء المصالح المشتركة التي تزيل اي التباس يحصل للبسطاء ان العداء موجود بين الطرفين!.
لقد كان العلاقة مع ايران متصدرة في تلك الوثائق التي اكدت على طلب تلك الانظمة وبأسماء العديدين من الشخصيات البارزة في ضرورة ضرب ايران بالرغم من تريث امريكا لتلك الطلبات الغريبة لعلاقة جوار جغرافي بين اي بلاد في العالم!ولو كانت الولايات المتحدة محكومة بنظام استبدادي متخلف لما ترددت في تنفيذ تلك المطالبات الخيانية لعلاقة يفترض بها ان تكون متينة بسبب العوامل المشتركة!.
وبالنسبة للحالة في مصر فقد كشفت الوثائق مدى حقد نظام حسني مبارك على الفلسطينيين واستعداده لاي عمل يقوم به ضدهم حتى وان كان خلاف ادنى متطلبات وشروط الجوار والوطنية والدين!كما بينت بعضها طلب الديكتاتور المصري من امريكا ان تعين ديكتاتورا في العراق!.
لقد كانت تلك الوثائق احد العوامل الهامة في فضح الحكام العرب والاسراع في اشعال فتيل الثورات الشعبية ضدهم،لكن مع الاسف مازال التقييم الشعبي العربي دون المستوى المطلوب في العالم تجاه وثائق ويكيليكس التي لا يعرف قيمتها الا من كان باحثا عن الحقيقة والعدل والحرية والمعرفة الحقة!.
الكتاب جدير بالقراءة والاقتناء وهو مهم كوثائق تاريخية دامغة لا يمكن التشكيك بأغلب ماجاء بها!
الكتاب الثاني:
المجتمع العراقي...تحليل سيكوسوسيولوجي لما حدث ويحدث.
تأليف:د. قاسم حسين صالح،وهو مؤلف من 221 ص من القطع الكبير حسب طبعة لبنان عام2008.
المؤلف هو رئيس الجمعية النفسية العراقية،وله عدة مؤلفات هامة في اختصاصه العلمي،وكتابه هذا يتضمن بحوث ومقالات متعددة نشرها في الفترة بين 2003-2007 التي تميزت بسقوط النظام الديكتاتوري وبدء الصراع الطائفي الدموي الممول دوليا والذي كشف جزءا من طبيعة المجتمع العراقي،القريبة بطبيعة الحال لبعض المجتمعات العربية التي عاشت لقرون طويلة لظروف مشابهة سواء من ناحية الاستبداد او الصراعات الداخلية والاقليمية الى صراع البداوة والريف والمدينة والقبيلة والفرق الدينية والعرقية الخ.
لقد بدأ الصراع الداخلي بعد ان انهارت الدولة بسرعة فائقة دون ان يكون البديل جاهزا مما عزز ثقافة الاحتماء بالجماعة امرا حتميا بسبب الحاجة الى مصدر للقوة يستند عليها الفرد في ظل فراغ امني مروع استغله الارهاب الدولي كيف يفرغ شحناته المكبوتة بسبب التشدد الامني لدى اغلب دول الشرق الاوسط ماعدا العراق وافغانستان اللذان سقطا النظامين فيهما بفعل التدخل الخارجي.
كان تغير المعادلة السياسية في العراق امرا حتميا فضلا عن كونه يحدث لاول مرة وهو تحول الطائفة الحاكمة(السنة)والتي حكمت العراق لقرون طويلة الى المعارضة التي اتخذت طابعا دمويا عنيفا وتحول الاغلبية(الشيعة والاكراد وبقية الاقليات الاخرى)من المعارضة الدائمة الى الحكم،وقد صاحب هذا التغيير الجوهري تطورات عنيفة مازال المجتمع العراقي يعيش في ظلالها بسبب عدم قبول وتطبع البعض في المكان الجديد،وقد كانت تحليلات المؤلف صائبة ودقيقة في اغلب مضامين البحوث وهي قابلة للتكرار في دول اخرى تحكمها اقليات مع بعض الاختلافات البسيطة.
استعرض المؤلف ثقافة العنف وبخاصة تأثير الحروب الاقليمية الثلاث مع الحروب الداخلية مما ادى الى نشوء اجيال شابة لم تعرف الامن والسلام والحرية،والتي اثرت بصورة فعلية في السلوك الفردي والجماعي حتى اصبح العنف وسيلة مفضلة لدى نسبة عالية واختفى من وراء ذلك ثقافة التسامح والسلام التي تساعد على ديمومة العيش المشترك بين الطوائف المختلفة.
استعرض المؤلف بتحليل قيم اثر المصادر الثلاث على الفرد وهي:الاسرة والمدرسة والسلطة، واستخلص الى ان الاسرة العربية ولاسيما في الاوساط الفقيرة والمتدنية ثقافيا،تنشئ اطفالها على العقاب الجسدي والترهيب والتهديد والقهر والاذلال والسخرية وخلق الاحساس بالدونية الذي يفضي الى عقدة الشعور بالنقص ووأد حرية الرأي،وهذه التربية تبدأ بالام الى باقي افراد الاسرة!ومن هنا جاء اغلب المنحرفين والمجرمين والمتمردين على النظام والقانون من بين هؤلاء الاطفال!.
والنظام التربوي العربي بمؤسساته التعليمية تقوم على تكريس علاقات السلطة الخاصة بالنظام الابوي وتسعى الى الضبط الاجتماعي بدلا من توظيف الحرية المترتبة على المعرفة،فالتعليم يقوم على التلقين والحشو الذي ينتج عقلا فاقدا للفكر النقدي،من هنا نشأت عقولا تستقبل ولا تحاور!.
اما السلطة وهو مرض العرب المزمن منذ قرون طويلة،فقد كانت اقرب للتسلط منه الى الادارة،وابتعدت عن المفاهيم الفلسفية والدينية والاخلاقية كضرورة اجتماعية ونفسية من تنظيم امور المجتمع وتحقيق العدالة والمساواة بين الجميع،فيما حلت محلها معاني الظلم والقهر والاكراه والعنف والارهاب والابادة الخ! واصبحت من خلال ذلك تنفرد السلطة بالثروة والبذخ والترف السفيه.
اصبحت السلطة تعمق الاحساس بسلوكها المشين،مشاعر الاحباط،وساهم بعض رجال الدين في تعميق المأساة ليس فقط في دعم تلك الانظمة بل بتشجيع ثقافة العنف والجهاد بأستخدام اكثر الوسائل بشاعة تحت حجج واهية بغية الوصول الى السلطة!.
استعرض المؤلف في بحوثه دور اجهزة الدولة ذات العلاقة مثل وزارتي التربية والتعليم العالي في تأمين استراتيجية شاملة للصحة النفسية بغية اخراج المجتمع من الازمات التي يحيا في ظلها منذ عقود طويلة وهي جديرة بالاتباع والمناقشة تمهيدا لتطبيقها وفق احدث الاسس العلمية.
تضمن الكتاب بحوثا متعددة والبعض منها بعيدا عن العنوان الرئيسي ولكن الجامع هو المجتمع ككل وفق التحليل العلمي المتخصص،كما اشار في بحوثه الى تأثير المواهب والهوايات والرياضة والفن في جمع ابناء المجتمع وتوحيدهم بعد ان فرقت السلطة بينهم.
الكتاب قيم بلا شك وجدير بالقراءة والاقتناء كما انه وسيلة لمدخل علمي جديد لتحليل واقع المجتمعات وبخاصة العربية او الشرقية بأسلوب علمي متخصص يحاول الابتعاد عن التأثيرات الطائفية او السلطوية التي تتحكم عادة بالاثار التدوينية الاخرى.

2012/10/15

تجارب بلا عبر

تجارب بلا عبر:
دونت الذاكرة التاريخية،عددا كبيرا من التجارب العامة والتي كانت نتائجها مأساوية الى درجة مرعبة تجعل الانسان السوي والذي لديه ولو مقدار بسيط من الوعي النقدي والمبادئ الانسانية المتعارف عليها،ان يقف أمامها حائرا حول الدرجة المتدنية من المستوى البهيمي التي وصل اليها التطبيق دون ادنى مراعاة لابسط مقررات العقل والمنطق والانسانية بل وحتى احترام للمبادئ التي يدعون الانتساب اليها!.
لقد كان النتاج الانساني من النظريات والافكار هائلا والبعض منها وصل الى مرحلة التطبيق وظهرت النتائج المروعة له بينما اندثر الاخر دون ان يحضى بالتجربة للبرهان على دقته،ولكن الكارثة انه بقي عددا كبيرا متمسكا بالتي ثبت خطأها وبخاصة الذين لم تصل اليهم المرحلة التجريبية كي يعوا حقيقتها عن قرب ويكفوا عن الهراء المتواصل في اظهار التأييد العفوي او المرسوم!.
اذا كان الشيوعية بمختلف مدارسها قد تركت لنا تراثا ضخما من المآسي الانسانية لشعوب لا يجمع بينها رابط سوى الانسانية واصبحت كارهة لها بالرغم من سوء الادارة بعد سقوطها،فأن ذلك دلالة بسيطةعلى ان النظرية وتطبيقاتها المتعددة قد ثبت فشلها وبالتالي فأن التمسك بها سوف يكون عبثا الا في حالات استثنائية من قبيل الاستفادة العلمية من بعض استدلالاتها والتي لن يكون لها تأثيرا ايجابيا على البناء الفكري الجديد،ولكن الواقع يثبت ان مسألة الرفض المطلق وفق النقد العلمي الموضوعي هو امر مستبعد من خلال رؤية البقايا يناضلون في سبيل احياء ذلك التراث الاسود الذي لم ينتهي بفعل خارجي وانما بفعل النتائج المأساوية للتطبيقات المتعددة...نعم قد يكون النضال لاجل المبادئ الثابتة هو امرا مرغوبا على الدوام ولكن بفصلها عن الطرق التجريبية المدمرة.
هذا الامر لا ينطبق على الشيوعية كمذهب سياسي واقتصادي...الخ فقط بل ايضا على اغلب التجارب الاخرى،من قبيل الفاشية وبعض المدارس القومية وبخاصة في العالم العربي مثل البعثية والناصرية وايضا الممالك التي عمرت قرونا ومازالت تساير العصر بثوب جديد وبروح وأساليب قديمة بالية! وكذلك الفكر الديني المتطرف الذي يفسر الدين وفق مناهج اجتماعية او فكرية موروثة او حتى تأويلات ناتجة منها لاتراعي اتساع الدائرة الدينية للجميع.
الملاحظ ان اغلب المؤيدين والانصار هم من خارج دائرة التطبيق لان اثر الدعايات باق دون تغيير بالرغم من وضوح الصورة وبخاصة في العصر الحديث الذي كسر الحواجز والقيود بطرق تكنولوجية اكثر من رغبة فلسفية!...وكان من المؤمل ان الانفتاح سوف يؤدي الى تغيير القناعات الفردية والجماعية بسهولة اكبر،ولكن الواقع اظهر لنا استبيانات مروعة ناتجة من اسباب عديدة متباينة قد يكون من بينها الجهل والتخلف او الميول الذاتية والرغبات والنزعات التي لا تحصى ولا تعد والتي من الصعب كبح جماحها في ظل الظروف التي تناسبها.
الاعتقاد الذاتي اذا لم يكن مبنيا على اسس عقلانية واضحة فأن اسسه سوف تتهاوى وتسقط في ظل المنافسات الفكرية الشديدة التي لا تدع مجالا للتصحيح او اخذ الانفاس،والقوة المادية مهما كبرت وتجبرت فأن اسسها الفكرية تبقى واهنة وسوف تؤدي بها الى كوارث مؤجلة كما حدث في التاريخ المعاصر.
لقد ثبت من خلال التجارب الماضية ان سقوط النظم او تهاوي القوة المادية لن يؤدي الى انهيار البناء الفكري بشكل نهائي ولكن على المدى البعيد سوف يحولها الى نظريات وتجارب تاريخية تأخذ مكانها في المتحف للرؤية والعبرة!.
ان رؤية ملايين الضحايا والمعذبين وأثار الدمار المادي والمعنوي هو كاف للتطهر من الآثام التنظيرية التي لا تراعي كرامة الانسان وعقله وبخاصة ممن تعرضوا الى العذاب في المحافل التجريبية،كما ان التجارب الناجحة يجب ان تكون منارا لانتهاج وسائلها واحداث تغييرات طفيفة عليها،لان هامش الاختلاف يفرض ذلك حتى لا يتكرر الخطأ ويتم نسبه الى التجارب الناجحة.
ليس الخطأ في التغيير والانفتاح ولكنه في الاصرار عليه!.